Translate

الأربعاء، 14 يناير 2026

جُدرَان. بقلم. : داليا السبع

لم يكن البيت مهجورًا كما يبدو.
كان يتنفس فقط.
في الليل، حين تهدأ المدينة وتُغلق النوافذ على الأسرار الصغيرة، كان الهواء يخرج من جدرانه ببطء، كصدرٍ يتعلّم الصبر بعد فاجعة قديمة. لم يجرؤ أحد على النوم فيه طويلًا؛ من قضى ليلة واحدة خرج شاحبًا، كأن حلمًا ليس له علِق في عينيه.
دخلتهُ بدافع الفضول.
قالوا لي: لا تنامي هناك.
لكنني كنت أبحث عن حلمٍ لا أعرف صاحبه.
البيت من الداخل لم يكن مظلمًا، بل متردّدًا. الضوء يتقدّم خطوة ثم يتراجع، كأنه يسأل الإذن. الجدران دافئة، ليست دفء حياة، بل دفء شيء تذكّر كيف كان حيًّا.
عندما أغلقتُ عينيّ، لم أنم.
الحلم جاء واقفًا.
رأيتُ امرأة تجلس قرب نافذة لا تطل على شيء، تُمسك رسالة لم تُفتح أبدًا. كانت تبكي بصمتٍ مهذّب، كأن البكاء نفسه يخاف أن يُزعج البيت. عرفتُ فجأة أن هذه ليست ذاكرتي، ومع ذلك كنت أشعر بثقلها في صدري.
استيقظتُ وأنا أعرف اسمها.
لم أسأل كيف.
في الصباح، خرجتُ وأنا أخفّ، لكن البيت بدا أثقل.
كأنه نقل شيئًا منه إليّ.
في الليلة التالية عدت.
ثم التي بعدها.
في كل مرة، حلمٌ جديد.
أرواح لا تبحث عن الخلاص، بل عن شاهد.
كنتُ أستيقظ محمّلة بأعمار لم أعشها، وقرارات لم أتخذها، وندمٍ لا يخصني… لكنه يسكنني.
سألتُ البيت همسًا:
— لماذا تفعل هذا؟
تنفّس أطول من المعتاد.
وفهمت.
البيت لا يسكن الناس.
هو يستعيرهم… ليبقى حيًّا.
في الليلة الأخيرة، لم يأتِ حلم.
جاء فراغ واسع، مريح، يشبه النهاية.
وحين حاولتُ الخروج، لم أجد الباب.
الجدران كانت أهدأ، والنَفَس أعمق.
جلستُ قرب النافذة التي لا تطل على شيء،
وأمسكتُ رسالة لم تُفتح بعد.
كانت بخطّي.

جُدرَان
بقلم
داليا السبع 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة