وِلادةٌ عاجلةٌ ...
بقلم
فريد المصباحي
بزغَ ضوءُ الصبحِ فدبّت في بيتِ " رحمةَ " التي أحست بوجعٍ غير معهودٍ وهي حاملٌ في شهرِها السابعِ ، حركةٌ غيرُ عاديةٍ ، لا أحدَ كان يتوقّع أيَّ جديدٍ في الوقتِ الراهنِ !
تجمّعت بعضُ النسوةِ حولَها واللائي جئنَ من الجوارِ ، لم يخطرْ على بالِ إحداهنّ أيَّ جديدٍ ، هي الآن في شهرِها السابعِ والذي عادةً ما يكون شهرَ المفاجآتِ والمخاطرِ والإنتكاساتِ لحديثي الولادةِ ...!
قامت " رحمةُ " من مكانِها ، تمشي جيئةً وذهاباً من بيتٍ لآخرَ ، تشعرُ بشيءٍ ما يضغطُ على بطنِها ، والألمُ لا يفارقُها ...
العرَقُ يتصبّبُ من جبينِها ، تجلس مرّةً وتقفُ أخرى ...
عادت إلى سريرِها وهي تتوقّع مصيراً كارثياً لجنينِها ، تقرّبت نحوها إحدى قريباتِها تُطمئِنُها ، تمسَحُ بيدِها جبهتَها لتزرعَ في نفسِها الأملَ والتفاؤلَ ...
طلعتْ شمسُ الثلاثاءِ وفي حِضنِ " رحمةَ " مولودٌ ذكرٌ صغيرُ الحجمِ ، قد خرجَ للتوِّ من ثُقبِ إبرةٍ إلى الحياةِ ...
عانقتْهُ ، ضمّتهُ إلى صدرِها ، قبّلتْهُ وهي تبكي من وجعٍ لا يفارقُها ... مولودُها يعني لها الحياةَ ، وهو المولودُ الأولُ الذي سيزدان به بيتُ " علي " ذلك الذي انتظرَه طويلاً ...
عمّتِ الفرحةُ أرجاءَ البيتِ وانتشرت البُشرى ...
مرّ أسبوعٌ على تلك الولادةِ العسيرةِ فزارتْها بعضُ النِّسوةِ ليجِدنَ رضيعَها لم يَتغيّر حجمُهُ وبقي كلحمةٍ بدون روحٍ ، والخوفُ لا يفارقُ أمَّهُ ، وقد تَجرّأنَ عليها أن طلبنَ منها رميَه والتخلّي عنه ، قُلن لها إنَّه لن يَحيى وسوف يموتُ ، فأبناءُ السبعةِ أشهرٍ لا يعيشون مُعظمَ الأحيانِ وأنتِ تضيّعين وقتَكِ في سبيلِه ، تتعذّبين وتشقَينَ من أجلِه فسوف يَهلك ويموتُ في أيةِ لحظةٍ ...!!
لكن الأمّ الحنونَة أصرّت على الإعتناءِ والإهتمام به ورعايتِه ، تفعلُ المستحيلَ من أجلِ بقائِه حيّاً ، ليصيرَ شاباً بإذنِ الله ، ولها كلّ الثقةِ في ذلك ...
قالت لهُنّ وفي تَحَدٍّ واضحٍ :
- " والله لن أتخلى عنه وفيه قلبٌ ينبضُ بالحياةِ وما دامت الروحُ تسري في جسدِه ..."
هذا زاد في نفسِها وهجاً وشجاعةً ، وستَتحدّى الكونَ من أجلِه قائلة :
- " سوف يكبُر ويتزوجُ وينفعُني اللهُ به في حياتي ..."
في الغدِ إستيقظت " رحمة " مبكراً لتجمع ما تجُود به المنطقةُ من الأعشابِ والنباتاتِ التي تلعبُ دورَ المسخّناتِ الطبيعيةِ ، بحيث تصنعُ منها خلطةً متجانسةً بطحنِها وهي يابسةٌ في مطحنةٍ منزليةٍ لتصيرَ مثل الحنّاءِ المدقُوقِ فتجمعها في إناءٍ مع الماءِ الدافىءِ على شكلِ معجونٍ وتأتي بالمولودِ لتطليَه بتلكَ الخَلطةِ العجيبةِ ، ثم تلفُّه بقِطعِ الثوبِ ، هكذا لمدةِ شهرين كاملينِ ، وهي المدةُ المتَبقّيةُ لولادتِه الطبيعيةِ ...
ما أن مرّت تلك المدةُ حتّى أصبح الرضيعُ بحجمِه الطبيعي ...
هنا تيقّنت الأمُّ أن الأملَ والتفاؤلَ والإهتمامَ والرعايةَ تصنع المعجزاتِ ...
لم ترجع يوماً عن قرار التّحدّي الأكبرِ الذي اتخذت منه مبدأ ، رغم صعوبةِ الموقفِ والعملِ من أجلهِ ...
بعد مدةٍ ليست بالقصيرةِ زارتها بعضُ نسوةِ البلدِ حيثُ لاحظنَ جمالَ ونظارةَ وبشاشةَ الولدِ ، لمّا كانَ يمرَح بينهُن ويبتسمُ ، تأكّدن من قولِ الأمِّ :
- " واللهِ لن أفعل مثل جارتي فلانة كانت تقذِف بأبنائِها ، والرّوحُ تسري في أجسادِهِم وكم من ولدٍ ضيّعت بسبب إهمالِها ذلك ...!!!"
تأسفنَ لتثبيطِهن لها ، نَدِمن على ما صَدر منهُن ، واعتذرنَ لها لما قُلن في حقّ المولودِ ، وما كان قد بادَر منهن من قبلُ من إساءةٍ ...
ولمّا رأينَ الولدَ يبدو عليه الحُسنُ والجمالُ غيرنَ نظرتَهُنّ ...
ترعرَع الطفلُ في أحضانِ أمِّه وتلقّى تربيةً حسنةً مما جعل منه ولداً صالحاً وحقّق نتائجَ مهمةٍ في حياتِه الدراسيةِ ، وأصبح إطاراً يُحسبُ له ألفُ حسابٍ وبدرجةٍ مرموقةٍ ...
عاشت أمُّه طولَ حياتِها معه ، رغم وجودِ أبناءٍ آخرين ...
وهي تتذكّرُ دائماً مُعاناتِها وما فعلتْهُ من أجلِه من تضحياتٍ جِسامٍ ...
وهو كذلك لم ينسَ جميلَها ، يهتَمّ بها ، ويرعاها ولم يخيّب ظنَّها فيه أبداً ، وعاشت معَه طفولتَه وشبابَه ورجولتَه ...
وِلادةٌ عاجلةٌ ...
بزغَ ضوءُ الصبحِ فدبّت في بيتِ " رحمةَ " التي أحست بوجعٍ غير معهودٍ وهي حاملٌ في شهرِها السابعِ ، حركةٌ غيرُ عاديةٍ ، لا أحدَ كان يتوقّع أيَّ جديدٍ في الوقتِ الراهنِ !
تجمّعت بعضُ النسوةِ حولَها واللائي جئنَ من الجوارِ ، لم يخطرْ على بالِ إحداهنّ أيَّ جديدٍ ، هي الآن في شهرِها السابعِ والذي عادةً ما يكون شهرَ المفاجآتِ والمخاطرِ والإنتكاساتِ لحديثي الولادةِ ...!
قامت " رحمةُ " من مكانِها ، تمشي جيئةً وذهاباً من بيتٍ لآخرَ ، تشعرُ بشيءٍ ما يضغطُ على بطنِها ، والألمُ لا يفارقُها ...
العرَقُ يتصبّبُ من جبينِها ، تجلس مرّةً وتقفُ أخرى ...
عادت إلى سريرِها وهي تتوقّع مصيراً كارثياً لجنينِها ، تقرّبت نحوها إحدى قريباتِها تُطمئِنُها ، تمسَحُ بيدِها جبهتَها لتزرعَ في نفسِها الأملَ والتفاؤلَ ...
طلعتْ شمسُ الثلاثاءِ وفي حِضنِ " رحمةَ " مولودٌ ذكرٌ صغيرُ الحجمِ ، قد خرجَ للتوِّ من ثُقبِ إبرةٍ إلى الحياةِ ...
عانقتْهُ ، ضمّتهُ إلى صدرِها ، قبّلتْهُ وهي تبكي من وجعٍ لا يفارقُها ... مولودُها يعني لها الحياةَ ، وهو المولودُ الأولُ الذي سيزدان به بيتُ " علي " ذلك الذي انتظرَه طويلاً ...
عمّتِ الفرحةُ أرجاءَ البيتِ وانتشرت البُشرى ...
مرّ أسبوعٌ على تلك الولادةِ العسيرةِ فزارتْها بعضُ النِّسوةِ ليجِدنَ رضيعَها لم يَتغيّر حجمُهُ وبقي كلحمةٍ بدون روحٍ ، والخوفُ لا يفارقُ أمَّهُ ، وقد تَجرّأنَ عليها أن طلبنَ منها رميَه والتخلّي عنه ، قُلن لها إنَّه لن يَحيى وسوف يموتُ ، فأبناءُ السبعةِ أشهرٍ لا يعيشون مُعظمَ الأحيانِ وأنتِ تضيّعين وقتَكِ في سبيلِه ، تتعذّبين وتشقَينَ من أجلِه فسوف يَهلك ويموتُ في أيةِ لحظةٍ ...!!
لكن الأمّ الحنونَة أصرّت على الإعتناءِ والإهتمام به ورعايتِه ، تفعلُ المستحيلَ من أجلِ بقائِه حيّاً ، ليصيرَ شاباً بإذنِ الله ، ولها كلّ الثقةِ في ذلك ...
قالت لهُنّ وفي تَحَدٍّ واضحٍ :
- " والله لن أتخلى عنه وفيه قلبٌ ينبضُ بالحياةِ وما دامت الروحُ تسري في جسدِه ..."
هذا زاد في نفسِها وهجاً وشجاعةً ، وستَتحدّى الكونَ من أجلِه قائلة :
- " سوف يكبُر ويتزوجُ وينفعُني اللهُ به في حياتي ..."
في الغدِ إستيقظت " رحمة " مبكراً لتجمع ما تجُود به المنطقةُ من الأعشابِ والنباتاتِ التي تلعبُ دورَ المسخّناتِ الطبيعيةِ ، بحيث تصنعُ منها خلطةً متجانسةً بطحنِها وهي يابسةٌ في مطحنةٍ منزليةٍ لتصيرَ مثل الحنّاءِ المدقُوقِ فتجمعها في إناءٍ مع الماءِ الدافىءِ على شكلِ معجونٍ وتأتي بالمولودِ لتطليَه بتلكَ الخَلطةِ العجيبةِ ، ثم تلفُّه بقِطعِ الثوبِ ، هكذا لمدةِ شهرين كاملينِ ، وهي المدةُ المتَبقّيةُ لولادتِه الطبيعيةِ ...
ما أن مرّت تلك المدةُ حتّى أصبح الرضيعُ بحجمِه الطبيعي ...
هنا تيقّنت الأمُّ أن الأملَ والتفاؤلَ والإهتمامَ والرعايةَ تصنع المعجزاتِ ...
لم ترجع يوماً عن قرار التّحدّي الأكبرِ الذي اتخذت منه مبدأ ، رغم صعوبةِ الموقفِ والعملِ من أجلهِ ...
بعد مدةٍ ليست بالقصيرةِ زارتها بعضُ نسوةِ البلدِ حيثُ لاحظنَ جمالَ ونظارةَ وبشاشةَ الولدِ ، لمّا كانَ يمرَح بينهُن ويبتسمُ ، تأكّدن من قولِ الأمِّ :
- " واللهِ لن أفعل مثل جارتي فلانة كانت تقذِف بأبنائِها ، والرّوحُ تسري في أجسادِهِم وكم من ولدٍ ضيّعت بسبب إهمالِها ذلك ...!!!"
تأسفنَ لتثبيطِهن لها ، نَدِمن على ما صَدر منهُن ، واعتذرنَ لها لما قُلن في حقّ المولودِ ، وما كان قد بادَر منهن من قبلُ من إساءةٍ ...
ولمّا رأينَ الولدَ يبدو عليه الحُسنُ والجمالُ غيرنَ نظرتَهُنّ ...
ترعرَع الطفلُ في أحضانِ أمِّه وتلقّى تربيةً حسنةً مما جعل منه ولداً صالحاً وحقّق نتائجَ مهمةٍ في حياتِه الدراسيةِ ، وأصبح إطاراً يُحسبُ له ألفُ حسابٍ وبدرجةٍ مرموقةٍ ...
عاشت أمُّه طولَ حياتِها معه ، رغم وجودِ أبناءٍ آخرين ...
وهي تتذكّرُ دائماً مُعاناتِها وما فعلتْهُ من أجلِه من تضحياتٍ جِسامٍ ...
وهو كذلك لم ينسَ جميلَها ، يهتَمّ بها ، ويرعاها ولم يخيّب ظنَّها فيه أبداً ، وعاشت معَه طفولتَه وشبابَه ورجولتَه ...
فريد المصباحي ٢٠٢١/٠٢/٢١




