Translate

الثلاثاء، 14 فبراير 2023

الساعة الواحدة صباحََا للكاتبة / هبه عمران طوالبة الأردن



 الساعة الواحدة صباحََا

للكاتبة / هبه عمران طوالبة
الأردن
لا زلت أنتظر عودتك.. أصبحت النجوم تتحدث والقمر يهمس، أصبح الليل حائرََا لماذا لم يَعُدْ؟ هل الطريق ضلله أم أنه ضلّ..ومن هنا تبدأ الحكاية في ذلك المقهى تحت ألحان الطرب القديم في إحدى أيام شهر نيسان.. كنت في كامل البهجة للحياة. وجلست عند زواية المقعد أقرأ كتابي .. رأيتك تُكَلِّمُ الفتياتِ عن إصدارات عبدالحليم، وكنت توحي أنك شاعر أو كاتب أو ثائر للحرية.. لقد كانت نظراتي الأولى خافتة وساكنة مثل موج البحر بين ارتفاع وانخفاض.. وانا أحاول النهوض لكي أستعد للمغادرة، نظرتَ إلي نظرة بأننا سوف نتكلم ..
في إحدى ليالي أيار رأيتك تجالس القمر والنجوم، وتفصح أنك وجدت محبوبة الأيام وقدرك الذي لا ينسى ..بصوت خافت ..هل أنت بخير يا عزيزي ..نهض يبتسم ..قال لي يا محبوبة الأيام أنت السلام والأمان أنت طيف الحنان وقدري حبك حكاية من وحي ورق أبيض وبين فيض الحبر ..كنتِ الوطن.. تسارعت الأيام وازداد ذلك الهيام قال لي باللقاء الأخير أظن أنني أحببتك أشد من قيس وليلى لقد مضى على آخر لقاء جمعنا سبعة أيام.. وعند اليوم العاشر وجدت ساعي البريد يقرع الجرس، هناك رسالة لكِ، لامست الظرف فقد كانت منه . كان سبب الابتعاد يحارب من أجل السلام وأنا لا أعلم وأصبحت أبكي، وفي نهاية الرسالة يخبرني أن انتظريني .. أنا سوف أعود .. ومضت عشرة اعوام ..وأصبحت في منتصف الثلاثينيات. ومضت الأيام والسنوات وانا ما زلت أنتظر العودة وأحتسي فنجان القهوة بنفس المكان الذي رأيته فيه للمرة الأولى، ربما يعود قطار الأيام .. في الموعد الأخير أنا أعتذر لك لم أستطع الانتظار ..عندما تعود لن تجدني سوف أكون في ثنايا الموت .....أحببتك بشدة وانتظرتك وخطفني الموت دون إنذار ودون أن أراك للمرة الأخيرة .. وداعاً ..
فلن يكون هناك قطار العودة .. .
الكاتبة هبه عمران طوالبة
الاردن





قد تكون صورة مقربة لـ ‏‏شخص واحد‏ و‏حجاب‏‏

السيارة الحمراء .. للكاتبة المبدعة / عايدة ناشد باسيلي مصر

 السيارة الحمراء ..

للكاتبة المبدعة / عايدة ناشد باسيلي

مصر

تشير الساعة في سيارتي إلى السادسة صباحا ، تأخرت كثيرا.. كان يجب أن أستيقظ قبل ذلك بساعة لآخذ طريقي إلى مطار برج العرب ، وأستقبل زوجي العائد من السفر بعد عامين من الغياب...
على طريق الكورنيش ، بعد مرور نحو خمس دقائق من القيادة ، أحس بالمقود يهتز تحت كفي ، إنه ينبهني بأن هناك مشكلة ما في أحد الإطارات ، أنعطف بالسيارة جهة الرصيف ، أكتشف أن أحد الإطارين الخلفيين ، قد استوى بالأرض .
قبل أن افتح باب السيارة الخلفي ، لأخرج منه الإطار البديل ، يقترب مني شاب عشربني يتصادف وجوده في المكان ، مستأذنا بتقديم يد المساعدة ، تنتهي المهمة كأحسن مايكون ، أشكره وأنا أحاول إعطاءه بعضا من المال ، لكنه يرفض بشدة.. أشكره مرة أخرى وأنا أنطلق مسرعة.. لن ألحق به.. ستسبقني إليه جارتي المطلقة كما قالت قارئة الفنجان.. سيكون تأخري عنه سببا في خطفه من هذه الحرباء.. كل الظروف تؤكد صدق ما قالته قارئة الفنجان.
بعد حوالي عشربن دقيقة ، أقترب من الوصول إلي المطار ، فجأة أشعر باهتزاز مقود السيارة مرة آخرى !
أحد الإطارات الأمامية أيضا قد استوى بالأرض.. كان يجب أن أشتري إطارات جديدة. هذا أهم من الإنفاق على السحرة والمشعوذين، سيكرر مثل هذه العبارات وهو يخبرني بطلاقي، وهي تبدي موافقتها لحديثه وتسخر مني، الفنجان لا يكذب.
لا أشعر بنفسي إلا وعيناي قد اغرورقتا بالدموع ، وهما تحملقتان في السيارات المسرعة أمامي ، ويدى لاتكف عن التلويح لها ، راجية أن يسرع سائق إحداها إلى نجدتي ،
لا أدرى كم مر من الوقت، لكنني ألمح أخيرا سيارة حمراء اللون تأتي عكس الاتجاه، قادمة من جهة المطار.. تهدئ من سرعتها ، وتقف أمام سيارتي ، إنها سيارتها ، تنزل وتحتضنني، أشعر أنني أخطأت في حقها وظننت بها ظن السوء، أحذرها بأننا يجب أن نتحرك ونستدير جهة المطار.. قبل أن تأتي شرطة المرور وتكتشف أنها تسير عكس الاتجاه، أصبحت مضطرة أن أقبل وجودها معي في استقبال زوجي، تركب جهة المقود، أحاول فتح الباب المجاور لها، أسمعها تنبهني بأن أركب في الخلف ، أفتح الباب لأجد زوجي جالسا بجوارها، يحتضنها ويقبلها لحظة دخولي إلى السيارة،
ترتطم رأسي بفتحة الباب العلوية وأنا أعاود خراجها، أصرخ من شدة الألم، أفيق قبل دقيقة من سماع صوت المنبة الذى كنت قد ضبطته لإيقاظي .
عايدة ناشد باسيلي
مصر

قد تكون صورة ‏شخص واحد‏

الجمعة، 3 فبراير 2023

الوجه الآخر لأيلول للشاعر المبدع / محمد الرازحي رزوح - اليمن

الوجه الآخر لأيلول
أنــا المسجون في ذاتــي
وقيــدي بعض أنــاتي
طوى المــاضي
سلاسله علــى عنــقي
وأقعدنــي عن الآتــــي
أتــاني فجر أيلــول
بمـــيلادي
كسرت قيــود جــلادي
ليــزهر فيــه زيتــوني
ويــملأ وجــهي الـباسم
أزمــاني وســاحاتــي..
فـعاد إلــيَّ أيلــول
بــوجه قاحــل شــاتِ
وعــادت فيــه مأســاتي
ليــبني مجــده الطغيـان
علــى انــقاض أشتــاتي...
أنــا المسجـون فـــي
أمســي وفـــي يـــومــي
بــأسـقامــي وعــاهاتـي..
عــدو الأمــس عــاد اليــوم
بــأطــماع وغــاياتــــي..
وذاك غـــدي انــــشده
بــــعلاتي وخـــيباتـــي
علــى نــزوات اقــزام
وأوهــام الســــلالات..
أنــا المسجون فـي حلـمي
وفـــي أنـــغام غــــنواتِ
ومـــنذ كــان ذو يـــزن
يـواسيني ومن تـلك البـدايات..
ومــن حلــم إلــى حلــم
بـميلادي بجـولاتـي وصولاتـي...
يــحين خروجــي من سجنــي
ويـــعلو هديـــر أمـــواجــي
فأعــدو فيــه مغلــولا بـأناتــي
ومـخذولا بـأشـرار الخــيانات..
كــأن فجــرنا أيلــول لـم يشرق
وأن الـــغد الــواعد لــن يــأتـي..
محمد الرازحي رزوح

 

في هذا الموقفِ للشاعر المبدع / أحمد رسلان الجفال - سورية

 في هذا الموقفِ

في هذا الموقفِ تتركنِي؟
لتُصارعَ صمتِي أفكـــاري
وأنا من دونِـــكَ أغــــنيةٌ
تتردّدُ خلـــــفَ الأســوارِ
وأنا من دونِـــكَ تائــــهةٌ
فــي أيّ بلادٍ أســـــفاري
ورسمت جبينكِ لي قمراً
الأجـــمل بين الأقمـــــارِ
قد كــان ربيعُك لي وهمٌ
وخريفُـك ذبــــَّل أزهاري
لم أعــــرف حبّاً يأخذني
لحدود العشـــق وعشتارِ
إعصـــاركَ مَزَّق أَشرِعَتي
ياويلي أهذي أقـــــداري؟
وأنا ما زلـــــت مـــراهقةً
في فلكِكَ تسبحُ أقمـاري
في هذا الموقفِ تتركُنـي؟
لتُصارعَ صمتي أفــــكاري
بقلم:أحمد رسلان الجفال
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏سماء‏‏

التين و عسله قصة قصيرة للكاتب المبدع / سيف بدوي - مصر


 التين و عسله

العربة الخشبية ذات اليدين القصيرتين صغيرة .. و ظلها محدود .. وهو يتكوم على نفسه بجسده النحيل الجاف في أصغر بقعة ظل .
جسده الذي دبغته الشمس في بلاد الناس يتنقَّل طيلة النهار على الرصيف كلما انتقل ظلُ عربته ، و الأيام التي يشحّ فيها الرزق؛ يمتد فيها ظل العربة - بما عليها من كومة التين الشوكي- فيَفرِد جسدَه مستلقياً على ظهره،و عيناه تتأملان تلك السماء الفسيحة .
عيناه المحدقتان في السماء يلتمع أمامهما ومضٌ متقطع لبقعٍ مضيئة تتخلق من العدم ثم تزوي لتتخلق من جديد ، فيهُب من رقدته و يدس يده في صدره ليخرج من "سيَّالة الصديري المقلم" ملقاطاً؛ ثم يستغرق في انتزاع أشواك التين من أصابعه أو كف يده .. و قبيل المغرب يميل بجنبه على الرصيف في وضع جنيني ليخطف غفوة أو ليريح عينيه من شمس النهار الطويل .
كان قد اعتاد على مرورها صباحاً .. بجسدٍ عفوي يندفع بلا رادع؛ فيشق هواء الصباح ، بيدٍ تحمل كيساً به علبة الفول المدمس و قرطاس الطعمية وبالأخرى تَزُمُّ عباءتها من الجانب فتشِف عن تقوس عَجُزِها الذي ما يلبث أن يرتفع باستدارة لدنةٍ مشدودة .. وتميل بوجهها الصبوح نحوه :
- صباح الخير
ثم تسير مسرعة وتختفي في الشارع الضيق؛ لتعود ثانية .. وتعبر أمامه على الرصيف المقابل و بيدها الأرغفة الساخنة ، دون أن تلتفت نحوه ، غير أن الابتسامة التي تحاول كبحها تفضحها .
لم يدم الحال طويلاً .. فبعد بضعة أيام .. عادت من الفرن .. لم تسر على الرصيف المقابل كعادتها .. لكنها عبرت الشارع متوجهة إليه رأساً .. فقام من على الرصيف ونَفَضَ جلبابه الواسع ثم مدَّ يده متعجلاً رافعاً "ياقته" من ناحية قفاه ليعتدل هندامه
ـ صباح الخير
• صباحِك نادي
ـ بكام الواحدة؟
• ماتغلاش عليكي
ـ لأ .. بكام؟
لم يَرُد .. فقد كان أسرع والتقط مشرطاً صغيراً .. وعبث بيده وسط كومة التين لينتقي أنضجها وأكبرها ثم يقطع طرفيها ويشق قشرتها .. مادَّاً يده المرتعشة بالثمرة المكتنزة نحوها؛ لتنتزعها من داخل قشرتها وتقضمها وهي تتفادى النظر إليه ، لم تكد تنتهي من الثمرة حتى مد يده بثانية وثالثة .. وهي تمانع في كل مرة وهو يُصِر، فتخضع برضا .
كانت تعبث بجنيهات من المعدن في كفها ، وهو لا يرفع عينيه عن شفتيها المبتلتين بعسل التين .. ثم رفعت وجهها نحوه .. لتجده يتأملها، وعيناه تلتمعان بكل معنى ..
- ما تقول بكام!
• طب ودين محمد ما واخد حاجة
- يُوه .. معدتش هاجي
• المرة دي علينا ..
- ما نتحرمش
ثم ابتسمت له وانطلقت كطفلة تتقافز .. وهو واقف يكاد قلبه ينفجر مما اعتمل فيه ، وقد بدا كالأبله وهو يقف مبتسماً يصفِّق بكفيه القاسيتين ، زاعقاً بنبرة مغناة ممدودة منادياً على بضاعته : ( التين و عسله )
كانت الأيام التي تلت ذلك قد حسمت أمر ما بينهما .. إلا أن أي منهما لم يقل كلاماً صريحاً .. ولم يَعِد أيهما الآخر ثمة وعد .. غير أنه منذ يومين .. كانت قد أتت .. وهو قشَّر لها التين .. فأكلت دون أن تبتسم ، وهو رمى القشر في القفص الصغير المعلق بيد العربة شارداً ..
ـ هيمشوني
• مين ؟
ـ اصحاب الشغل
• انتي بتشتغلي ؟!
ـ أه .. في المعرض اللي في آخر الشارع ده
• ليه !
ـ الحُوجَة ربنا ما يِحوِجَك
• لا لمؤاخذه .. ليه هيمشوكوا ؟
ـ افترا ..هرجع بلدنا ..
• وأنا !
ـ أنت أيه ؟!
• مفيش .
بقيا صامتين .. إلا أنه وبصوت مرتعش همس لها بثقة : ( أنا وانتي على الله ) ، وأَفهَمَها أنه أتى من بعيد مع أمه .. يبيع البطاطا في الشتاء و في الصيف يشوى كيزان الذرة أو يقشر التين .. وإن ضاق الحال يَرُصّ "اللُّوف" على العربة و الله رزاق كريم .. وأنَّ ( اللُقٔمة تساع تلاته ) ، فوافَقَت ، ثم جرت كطفلة .. وهو ابتسم كالأبله وصفق ونادي صادحاً : (التيــــن و عسله)
لم يكد يجلس تحت ظل عربته حتى رآها آتية من بعيد تجري .. فقفز نحوها ، وقبل أن يصل إليها كانت تصرخ : ( الحملة .. المَرَافِقٔ .. الحكومة ! )
كانت العربات تأتي من خلفها مسرعة .. و الضابط يشير نحوه ، و المخبرون يَجْرُون ، يطوقونه تطويقاً مدروساً مجرباً ، و هو .. وقد شَقُّوا جلبابه ـ يتَفَلَّتُ من بين إيديهم المفلطحة التي ترتفع ثم تهوي بثقلها على جسده .. فتطيح به في كل اتجاه .
كانت تراه بين أيديهم وهو يتشبث بما تطاله يده ، وعيناه تنظران إليها بفزع وقلة حيلة ، فتدفع جسدها وسط العراك .. وهو يمد يده نحو جسدها ليدفعها بعيدا .
جرت نحو عربة التين .. وارتمت فوقها بجسدها ، والشوك ينغرس في وجهها وبطنها.. وتبكي .. ، والضابط يقف على الرصيف المقابل يشير نحوها .. لتمتد الأيدي المفلطحة نحوها .. تندس تحت جسدها ، تتحسسها ، قبل أن تحملها وتلقي بها على الرصيف ..
كانت أرجلهم التي تدهس التين تحت خطواتها تتحرك مبتعدة بعد أن ألقوا بعربته في الصندوق المعدني لعربة النقل الحكومية .. أما هو فقد ألقى بجلبابه المشقوق على جسدها وقاما يترنحان نحو نهاية الشارع ، ومن فوقهما تندلع شمس حارقة تتوسط السماء الفسيحة.

الخميس، 26 يناير 2023

25 يناير تأليف / متولي بصل دمياط - مصر

 


25 يناير

تأليف / متولي بصل

دمياط - مصر

          لا أذكر أنني تمنيت أن أكون شيئا مما يحلم به زملائي في الفصل، الأمر بالنسبة لي كان لا يزال مبهما، حتى عندما كانت معلمة الفصل تسألنا عن أمنية كل واحد منا؛ كنت أتلعثم في الإجابة، في الوقت الذي كان يعلن فيه كل واحد منهم عما يريد أن يكون عندما يكبر!

          كنت قنوعا جدا، حتى أن أبي يوما سألني :

-          ماذا تحب أن تكون عندما تكبر يا ولدي؟

          ويومها ارتبكت، وأخذت أتلفت حولي، أبحث عن إجابة ترضيه، فلما وقعت عيني على صورة السادات ( الله يرحمه )  وكانت معلَّقة على سور الكوبري العلوي فوق النيل؛ قلت له بتلقائية، ودون أي تفكير :

-          أريد أن أصبح رئيس جمهورية يا أبي .

ضحك أبي كما لم يضحك من قبل، وقبل رأسي وهو لا يزال يضحك؛ حتى تحوَّل الضحك إلى سعال؛ وأدركت ساعتها مدى غباء الإجابة التي جرت على لساني دون تفكير!

          جيراننا في الطابق الثالث من البيت، لهم ولد يكبرني بعشرة أعوام تقريبا، أذكر جيدا كيف تحوَّل البيت، بل والحي كله إلى قاعة أفراح ورقص وزغاريد، عندما علم الجميع أنه بعد نجاحه في الثانوية العامة، تم قبوله في كلية الشرطة، أمه هى الوحيدة التي أخذت تبكي وتصرخ بطريقة عجيبة، وهى تتوسل إليه أمام الجميع أن يسحب أوراقه، ويلتحق بأي كلية أخرى، كانت في حالة يرثى لها، وكأن أوراق ابنها تمت إحالتها إلى فضيلة المفتي  وليس كلية الشرطة!

          طول الليل وأنا أسمعها تبكي وتولول، وتترجَّى ابنها أن يسحب أوراقه، وسمعتها وهى تتوسل إليه أكثر من مرة، قائلة له :

-         ابتعد يا بني عن المجرمين والبلطجية والإرهابيين! ألا تسمع عن الضباط الذين يُقتلون كل يوم على أيدي السفاحين وتجار المخدرات .. يا رب يبعدك يا بني عنهم ويبعدهم عنك!

          ظنَّ البعض وقتها أنها تحاول ذرَّ الرماد في عيون الحسَّاد، ولا سيما أن ابنها التحق بالفعل بالكلية، وأكمل دراسته بها؛ وتخرج منها ضابطا؛ وبدأ يباشر عمله .

          لكن في تلك الأثناء عندما سألت أمي عما يجري، قالت لي بدهشة:

-         يا بني هى تطول يكون ابنها ضابط، ولا كانت تحلم ولا تتمنى .. وظيفة محترمة ومضمونة، ومركز وهيبة !

ومن كلام أمي عرفت لماذا أغلبية زملائي في الفصل يريدون أن يصبحوا ضباطا عندما يكبرون.

          في الثانوية العامة، أصابتنا فاقة شديدة؛ واضطر أبي للسفر إلى أحد البلاد العربية؛ وتركت أنا وأخي الدراسة للالتحاق بأي عمل، وبالفعل عملت في إحدى ورش النجارة التي كانت منتشرة - في ذلك الوقت - في السنانية إحدى قرى دمياط، بل وانتقلنا للسكن فيها! ورآني موجه اللغة العربية وأنا أقف أمام المنشار، ونشارة الخشب تملأ أنفي وعيني وكل جزء من ثيابي؛ ناداني والدهشة تحرق عينيه، وسألني بنبرة أفزعتني:

-         تركت الدراسة؟!

-         سافر أبي؛ ونحتاج المال و..

-         لا تترك دراستك .. وإذا كان لا بد من العمل، يمكنك أن تذاكر وتدخل الامتحان .. خذها منازل!

لا أدري حتى الآن من أين ظهر هذا الرجل الطيب، كيف تعرَّف عليَّ؛ كيف تذكَّرني، وهو لم يرني إلا بضعة مرَّات في الفصل! ساعدني في إعادة قيدي في المدرسة، وامتحنت؛ ونجحت بمجموع ضعيف، والتحقت بكلية التربية؛ وأصبحت مدرسا؛ ثم تزوجت، ولسوء حظي كانت محامية، واشترطت عليَّ أن تعمل.            وبالفعل عملت في مكتب محاماة، وذهلت فيما بعد، بل كدت أصعق عندما عرفت منها اسم صاحب المكتب، إنه هو نفسه، ذلك الولد الذي كادت أمه تموت حزنا وشفقة عليه؛ عندما علمَت أنه التحق بكلية الشرطة، كانت دهشتي كبيرة، لأنه ترك عمله في الشرطة، وأصبح محاميا، لكنني لم أخبر زوجتي بشيء مما أعرفه عنه؛ فقد كانت تأتيني كل يوم بأخبار جديدة كان الفضول يقتلني شوقا إلى معرفتها

استشهد اثنان من أقرب زملائه إلى نفسه أمام عينيه؛ واقتحم المجرمون شقته أكثر من مرة؛ أثناء نومه هو وزوجته وأولاده ! دون أن يتركوا أي أثر وراءهم، وكأنهم يملكون مفاتيح الشقة؛ بل وتركوا أكثر من تهديد ووعيد بأنهم سيذبحون زوجته وأولاده؛ خسر سيارته، وكاد يخسر حياته في إحدى المرات، وفي النهاية استسلم، وغيَّر مسار حياته، وأصبح محاميا، وأكثر من ذلك بدأ يتقرب من هؤلاء الأوغاد حتى يتقي شرهم.

25 يناير 2023 م

تأليف / متولي بصل

دمياط - مصر


السبت، 21 يناير 2023

خريفُ العمر بقلم الأديب المبدع / داود سلمان عجاج العراق

 خريفُ العمر

بقلم الأديب المبدع / داود سلمان عجاج

العراق


يجلسُ تحت شجرةٍ وارفةِ الظلِ على فراشٍ بسيطٍ، ويتكأ بمرفقه على وسادتين محشوتين بالقطنِ الطبيعي، يحاولُ قتلَ الوقتِ الذي يمرُ برتابةٍ واضحةٍ، فلا جليس يخففُ عنه عزلته وهو بدأ بتسلقِ سلمَ الثمانيات من العمر، إذ تفرقَ الأولادُ بعد أن كبروا في فجاجِ الأرض، وزوجةٌ قد اقعدها المرضُ في كرسي يتحركُ بعجلاتٍ، لا شيء يمكنه أن يفكه من ذلك الطنينِ في رأسه، أفكارٌ وذكرياتٌ من ماضٍ قريبٍ تتداخل، يحاولُ الهروبَ إلى ذلك الماضي، يجتزئ منه عبثيةَ الطفولةِ وعنفوانَ الشباب، إذ كان لا يجارى في سباقِ الحصادِ اليدوي، إن لفَ اصابعَ يديه بخرقةِ قماشٍ وامسكَ المنجلَ، فلن يرفعَ ظهره حتى خطِ النهاية، والشاباتُ من خلفه يجمعن تلك الأكوامَ، وبعينِ الرغبة في أن يكون في يومِ ما فارسُ الأحلامِ المنتظر.
يعودُ ليعدلَ هيئةَ جلوسه، وقد ظهرت إبتسامةٌ خفيفةٌ على وجهه الذي امتلأ بتجاعيدٍ واخاديدٍ تعكسان ضروبَ الزمن، يسمعُ هسيساٍ لحذاءٍ يقترب، يطلقُ مناداةً عله يُشفع بإجابة، إلا أن الصوتَ أخذَ بالإبتعاد، لم يبالِ لذلك التجاهل، فلقد تعود عليه بعد أن فقد بصره، حاول ان ينهض، أن يستندَ على ركبتيه، إلا أن قواه لم تسعفه، لذا اطلقَ صيحةً في الفراغِ الممتد امامه، ثم تهاوى.
داود سلمان عجاج
العراق
قد تكون صورة ‏‏كتاب‏ و‏تحتوي على النص '‏فتاة القلعة قصص قصيرة جدا አንነል داؤد سلمان عجاج‏'‏‏

تناقض بقلم الكاتب والأديب المبدع / مهدي الجابري.. العراق

 قصة قصيرة جدا

تناقض
بقلم الكاتب والأديب المبدع / مهدي الجابري.. العراق

امسكت قلمي؛ فاض مداد محبرتي، أبصرت نواظري ترفع أكتاف الرافدين، مع بعد المسافات أحسست بالغلاظ يرمقونه بغضب، النيل يشبه حبري.. اختلط فكان قصة مصر وبابها.. دمياط ومدادها، صفحات تغنت باسمي…
على شمس الإهرامات كتبت: وننجيك ببدنك.
مهدي الجابري.. العراق
.
.
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏لحية‏‏

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة