Translate

الأحد، 18 يناير 2026

زمرد : حين يتكلم الصمت بقلم....لينا السعدي

زمرد : حين يتكلم الصمت  
بقلم....لينا السعدي  
 
كانت يتيمة منذ اللحظة الأولى، بلا حضن ولا صوت ينادي اسمها. كبرت بلا أبٍ ولا أم، وبلا صوت، لكنها كانت تسمع كل شيء: احتكاك الريح بسنابل الذرة، ضجيج السوق، وضحكات الآخرين حين تخطئ إشاراتها. في حقل عمتها، تعلّمت أن الأرض لا ترحم المترددين. عملت من الفجر حتى الغروب، يداها مشققتان وكتفاها منحنيان كأنهما تحملان ما لا يُقال. ولأن النساء يُغبن في السوق، ارتدت زيّ الرجال، تخفي أنوثتها خلف عباءة خشنة، لتساوم وتبيع وتنتصر بصمت. مرت السنوات، حتى بلغت العشرين، وهي تمشي في العالم بوجهٍ ليس وجهها. وفي زيارتها الأخيرة للمدينة، وقفت أمام واجهة محل ملابس نسائية. الألوان بدت كأيام لم تُعش، والأقمشة كأحلام مؤجلة. صاحب المحل، وهو يظنها رجلآ مدّ لها فستانآ عندها انكسرت سنوات التنكر، وسألت نفسها برجفة في صدرها: لماذا كان عليّ أن أختفي كي أكون قوية؟ عادت إلى عمتها، وأشارت بقرارها. ارتجفت العمة خوفآ من عالمٍ لا يرحم المختلفين، لكنها تركت لها الحرية. عادت زمرد إلى حقيقتها، إلى فساتينها، دون أن تترك الحقل. كانت تعمل كما كانت، بل أشد. لكن الجرح الأعمق لم يكن في التعب، بل في السخرية. في السوق، توقفت عند بائع حبوب، أشارت بيديها تطلب الوزن. ضحك رجل خلفها، وراح يقلّد حركتها بيدين مرتخيتين، ثم نادا طفلآ: “انظر، هكذا تتكلم”. ضحك الطفل. لم تلتفت زمرد. أنهت البيع، وحملت الكيس، لكن الضحك ظل معلقآ على كتفيها أثقل من شمس الظهيرة. عندها قررت أن تجعل من يديها لغة كاملة، لا إشارة ناقصة. أن تبني جسرآ لا يسمح للضحك أن يسقط عليه. دخلت عند أستاذ في المدينة يعلّم الكتابة والإشارة. في اللقاء الأول، أخطأ في فهم إحدى حركاتها، فابتسم باعتذار مرتبك. شعرت لوهلة أنها مجرد تمرين جديد في دفتره. في اليوم التالي، تأخر عنها، وفي الثالث سألها إن كانت ستستمر. لم تجبه، فقط أعادت الإشارة، أبطأ، أوضح، وكأنها تقول: أنا هنا. يومآ بعد يوم، صارت إشاراتها أدق، وصار هو أقل كلامآ تعلّم أن ينتظر يدها قبل أن يفسّر، وأن يصمت حين لا يفهم. لم يكن مجرد معلّم، بل مرآة تتدرّب على الصدق. يقرأ في عينيها ما تسبق به الإشارة. حين وقف أمام عمتها طالبآ يدها، لم يحتج إلى خطب طويلة. كان حضوره هادئآ وكانت زمرد قد قالت كل شيء بيديها. في تلك اللحظة، لم تعد يتيمة تبحث عن سند، بل امرأة تعرف طريقها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة