Translate

الأحد، 5 يونيو 2022

ملاذ غير آمن بقلم / حميد محمد الهاشم - العراق

 قصة قصيرة:(ملاذ غير آمن).

أربعةُ (راجديات) في الثانيةِ ظهراً، بعد لفّةِ الفلافلِ في ذلك اليوم، تسعون جريدةٍ أو أكثر بقليل قد نفدتْ منهُ في الحاديةِ عشر صباحاً ،ولم يكن قد أكلَ شيئاً بعدْ، وقدْ كان فَرِحاً.. فرحاً جداً..، لكن صفعات مدرسِ العربي أفقدتهُ ذاكرةَ فرحةِ البيع ،نزلَ الراجدي ألاولُ كصاعقة تجدحُ على خدهِ ذات العلامة لخرمَوش قديم، المعضلة في الكوليرا، والمعضلة الأعظم في مدرسٍ لا يعترفُ أنه قد أخطأ ،أو نسى..ولن يعلل ذلك ولو بالسهو.
التلامذة منشدّون، لا مقطةَ تبري قلماً، ولاخربشةَ قلمٍ على ورقة.. سكوت.. بسكوت.. والأستاذ يتحدث:
_أن السيابَ..أ..أه.. هو من كتبَ قصيدةَ الكوليرا.
سكت الجميع ولم ينبسْ أحدٌ ببنتِ شفه. وما أدراهم من كتب الكوليرا أو الجدري والدرسُ أدبٌ وليس أحياءً، لكن الجميع ألتفتَ صوبَ صَوتٍ يأتي من الخلف.. بائع الجرائد..خجولاً لكنهُ واثقاً.. "أستاد.. أستاد.. هذا غلط أستاد، الكوليرا لنازك الملائكة مو للسياب".. كانت الصفعةُ الثانية بيمينهِ ،والثالثة بيسارهِ ، خابطةً الأنف مع العينين، جاءتْ الرابعةُ لتصدم جليس الصبي برأسهِ سهواً ،البؤسُ يشعلُ القلبَ، القلبُ يفيضُ، يبحثُ عن كلمةٍ تحملُ الفيضَ.
بؤسٌ ،و قلبٌ ،و كلمة، يقرأُ هذا في صُحُفهِ، صفحةُ الأدبِ والثقافة، يجدُ كلَّ ذلكَ في كل ذلكَ، أدمنَ قراءةَ الشِّعر في تلك الصفحات،قادهُ ذلك إلى معرفةِ فنونِ اللغة، أغوار اللغة، يتفوقُ في أولّهِ المتوسط على أقرانهِ، كان قد أنسابَ خيطُ دمٍ من أحدٍ منخريهِ، فيما انحدرت دمعةٌ من عينهِ التي أحْمَرّت؛ وهذا دفع كُتلةَ مخاطٍ صغيرةٍ بأنْ تغادرَ من التجويفِ الثاني ؛ لتخرج بجوارِ خيطِ الدم.. دمعةٌ.. قطرتا دم.. ومادةٌ دبقةٌ، كرفهما بكُمِّ قميصهِ بمسحةٍ واحدة. "أخرجْ يا ولد وأغسلْ وجهك" قال الأستاذ.
هرولَ بائعُ الصحف، من الصفِّ إلى المغاسل البائسة، ومن هناك قافزاً جدار المدرسة ليصبح فوقَ الرصيف،الملاذ الأخير،تاركاً خلفه كتبهُ تحضنهما ثلاثة جرائدٍ لم تُشْترَ بعدْ، اليومُ التالي صحفٌ دون مدرسة، اليوم الآخر صحف ودرسان فقط ،حيث قفزَ صبينا من الجدار إلى الملاذ الآمن.
اليوم الثالث:
_أبي لا استطيع الذهاب.
دون أن يلتفت إليه أبوه وهو يداعبُ زجاجةَ الموبايل.
_لماذا.. لماذا.. حسناً.. أعملْ معي بعد الظهر.
صمت الصبي، تحسّرَ في وجهِ أبيهِ.
_كلا.. كلا.. سأعود إلى المدرسه.
يومان بسلامٍ وهدنة يشوبها القلقُ بين استاذ اللغة وبائع الجرائد، ليس طيباً أستاذهم فيعالج الحال العليل هذا، أو العلة في هذا العليل، وها هو درس آخر، سهو آخر،فما عسانا أنْ نقول سوى ذلك. يدخل مشرفٌ أختصاص...(وثمة واوٍ ) لم تُحذفْ، قدكتبها الاستاذ الدايخ، رغم القوة الحاذفة المرابطة قبلها مباشرة، ولم يكن المُشرفُ يدري أن الديخ هذا، هو الفاعل، ربما أحد الأثنينِ والخمسين تلميذاً قد تساهل مع هذا الواو اللعين. وننتظر المصادفة الطيبة.
_أنتَ أبني.. أبو القميص المقلّم.. أين الخطأ في.....؟
أبو القميص المقلّم ، لم يكن بالطبع إلاّ (بطل قصتي).. بائعُ الصُحف،وذلك من وحي الصُدفةِ التي تصنع أحياناً ثروةً للبعض،أونجوميةً لبعضٍ آخر ، أو حتى تُهزمُ أو تنصرُ جيوشاً بأكملها، وها هي تُوقفُ هذا الصبي المسكين الذي لايبحث الأّ عمن يشتري بضعةَ جرائدٍ منهُ، تُوقفهُ أمام أحد طغاة عمرهِ الصغير، أستاذهُ العتيد، فماذا يفعل والمشكلة ليست في الواو وأنما ما بعد القضاء على الواو. أحتار الصبي.. التلاميذ ينظرون ماذا سيفعل (مثقفهم)، والأستاذ أصفرّ وجههُ، والمشرف يريد جواباً.. ثم:
_آ.. أ.. اس.. تاد.. الواو في يبدو.. يجب أن يُحذف.
خزره مدرسهُ، عينان حمراوان، أخرجَ كلّ منها طرف لسانهِ ليمسح شفتيه اليابستين، كلِّ لهُ صحراؤهُ و جفافهُ. يخرج المشرف لتنهال سياط الخيزران على راحتي المسكين.
للأستاذ ثمن يحميهِ، واحدةٌ على مفاصل راحتهِ، أخرى على متنهِ، وآخرى على ظهره.
جلس الصبي باكياً، جاثياً على ركبتيهِ. هدأت العاصفة.. "هيا أخرجْ يا ولد وأغسل وجهك من البكاء"،..مهرولاً من الفصل.. المغاسل الكئيبة.. متسلقاً الجدار.. الرصيف الملاذ.
سبعةُ عشرِ عاماً مرّت، بينما أنقّبُ في الذكريات، لعلي أكتبُ شيئاً، التلفاز أمامي، مؤتمر لرئيس الوزراء، بيان صحفي وزِعَ على حشدٍ من الصحفيين ، هكذا.. شاب يقارب الثلاثين.. يفاجئ الجميع :
"عفواً دولة الرئيس.. سؤالي ليس في السياسة.. أنما في.. لغتنا الجميلة.. دولتكم لم تحذفْ حرفَ علّةٍ واحدٍ أبداً.. والمعلول كما هو..لا شيئ قد تغير.. لاشيئ، لاشيئ"
أحمرّت عينّا الرئيس..!
أحمرّتْ أشياء أخرى..!
...... لم يتسلقْ ذلك الصحفي الجدار، بيدَ إنهُ وجدَ نفسهُ فوق الرصيف.... !!!
* القصة فائزة بالمركز الأول في ملتقى السرد الروائي/ محور طفولة مهددة
*(الراجدي:صفعة على الوجه)
بقلم / حميد محمد الهاشم - العراق
قد يكون فن ‏‏٤‏ أشخاص‏

إطلالة جسد بقلم / عصام الدين محمد أحمد


 إطلالة جسد

تهطل الأمطاربالخصب على جميع الحقول إلا حقلي،تذر الرياح حبوب الطلع لتلقيح كل النخيل إلا نخيلي،قال شيخ القرية:
طاردت اللعنة أرضك ؛ استوطنتها الشياطين؛والعلاج إضرامها بالنيران المتأججة.
تكومت أطنان الحطب الجاف ؛بزغت مئات المشاعل المتوهجة ؛وبقيت الأرض هى ذات الأرض.
قال عراف الجبل الغربى :
أوقعها السحر فى شراكه، التهمتها نظرات الحنق والغيظ، والترياق:إغراقها بالنهر .
أمسكوا بضفتي النهر لدلق مياهه ،اغتسلت أراضي القرية إلا أرضي .
استحالت أرضى ظاهرة فقهية،سرعان ما تكالبت على دراستها الجامعات وهيئات البحث،ملايين من العينات والدوارق والأوراق ،النتيجة تكثيف التجارب البحثية،استهلكت أرضي حياتي؛ لو سُرقت أوتزحزت أونضب معينها ما أعتراني من شأنها شيء ؛ أتذكرحينما ألج كهف الهموم :
( العمر تعدى العقد الثالث بأربع من وحدات الزمن ، تفحم أخواي ونجا الثالث بتصاريف القدر، اكتحلت جلودهما بكل الألوان ؛ بثور ، نتوءات ، تقيحات ، دم متفحم ، شعاب قزحية متورمة .
دموع أمي الفياضة لا تندمل أو تلتئم ؛ أنين أبي الحائر يجمرني .)
بارت أرضي ، تزدان الدار بالنعيم المقيم ،ذاع صيت أخي التاجر فى أرجاء المعمورة ،اعتاد الموقد أن لا ينطفئ أبداً،صار أمر زواجي شغله الشاغل، تستغرقني المرآة طيلة اليوم ؛تنساب الخيوط الرقيقة فوق رأسي فى عفوية ، تكتسي بشرتي القمحية حمرة الخجل ، تترقب من يفض بكارتها ، أتحسس استدارة أردافي الفجة ؛ لا ينقصها شيء عن باقى الأستدارات.
تحط الرحال ؛ترحل الوفود ؛وصوري تملأ الجيوب ، أتموضع جالسة ،مضجعة ،واقفة ، ينشر المساء أجنحة الظلام الوارفة ،يعكف أخي الثري مهموماَ؛يشغله شأني ،يحيط به الشيخ الكهل والعراف الغربى ، بسمل الشيخ وحوقل وتلى المعوذتين ،ينثر حبات البخور واللبان والحبهان فى المبخرة ــ المدفأة ــ الطينية،أفرغ العراف كيس الأحجية، تفتق ذهنه المشغول عن حيلة بذخية، طير الاعلانات على أجنحة الصحف اليومية،أقرأ مواصفات العريس المرتقب،استحضرت مشهدًا تسجيلياَ :
ذكور النحل تتماوت ،يستأثر الأقوى بالملكة المتمرجحة فوق أجنحة الشغالات.
تأخر أخى عن موعد عودته المعتاد،التاع القلب قلقاَ،أطبقت ذوائب الاكتئاب على جوارحي،تجتاحني الأفكار:
ماذا لو مات ؟
سألطم الخدود ؛ ولكن كيف الحياة بعده ؟
لم أتخيلها بعد .
عاد ليتخلص من الأرض الموبوءة، تتعملق سيارات النقل،تكوم جبال الرمل والزلط ، تلد الخراطيم أنهار المياه ، تبدلت الأرض قصراَ،اعتكفت فى الركن الجنوبي ، أحيك جوارب الشتاء،أدع التطريز ،أهيم بمفاتنى غزلاَ، أستجدي العطاء من بئر جف ينبوعه، أتمرغ فى أتربة الزمن المتخثرة، توجتني السنوات بالكرمشات، أهرع إلى إطلال البدايات،أتموضع خلف مقام الست عزيزة ،أهب صندوق النذور بقايا جسدي، تتكسر المرآة ،أهذي:مدد يا بائعة الكرامات .
تمت بحمد الله
بقلم / عصام الدين محمد أحمد

الضَّحك على اللحى … مصطفى الحاج حسين - حلب


 مصطفى الحاج حسين .

قصة : الضَّحك على اللحى …
قال لي أحدُ الشعراء الكبار ، ممّن يحتلّون مكانة مرموقة في خارطة الشعر العربي الحديث ، بعد أن شكوتُ له صعوبة النشر ، التي أُعانيها وزملائي الأدباء الشباب :
– هذا لأنّكم لا تفهمون قواعد اللعبة !! .
قلت بدهشة :
– كيف !! .. علّمني .. أرجوك .
ابتسم شاعري الموقّر ، وأجاب :
– عليكَ أن تكتب دراسات نقديّة ، عن أولئك الذين يتحكمون ، بحكم وظائفهم ، في وسائل الإعلام ،فكلُّ المحررين ورؤسائهم ، في الأصل أدباء ، اكتب عنهم مادحاً ، وستُفتحُ لك أبوابُ النّشر على مصاريعها .
وقبل أن أعلّق على كلامه .. تابع يقول :
– عندي فكرة، ما رأيك أن تكتب دراسة عن مجموعة ” قطار الماء ” ، التي صدرت مؤخراً ، ألا تعرفُ “ رمضان النايف ” صاحب المجموعة
؟؟ هو رئيس تحرير ” وادي عبقر ” ، وهي تدفع ” بالدولار ” .
اقتنعت بالفكرة مكرهاً ، فأنا قاص ما علاقتي
بالكتابة النقدية عن شعراء الحداثة !.
غادرت مقهى ” الموعد ” ، ودلفتُ إلى المكتبة المجاورة ، ولحسنِ الحظ لم أعان من البحث عن المجموعة كثيراً ، غير أنّي فوجئتُ بارتفاع ثمنها .
عندما أبصرت زوجتي المجموعة في يدي ، صاحت مستنكرة :
– ماذا تحمل ؟! .. هل عدتَ إلى شراءِ الكتب ؟.
إبتسمتُ لعلّي أُخففُ من غلوائها، فهي سريعة الغضب وسليطةُ اللسان ، تزوجتني بعد أن أعجبت بكتاباتي وأنا لا أنكرُ وقوفها إلى جانبي وتشجيعها لي في السّنة الأولى من زواجنا … كانت توفّر لي الوقت الملائم للكتابة ، لكنها سرعان ماتغيرت بعد أن حطّ مولودنا الأول بعبئه على أعناقنا ، خاصةً وأنها كانت تُتَابعُ ما يصلني من ردود الدوريات العربية والمحلّية ، حاملة الكلمة ذاتها ، بالأسلوب ذاته :
– ” نعتذر عن نشر قصّتك، لأنّها لا تنسجم وقواعد النشر في المجلة ، وفي الوقت عينه
فإنّ هيئة التحرير ، ترحب بأية مساهمات أخرى، تردها منكم .
في البداية كانت ” مديحة ” تلومني لأنّي لا أجيد انتقاء القصة المناسبة لكل مجلة.. لكنها عندما وجدت أن هذه العبارة ،تكررت على جميع قصصي المتنوعة الأغراض ،أيقنت أنّي كاتب غير موهوب ، ولهذا أخذت تطالبني بالبحث عن عمل إضافي ، بدلاً من تضيع الوقت في كتابة لا طائل منها ، فقدت إيمانها بموهبتي ، وراحت تعمل على قتل هذا الهوس الذي تملكني منذ الصغر .
وخلال فترة وجيزة ، تحوّلت ” مديحة ” إلى عدو للأدب ، فأخذت تسخر من كتاباتي ، وباتت تعيرني بما يردني من اعتذارات ،وصارت تضيق
بكتبي ، ومن الأمكنة التي تشغلها .
ذات يوم عدتُ لأجد جميع ما أملكه من كتب ، ومادبّجتهُ من قصص قد تكوّمَ على السقيفة ، إلى جانب المدفأة .
ولكي لا أفكر بالكتابة مرّة أخرى ، صمّمت على أن تبعدني عن أصدقائي الأدباء ، فسلّطت عليّ إخوتها لكي يرغموني على مشاركتهم في اللعب بورق الشدة، وطاولة الزهر ، واستطاعت أن تجبرني ، على العمل مع أخيها سائق الأوتوبيس ، كمعاون له أجمع أجرة الركاب ، وأنادي بصوت عال خجول :
– جامعة .. سياحي .. سيف الدولة .
وهذا ماجعلها اليوم تدهش ، حين رأتني أدخل
وبيدي المجموعة الشعرية ..
قلت لها :
– اسمعي يامديحة .. هذه المجموعة سوف تفتح لي آفاق النشر .
ذهلتُ .. لقد ضمّت المجموعة خمس قصائد ، وأطول قصيدة تتألّف من عدّة أسطر . وكلّ سطر يتكوّن من مفردة واحدة ، وقد يرافقها إشارة تعجّب أو استفهام ، أو بعض نقاط .ولكي أكون منصفاً عليّ أن أصف المجموعة بدقة .
بعد الغلاف الأول ، تجد على الورقة الأولى ، عنوان المجموعة ، واسم الشاعر . تقلب الصفحة
تطالعك عبارة – جميع الحقوق محفوظة – تنتقل إلى الصفحة الثالثة فترى عنوان المجموعة مكرراً بشكل مجسّم ، تأتي إلى الرابعة ، فتقرأ :
– صمم الغلاف الفنان العالمي ” ديكاسو ” وعلى الخامسة يبرز أمامك الاهداء – إلى أصحاب الكلمة الملساء – .
وفي الصفحة السادسة ، تعثر على تنويه هام :
– الرسوم الداخلية ، لوحات لفنانين عالميين .
وسوف تستوقفُك على الصفحة السابعة ، ملاحطة ضرورية جداً بالنسبة للنقاد :
– كتبت هذه القصائد مابين حصار بيروت ، وحرب الخليج الأولى .
في الصفحة الثامنة ، ستقع على مقدمة نقدية ،كتبها أحدُ النقادِ البارزين ، الذي يستطيع أن يرفع ويحطّ من قيمة أيّ أديب كان على وجه المعمورة ،استغرقت تسع صفحات . وعلى متن الصفحة السّابعة عشرة ، ستحطّ الرحال على مقدمة أخرى ، ولكن بقلم الشاعر نفسه ، يتحدّث فيها عن تجربته الشعرية الفريدة ، وعن ذكرياته الأليمة في المعتقل ، يوم تعثّر بإحدى الطاولات وحطّم ماعليها ، وهو في حالة سكر شديد ، مما دفع السّلطة التي لا تميز بين الفنان المبدع والإنسان العادي ، إلى زجه بالسجن ، مثله مثل باقي المجرمين . وكان عدد صغحات مقدمته ثلاث عشرة .
وهنا تنتقل إلى الصغحة التالية ، تقرأ عنوان
القصيدة الأولى :
– طار القطار غوصاً –
بعد العنوان الذي انفرد بصفحة كاملة ، تقع على القصيدة التي تتألف من ست مفردات ، توزعت على ستة أسطر :
– (( حدقت / في / شهوتي !! / وقلتُ : /
صباح / الخير / )) .
وتنتهي القصيدة .
ولأنّ القصيدة ، أو لأنّ معناها تافه وبذيء ، وجدتني أصرخ :
– مديحة .. أرجوك أريد قهوة .
وتصاعف غيظي أكثر ، حين تناهى إليّ صوت “
مديحة ” الساخر :
– حاضر يازوجي العزيز .. يامكتشف اللعبة
والمفاتيح .
وحتى لا أشردَ عمّا كنتُ عازماً على تنفيذه ، عدتُ لأتابع قراءتي .
على صدر الصفحة الرابعة والثلاثين ، ستبصر لوحة فنية مغلقة ، مستعصية . وتتهادى إليك الصفحة الخامسة والثلاثون، حاملة معها .. عنوان القصيدة الثانية :
– تضاريس السّحاب –
ليطالعك الإهداء على الصفحة اللاحقة :
– (( مهداة .. إلى كلّ جندي على تخوم الهزبمة )) .
أما الصغحة السابعة والثلاثون ، فقد فخرت بحمل العنوان من جديد ، وبشكل فني مختلف ، وأسفل العنوان ، استلقت قصيدة طويلة :
– (( عواء / الليل / أرعب / أحرفي .. / أوقدت / أصابعي / للكتابة .. / و … / فجأة / قفز / القلم / حين / اعتقلتني / أوراقي / . )) .
وبما أنّ القصيدة كانت مطولة ، احتلت ثلاثة عشر سطراً ، فقد اقتضى ذلك أن تمتد لتصل إلى الصفحة الأربعين .
وضعت ” مديحة ” فنجان القهوة ، على الطاولة التي نستخدمها لكل شيء ، وقالت :
– ألم تباشر بدراستك التي ستفتح علينا ليلة القدر ؟!
حاولت أن أكظم غيظي ، فأجبت :
– لم أنتهِ من قراءتها بعد ، لكنها تبدو لي مجموعة سخيفة .
تراجعت مديحة بعض الشيء :
– سخيفة أم جميلة .. أنت ماذا يهمك ؟.. المهم أن يفسحوا لك مجالاً للنشر .
– ولكنّي سأنافق يامديحة ، وأنا .. وهنا
قاطعتني بانفعال :
– أنت ماذا ؟.. أنا أعرف أنه لا يعجبك العجب ، مَن منَ الكتّاب يعجبك ؟ .. بما فيهم أصدقاؤك
!! .
ومن حسن الحظ ، صرخ ابننا ، بعد أن سمعنا ارتطام جسمه فوق أرض المطبخ ، وهذا ما أنقذني من لسان ” مديحة ” التي ركضت كمجنونة ، فعدت إلى المجموعة .
وسيراً على قوانين المجموعة ونظمها، ستركض الصفحة التالية بمثابة فسحة للتأمل في الفراغ الأبيض ، وقد توحي بمقص الرقابة التقليدي، في حين رفعت الصفحة الثالثة والأربعون عقيرتها ، لتعلن عن عنوان القصيدة الثالثة :
– خرير السّراب –
وتخرج إليكَ القصيدةُ ، في الصفحة الرابعة والأربعين :
منظومة على صفحة ونصف ، ممتدة على ثمانية أسطر :
– (( نافذتي / مغلقة / على / هواجسي، / وأنا / والنار / متشابهان / بجليدنا )) .
هنا نكون قد وصلت إلى الصفحةالسادسة
والأربعين ، وكما جرت العادة ، سترقص أمامك
لوحة فنية جديدة ، وإلى جوار اللوحة ، على صدر الصفحة الأخرى ، كان عنوان القصيدة الرابعة :
– نحن أصل الفراغ –
أما القصيدة التي احتضنتها الصفحة الثامنة والأربعون ، فقد كانت مؤلفة من جملة واحدة ، توزعت على ثلاثة أسطر :
– (( حفيف .. / الشوق !! .. / الصامت ؟.)).
باغتني صوت مزمار الأوتوبيس ، فأدركت أن ” هاشم” شقيق زرجتي جاء ليأخذني معه إلى العمل ، وسمعت صوت ” مديحة ” التي فتحت باب المنزل ، تنادي على أخيها أن ينزل من السيارة ، ويدخل ليتناول الغداء معنا ، لكنّ ” هاشم ” مستعجل ، لذلك طلب أن أخرج إليه ، دخلت ” مديحة ” قائلة :
– ألم تسمع صوت ” الزمور” ؟.. أجّل كتابة مقالاتك إلى الليل .
ولأني لا أطيقُ هذا العمل وأخجل منه ، فأنا مدرس ، أصادفُ الكثيرين من طلابي ،وكم أعاني من العذاب والحياء حين آخذُ منهم الأجرة ، ولهذا وجدتها فرصة لأتنصل من العمل :
– لن أشتغل اليوم .. قولي ” لهاشم ” أن يأخذ
أخاك ” صلاح ” .
صاحت مديحة :
– إذا كنت لا تنوي الكتابة ، فلماذا لا تريد أن
تشتغل ؟!.
قلت ، لكي أطمئنها بعض الشيء :
– حتى الآن لم أتخذ قراري برفض الكتابة .
يعني هل ستكتب ؟
أجبت وأنا كلّي حيرة :
– سأحاول .. سأحاول .
عدت إلى الديوان ، وجرياً على العادة تشاهد في الصفحة الخمسين ، لوحة فنية تتربع ، يليها العنوان العريض للقصيدة الخامسة والأخيرة :
– أهازيج الموت –
وخلف هذا العنوان ، على الصفحة الواحدة
والخمسين ، إهداء حار :
– (( إلى لوزان وعينيها .. )) .
ثمّ تتبدّى القصيدة على الصفحة التالية :
– (( الصبح / أصبح / يا.. / رندة / والقلب !/
تثاءب !!/ بنشوى / ذكراك . )) .
وكما تلاحظ فقد احتلت القصيدة صفحة ونصف ، لأنّها توزعت على ثمانية أسطر .
على شغف محترق للوصول إلى الفهرس ، تقفز
الصفحتان لتحتوياه .. ثم تنفردُ الصفحة السادسة والخمسون بخصوصيتها، في عرض ما صدر للمؤلف .. وفي الصفحة التي تتبعُها ، كُتبت عناوين المجموعات التي تحتَ الطبع للمؤلف :
1 – الوردةُ القادمةُ من حتفها .
2 – أجهشت بشذاها المعطوب .
3 – وانكسرَ الأريجُ على جناحي فراشة .
4 – فاستفاقَ غبارُ الطّلع .
ولقد خُصصت الصفحة الثامنة والخمسون ، والتي بعدها ، من أجل التصويب الذي سقط سهواً .
تنتهي الصفحة الأخيرة من المجموعة ، بتقاريظ
تحت عنوان :
– ” مقتطفات ممّا سيكتب عن المجموعة “
(( لقد حلّق الشاعر ” رمضان النايف ” في مجموعته هذه ، إلى مافوق العالمية بعشرة أمتار وسبعة مليمترات . )) .
امرؤ التيس .. جريدة اللف والدوران .
– (( الحداثة عند رمضان النايف ، حداثةُ وعي
ومغامرة ، ترتبط بالتراث التليد ، بقدر المسافة التي تبتعدُ عنه .)) .
مجلة : نواجذُ النقد .. المتخبّي .
ولأنّ الصفحة انتهت ، اضطرت دار النشر ، حرصاً منها على أهمية ما سيقال، لكتابة التعليقين الآخرين على الغلاف الخارجي ، تحت صورةالشاعر الباسم :
– لقد أبصرتُ ، بعد عمىً طويل ، ذلك الزخم
الفلسفي ، الذي يغلي ويبقبقُ في سطور المجموعة.
أبو العلاء المغري ..
في حوار له بعد عودته من بغداد .
– (( كلما قرأت رمضان النايف ، أشعر أنني مبتدئ في كتابة الشعر .)).
جريدة : صوت الكلمة الفارغة ..
أبو الدعاس .
ولكي لا نقول عن دار النشر ، إنها نرجسية ، تحبّ المدح ، فهاهي تثبتُ نقداً حاداً ‘ لعباس محمود العياض ” ، كتبه في مجلة الكلمة المشنوقة من أهدابها :
– (( في المجموعة ثمة نقص واضح للعيان ، فأين الصفحة التي تخصص عادة في كل الكتب ، وهي هامة للغاية، ألا وهي – صدر عن دار النشر . أرجو من دار النشر العظيمة الصيت أن تتلافى مثل هذا الخطأ القاتل.)).
عندما دخلت ” مديحة ً ، وجدتني قد مزقت كل ماكتبته من قصص ، وقبل أن تستفيق من دهشتها ، خاطبتها :
– أنا مستعد أن أعمل مع ” هاشم ” مثل الحمار .
اقتربت ” مديحة ” مني ، لمحتُ حزناً في عينيها لمحتُ عطفاً ، حباً ، دمعاً ساخناً مثل دمعي ، مسّدت شعري ، ضمّت رأسي إليها ، أنهضتني من فوق كرسيّ ، مسحت دمعتي بباطن كفّها ، التقت نظراتنا اختلجت شفاهُنا ، تدانت ، وسرى فيها اللهب .
مصطفى الحاج حسين .
حلب
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏نظارة‏‏

الحصاد المر بقلم / محمد عبد الهادي - مصر


 الحصاد المر

جففت بمنديلها ألم الدموع الساقط على وجنتيها، علقته على غصن شجرة الليمون ليجففه الهواء البارد لهذا الصباح، ربطت رأسها بإيشارب صوف.. أخذته من على حبل الغسيل، أحكمت شالها على كتفيها،جلست على كرسي تحت نافذته المغلقة، انتظرت بزوغ الشمس من بين السحب المتراكمة وسقوط أشعتها فوق وجهها.
في لحظة سهو ابتسمت قائلة: هما يلهوان الأن
فردت ذراعيها.. احضنتهما، صرخت، عندما لم تجدهما بين يديها، أدمى صراخها قلب أبيها الكهل، المستند على عكازه في منتصف الدار، ذهب إليها متحملا أوجاعه، تحت شجرة الليمون خاطبها:
-ابنتي ابنتي أنه قضاء الله
- يخرجان جثة هامدة من بئر الساقية
تطير الرياح التي بدأت في الهبوب منديلها.. يسقط على وجهها.. تتركه وتغلق عينيها.
يقطف الكهل بعض حبات الليمون، تسقط من بين أصابع قبضته المرتجفة أربع حبات.. يتركهم ويترحم.
بقلم / محمد عبد الهادي - مصر

مشاركات الأعضاء

تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر

  تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر أهذي كلابٌ أمْ جرادٌ منتشرْ أمْ عسكر متنكِّرون من التترْ ؟ لا تع...

المشاركات الشائعة