Translate

الخميس، 22 يناير 2026

أُكُونُ أَمْ لَا أُكُون… فِي شُرْفَةِ الزَّمَنِ.. بقلم : عبد الرحيم الشويلي

 أُكُونُ أَمْ لَا أُكُون… فِي شُرْفَةِ الزَّمَنِ..

بقلم

عبد الرحيم الشويلي

فِي شُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ تُطِلُّ عَلَى شَوَارِعِ الْمَدِينَةِ، جَلَسَ رَجُلٌ مُتَوَسِّطُ الْعُمْرِ، يَرْتَدِي بِدْلَةً مُهْتَرِئَةً وَلَكِنَّهَا مَا زَالَتْ أَنِيقَةً، مُمْسِكًا بِفِنْجَانِ قَهْوَةٍ بَارِدٍ. قَالَ بِصَوْتٍ يَهْمِسُ لِنَفْسِهِ:
«أُكُونُ… أَمْ لَا أُكُون… تِلْكَ هِيَ الْمَسْأَلَةُ».
فَجْأَةً، انْقَلَبَتِ الشُّرْفَةُ، أَوْ رُبَّمَا انْقَلَبَ هُوَ. لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ مَا هُوَ الْأَعْلَى أَوِ الْأَسْفَل. مِنْ بَعِيد، كَانَ الْجِيرَانُ يُنْظُرُونَ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ مُهَرِّجٌ فِي مَسْرَحِيَّةٍ صَامِتَةٍ، يَضْحَكُونَ بِصَمْتٍ، وَيَرْفَعُونَ أَقْدَاحَ الشَّاي، وَكَأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ سِرًّا لَا يَعْرِفُهُ هُوَ.
قَرَّرَ الرَّجُلُ أَنْ يَكُونَ، فَوَقَفَ عَلَى الْحَافَةِ، مُتَأَمِّلًا السَّمَاءَ الرُّمَادِيَّةَ.
قَرَّرَ أَنْ لَا يَكُونَ، فَجَلَسَ مُجَدَّدًا، وَأَخَذَ يَضْحَكُ عَلَى نَفْسِهِ: «أُوهْ، أَنَا أَضْحَكُ عَلَى اخْتِيَارَاتِي، وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ آخَر».
فَجْأَةً، دَخَلَتْ قِطَّةٌ سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ، تَجْلِسُ عَلَى كَتِفِهِ كَحَارِسٍ غَامِضٍ، ثُمَّ قَفَزَتْ عَلَى شُرْفَةِ الْجَارِ، تَارِكَةً أَثَرًا مِنَ الْفَوْضَى وَالْفُضُولِ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ. أَدْرَكَ الرَّجُلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَمْ تَعُدْ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، بَلْ بَيْنَ الضَّحِكِ وَالْبُكَاء، بَيْنَ الْفَوْضَى وَالتَّرْتِيب، بَيْنَ النُّكْتَةِ وَالْمَأْسَاةِ.
ابْتَسَمَ، وَأَخَذَ يَكْتُبُ عَلَى قِطْعَةِ وَرَقٍ:
«إِذَا كُنْتُ سَأَكُونَ… فَلَنْ أَكُونَ بِمُفْرَدِي… وَإِذَا لَنْ أَكُونَ… فَلْيَكُنْ هَذَا مَعَ ضَحْكَةٍ صَغِيرَةٍ وَقِطَّةٍ سَوْدَاء».
وَابْتَلَعَتِ الْمَدِينَةُ ضَحِكَتَهُ فِي هُدُوءٍ، كَمَا يَبْتَلِعُ الْكَاتِبُ أَفْكَارَهُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى الْوَرَقِ...!!.
القاص
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
21.يناير.2026م.
قد يكون رسمًا توضيحيًا

كل التفاعلات:
سليمة مليزي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة