Translate

الأحد، 18 يناير 2026

سديمُ الروح بقلم سوسن يحيى قاسم - العراق

سديمُ الروح 
بقلم  
سوسن يحيى قاسم  - العراق

لم تكن الروح تطلب ولادةً جديدة، بعد دهشتها من ديمومة الفراق،، 

فهي تعرف منذ وقتٍ مبكر أن أشباه الأرحام لا تصنع نجاة، أو لقاء

وأن التكرار في التردّد ولا يمنح خلاصًا.

ما كانت تحتاجه هو يقظة لا تنطفئ،

يقظة لا تعيد تسليمها إلى المصير ذاته 

حيث يولد الكائن محمّلًا بالوعد،

ثم يُترك وحيدًا في مواجهة خديعة الاكتمال.

تساءلت طويلًا:

أين يمكن أن يكون مأوى لهذه الروح

حين تفقد جغرافيا الأمان معناها؟

لم يعد هناك رحمٌ غيريها بالاحتواء،

ولا ظلّ يكفي لطمأنة ارتجافها،

ولا حلم ينجو من الإجهاض المتكرر.

حتى الجنون الذي كانوا يعلّقونه كتهمة في عنقها

لم يكن سوى محاولتها الأخيرة

لترويض اللغة،

ولتوسّل الحروف كي تقول

ما يعجز العالم عن احتماله.

كانت ترى بوضوحٍ جارح،

وتفضح عيناها ألوان الأقنعة

المختبئة خلف مساحيق الرياء.

كم كانت متَّهمة ببراءة الحدس،

لأنها تكتشف حقيقة القلوب

فتدفع ثمن هذا الوضوح

عزلةً مضاعفة،

واتهامات بغباء العاطفة.

كانت تشعر بأنها عالقة في شقٍّ عميق

داخل وعيٍ متضخّم،

وعيٍ يفيض عن حدوده حتى صار عبئًا،

يضغط على كيان اللامبالاة الرحيم،

ذلك التناقض الذي يحكم العالم

كهدنة قسوة تُقدَّم باسم الرحمة،

وصمت فراق يُسوَّق بوصفه حكمة.

ومن هناك، من ذلك الشقّ، بدأت تتساءل:

كيف يمكن لرغبة الانبعاث أن تولد

بعد غياب اللهفة،

حتى أقدمت الدهشة نفسها على الانتحار؟

من هول الصدمة التي جاءت من صميم الصحو

لم توقظها فحسب،

بل استوطنت دهاليز ذاكرتها كظلامٍ مباغت،

كغيوم سوداء تلتف حول عنق السماء لتسود العتمة 

قبيل الغروب،

حيث لا ليلٌ كامل ولا نهار منقذ.

أدركت، متأخرة ربما،

أن خروجها من الوعي الزائد

لم يكن ولادة،

بل انفصالًا قاسيًا عن ذاتٍ قديمة

كضميرٍ منبوذ في عالم الخديعة،

والتحامًا بذاتٍ غافية في ليلٍ طويل

لم يعد يملك إغراءها ببذرة نور.

حتى فكرة المأوى بهتت،

فالظلال لم تعد صالحة للحماية،

والشمس نفسها بدت كأنها تلوّح بالرحيل لا بالدفء.

وفي السديم السرمدي،

حيث تتوه الحدود بين السقوط والانتظار،

كسحابٍ شريد،

لم تجد أفقًا يذيب هذا الانحدار المرتقب

لذلك الوعي المرعب.

هناك، على الحافة،

بدأت الذات تتشكّل من جديد،

لا في الطمأنينة، بل في صميم الفقد،

حاملةً معها طفولةً

عاشت ببراءة الأوهام

في قاع انكسارات متتالية.

حينها فقط صار الضمير المكابد

سلاح هذه الروح الوحيد.

لم يكن سلاح هجوم،

بل أداة دفاع صامتة.

كانت تحارب لا لتنتصر،

بل ليسقط الزيف عن العالم،

ليظهر كما هو، عاريًا من ادعاءاته.

ومن بين هذا الانكشاف

تجلّت ذاتٌ جديدة،

تشبه هلالًا غير مكتمل،

ناقصًا في نظر الآخرين،

لكنه شديد الصحو في سواد الليالي الحالكة،

كحقيقة حادّة البصر

ترى الوجود والموت

بوصفهما وجهين لسؤال واحد.

فالانكسار حين يبلغ منتهاه

لا يُنهي القلق،

بل يفتح بوابة بلا صرير ولا إعلان،

لا يجتازها إلا من امتلك الجرأة

على العودة إلى ذاته العارية،

دون أقنعة، دون أعذار زائفة.

هناك فقط

يتحرر الكائن من وهم الطمأنينة،

ذلك الوهم الذي يُخدّر الإدراك

أكثر مما يداوي جذور الألم.

ومع انهيار الاتفاق الصامت

مع ندبات العقل،

بدأت الروح تتشكّل من جديد.

كشفت مرايا الزمن فشل كل محاولات الصمت المدروس،

فالسكينة ليست دائمًا حكمة،

وأحيانًا لا تكون سوى استسلام متقن.

والاطمئنان الزائف أخطر من الخسارة الصريحة،

لأنه لا يجرح دفعة واحدة،

بل يفسد البصيرة ببطء.

دهش العقل، وارتبك القلب،

من سرعة نضج هذه الروح بعد ضمورها.

فقد تعلّمت ألا تندم على بعض الخسارات،

لأنها اختيار واعٍ

للتخلي عن نسخة قديمة من الذات.

وتعلّمت أن الرحمة والكرامة

قد تأتي أحيانًا في هيئة فقد،

وأن النجاة لا تُمنح لمن ينتظرون الصبر بلا وعي،

بل لأولئك الذين يملكون شجاعة القرار،

حتى لو كان موجعًا،

حتى لو خلّف في القلب

أثره الأخير كجراح لا تُمحى.

لم تسعَ لأن تكون أرقّ سريرة،

ولا أصلب جسدًا.

ما أرادته، وما بلغته،

أن تكون أعمق نظرًا في ذاتها،

أكثر يقينًا بمسارها

في عالم يتغيّر بعنف،

وأشد وعيًا بالمتاهة الكامنة في كل لحظة.

كانت تلك ولادتها الحقيقية:

ولادة من رحم الضمير،

مطهَّرة بالسقوط،

مشبعة بصمت التجربة،

تحمل جراحها لا كندوب هزيمة،

بل كدلائل يقظة وصمود،

نجت بضمير اليقين

كما تفشل فزّاعة الأوهام

في إقناع الطيور

بمخاوف الريبة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة