شبح الظلم
بقلم الاديبة والصحفية
سليمة مليزي
" العدل إذا دام عمّر، والظلم إذا دام دمّر"..
ـ العالم والمؤرخ عبد الرحمان ابن خلدون ـ
بَدَأَ الفَجْرُ يُرْسِلُ خُيُوطَهُ الذَّهَبِيَّةَ، نَهَضَتْ يَمِينَةُ مُتَثَاقِلَةً وَرَاحَتْ تُرَاقِبُ تَسَارُعَ صُعُودِ النَّهَارِ عَلَى مَدَى الأُفُقِ. ذَهَبَتْ إِلَى الإِصْطَبْلِ، حَلَبَتِ النَّعْجَةَ الوَحِيدَةَ الَّتِي تَقْتَاتُ مِنْ بَيْعِ حَلِيبِهَا قُوتًا تَسُدُّ بِهِ حَاجِيَاتِ بَنَاتِهَا الثَّلَاثِ، بَعْدَمَا اسْتُشْهِدَ وَالِدُهُنَّ فِي مَيْدَانِ التَّحْرِيرِ دِفَاعًا عَنِ الوَطَنِ.
كَانَتْ تَهْرُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا بَحْثًا عَنْ قِطْعَةِ خُبْزٍ تَسُدُّ بِهَا رَمَقَ ابْنَتِهَا الصُّغْرَى. سَلَكَتِ الدَّرْبَ الَّذِي يُحِيطُ بِحَدَائِقِ جَدِّهَا الهَادِئَةِ كَهُدُوءِ الصَّبَاحِ. كَانَتْ أَصْوَاتُ العَصَافِيرِ وَصِيَاحُ الدِّيَكَةِ وَحَفِيفُ الأَشْجَارِ الَّتِي تُدَاعِبُهَا نَسَائِمُ الصَّبَاحِ هِيَ مُوسِيقَى الحَظْةِ، وَلَكِنْ رَائِحَةُ الخُبْزِ الَّتِي تَنْبَعِثُ مِنْ بُيُوتِ الفَلَّاحِينَ المُسْتَعِدِّينَ لِلذَّهَابِ إِلَى حُقُولِهِمْ أَثَارَتْ جُوعًا قَدِيمًا فِي نَفْسِهَا.
كَانَ الدَّرْبُ مُكَلَّلًا بِأَشْوَاكِ التُّوتِ البَرِّيِّ، بَدَأَتْ بَرَاعِمُهُ تَتَفَتَّحُ لإِعْلَانِ قُدُومِ الرَّبِيعِ. هُنَاكَ فِي الدُّرُوبِ مُرُوجٌ تَتَلَأْلَأُ مِنْ بَعِيدٍ بِأَزْهَارِ الأُقْحُوَانِ وَالبَنَفْسَجِ، وَكَأَنَّهَا سِجَّادٌ حِيكَ بِتَنَاسُقٍ جَمِيلٍ مِنْ إِبْدَاعِ الخَالِقِ. وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُهْتَمَّةً بِهَا بِقَدْرِ اهْتِمَامِهَا بِحَرَكَةِ الجُوعِ فِي بَطْنِ ابْنَتِهَا الَّتِي قَالَتْ:
ــ هَلْ شَمَمْتِ هَذِهِ الرَّائِحَةَ الشَّهِيَّةَ يَا أُمِّي؟ إِنَّهَا تُشْبِهُ رَائِحَةَ الخُبْزِ…
كَادَ قَلْبُهَا يَنْفَطِرُ لِمُلَاحَظَةِ ابْنَتِهَا. أَرَادَتْ أَنْ تُلْهِيَهَا، وَقَالَتْ لَهَا:
ــ اُنْظُرِي إِلَى تِلْكَ العَصَافِيرِ الَّتِي تَرْفْرِفُ فِي السَّمَاءِ، كَمْ هِيَ جَمِيلَةٌ…
كَانَتْ نَسَائِمُ الصَّبَاحِ الحَنُونُ تُدَاعِبُ جَسَدَيْهِمَا وَهُمَا يَشُقَّانِ الدَّرْبَ مُسْرِعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَفُوتَهُمَا الحَافِلَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي تُقِلُّهُمَا إِلَى المَدِينَةِ. كَانَ الهُدُوءُ يَبْعَثُ صَمْتَهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ. مَرَّ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُمَا مُنَظِّفُ القَرْيَةِ يَجُرُّ عَرَبَتَهُ لِتَنْظِيفِ شَوَارِعِهَا الهَادِئَةِ. كَانَ هُنَاكَ أَيْضًا حَارِسُ الحَدِيقَةِ الكَبِيرَةِ الَّتِي تَتَوَسَّطُ سَاحَةَ القَرْيَةِ، كَانَ يَسْقِي الحَدِيقَةَ، وَخَرِيرُ المَاءِ المُتَطَايِرُ عَلَى وَرِيقَاتِ الوُرُودِ يُرْسِلُ لَحْنًا شَجِيًّا يُبَدِّدُ الصَّمْتَ بِجَمَالِ رَقْرَقَتِهِ عَلَى الأَزْهَارِ وَالأَشْجَارِ. كَانَتْ تَلَامِسُ رَشَاتِ المَاءِ المُتَطَايِرَ عَلَيْهَا بِحَنِينٍ، وَرَائِحَةُ الوَرْدِ الجُورِيِّ وَالتُّولِيبِ وَالجَارْدِينَا وَالكَامِيلْيَا وَالبَنَفْسَجِ تَنْبَعِثُ مَعَ الهَوَاءِ العَلِيلِ وَتُنْعِشُ النَّسِيمَ بِرَائِحَتِهَا العَطِرَةِ.
لَمْ تَكُنِ ابْنَتُهَا الصَّغِيرَةُ تَعْلَمُ لِمَاذَا تَجُرُّهَا وَالِدَتُهَا كُلَّ أُسْبُوعٍ إِلَى المَدِينَةِ؟ لَقَدِ احْتَاجَتْ إِلَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ كَيْ تَعْرِفَ أَنَّ الصُّرَّةَ الَّتِي كَانَتْ تُخْفِيهَا دَائِمًا تَحْتَ جَنَاحِ شَالِهَا، تَحْتَوِي عَلَى بَعْضِ حَبَّاتِ البَيْضِ وَقَارُورَةِ زُبْدَةٍ وَبَعْضِ العَسَلِ، تُقَايِضُهَا لِحَانُوتِيِّ سُوقِ المَدِينَةِ وَتَأْخُذُ مُقَابِلَهَا السَّمِيدَ وَالزَّيْتَ وَالصَّابُونَ وَالسُّكَّرَ وَالقَهْوَةَ أَحْيَانًا.
كَانَتْ تَتَذَكَّرُ قَلِيلًا شَذَرَاتٍ مِنْ تِلْكَ القِصَّةِ الَّتِي طَالَمَا حَكَتْهَا لَهَا أُمُّهَا فِي طَرِيقِهِمْ ذَهَابًا وَإِيَابًا؛ قِصَّةٌ حَزِينَةٌ يُخَيِّمُ عَلَيْهَا شَبَحُ ظُلْمٍ وَقَهْرٍ أَعْمَامِهَا لَهُمْ فِي انْتِهَاكِ حُقُوقِهِمْ فِي مِيرَاثِ وَالِدِهِمُ الشَّهِيدِ الَّذِي تَرَكَ أَرَاضِيَ شَاسِعَةً اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.
وَيَمِينَةُ السَّيِّدَةُ القَوِيَّةُ وَالذَّكِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُطَالِبُ بِحَقِّ بَنَاتِهَا المَشْرُوعِ لَمْ تَيْأَسْ يَوْمًا. اليَوْمَ، وَهِيَ مُحَامِيَةٌ قَدِيرَةٌ، تَنْظُرُ إِلَى أُمِّهَا العَجُوزِ فَتَرَى فِيهَا النُّورَ الَّذِي تَتْبَعُهُ لِاسْتِرْدَادِ وَحِمَايَةِ حُقُوقِهَا. وَمِنْ أَجْلِ كِفَاحِهَا العَظِيمِ نَتَمَنَّى أَنْ تَسُودَ العَدَالَةُ هَذَا العَالَمَ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
من مجموعتي القصصية ( سيدة الضباب ) 2023

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق