Translate

الخميس، 15 يناير 2026

البنا بين التقليد والتجديد قراءة انطباعية في رواية " علاقات هشة". للأديب المصري محمد البنا بقلم : سيدة بن جازية - تونس

 

البنا بين التقليد والتجديد 

قراءة انطباعية في رواية " علاقات هشة". للأديب المصري محمد البنا
بقلم :  سيدة بن جازية  - تونس
""""
علاقات هشة "عنوان وسم رواية البنا اختار أن يكون مركبا" نعتيا ، مبتدأ خبره النص الروائي مجزأ على أربعة فصول مصدرة بأقوال لمفكرين غربيين...
تلك هي أول العلاقات الهشة بين الفكر الغربي و العربي
تأثيرا وتأثرا و اقتداء و استلهاما للأفكار المتداعية المتوالدة المتصارعة في النص كمتنافرات...
و تتواشج العلاقات تتمايزو تتنوع...
لم يحدثنا الراوي المبدع عن العلاقات الوطيدة المثمرة القارة بل أفرد مبحثه الأدبي عن العلاقات الهشة السلبية...
علاقات بشكلها "نكرة " غير المعرف / المعروف لدى الجميع هو مجال البنا أو مجال المبدعين أو الصعيديين أو المشوشين أو الطموحين...
في صيغة الجمع نعتها هشة ، الهش الوهن الضعيف القابل للكسر أو المحو أو الاستبدال...
العلاقات في الأغلب تكون بين الشخصيات القصصية ، لكنه نوع و موّه وراوغ ليجعل العلاقات بين الداخل والخارج/ بين الكاتب والراوي ، بين الراوي و الشخصيات...
بين الشخصيات في الواقع/ المتخيل/الافتراضي...
بين المدينة و الريف
بين الأرض والفلاح
بين العلم و العاطفة
بين الذكر والأنثى
العلاقات هشة لم يشأها الراوي على غير هذا الشكل لتترك في القارئ تساؤلات تشغل وعيه و لا وعيه...
لماذا أرادها هشة ؟
لغاية في نفس يعقوب
لغاية نقدية لهذا الواقع الممجوج الذي نعيشه بكل دناءاته و نفاقه وجحوده و صدوده ...
وسيلة الكاتب لفضح المسكوت عنه/ للتابوهات/ للتأليه والتقديس/ للرغبة في خلق البدائل...
فهل يستقيم الواقع إن وقع اختيار كل فرد لمصيره و قدره و علاقاته؟
أي متعة في الحياة إن وقع تحقيق حلم الراوي أن تتدخل الشخصية في تقرير مصيرها ؟
"""""
بعد أن يفعل العنوان فعله فينا نلج عالم الرواية...يطالعنا الفصل الأول نذهل لاعترافات بين الحقيقة و الخيال يتواشج الفن بالواقع...يحاول الراوي تخطيط مسودة أو سيناريو إخراج لمسرح الدمى الوجودي ...
اختيار الحبكة والخط الدرامي و توزيع الأدوار فاختيار الشخصيات...
توطئة للسير العادي للقص ميتاسردي مستحدث ،ينقل صراع الفنان بين أدواته نلامس لحظة الجنون الملهم...
حبكة غير مألوفة تكشف الحجاب عن القارئ/ الناقد
كيف يفكر و ميكانيزمات التقنية الروائية..
كيف يلملم شتات المخزون والوافد يعجنه بدم عربي أصيل كخزاف خرافي أو كصانع الدمى...
لحظة تتخبط فيها المناهج والمدارس السردية و الفلسفات الوجودية و التقليدية و الموروث....
هكذا ارتج القارئ في دهشة:
ماذا يفعل هذا المبدع النصوح؟
لماذا يغير خطه السردي ؟
لماذا يستبدل قلمه ؟
كيف يبدو تائها بين شخصياته و قارئه؟
"""""قراءة في الفصول :
نلج الفصل الثاني لتنطلق المسرحية على ركح دائري بين القارئ والجمهور والشخصيات و المخرج والسيناريست...يتشاورون معا بكل ديموقراطية حينا وأحيانا كثيرة يتدكتر الراوي.
تتواتر الأحداث و يحتد الصراع على امتداد الفصلين اللاحقين.يتخذ من قضايا الأرض و القبيلة و العرض و العادات والتقاليد محملا يطرز به أفكاره يكسوها أثوابا و يعالج الواقع المعتاد...
انطلق من واقع يعيش الصراع القبلي ؛ الصعيد بكل زخمه، البؤرة التي تشد الإنسان للواقع للأرض للإبداع للعلم والفنون....
صور ذلك في قصة هناء و ولاء و يحيى و الجد و الابن و قطاع الطرق و...تنجبهم أرض الصعيد ثم ترسل بهم إلى المدينة رغم العراقيل تنجح في ربط علاقة الجاهل بالعالم في علاقة ولاء بعاصم كي تينع الأرض ثم تعود هناء وحسام ويحيى جميعهم لإنقاذ الأرض / الوطن / العرب
موظفا لعلم الهندسة والاقتصاد والأدب و الواقع ...
ترتقي كذلك بشخصية هناء رغم الإغراءات لم تدنس صورة ابنة الصعيد ترفض ابن عمها لكنها لا تفرط في عرضها ..
ترفض أن تكون مجرد أنثى مستنسخة كما أرادها حسام عبير. رغم غرورها واعتدادها بنفسها.
هي رواية الصراعات المعلنة والخفية:
صراع المدينة والريف
في الأمر انتصار للريف الصعيدي إذ أغلب الأحداث دارت على أرض الريف، فقط جعل المدينة ركح الدراسة وممارسة الهواية أما الحياة الواقعية المغمسة في الطين امتدت في الريف/ الغيط/الحقل...
صراع الجهل/العلم
صراع الصالونات الأدبية / علاقات المبدع بالناقد
صراع العاشق بالمعشوقة
صراع العقل بالقلب
صراع وهم بالحقيقة
""""
بين هذه الصراعات كانت الحبكة محكمة تعالج موضوعا تقليديا ، يصر الراوي المريض النفسي أن يرجع المرأة إلى دائرة البيت ، العشق....
لكن في ثغرة تصر الشخصية هناء أن تبرز للعالم قدراتها على إنقاذ الأرض من البوار/الفطريات...
المرأة المتحدية، تتحدى اعترافات خالقها ومبتدعها الذي يتبجح بقدراته قائلا " كما تعلمون، الآن خطوط الأحداث كلها في يدي "
يصف فعله ونفسه " السارد الطموح"
يصنع منحوتته ويعبدها فتحطمه ولا تتحطم صانعا لنفسه أسطورته الخاصة.
المنحوتة هناء/نور الملازمة له كساكنة لخياله الفني الذي نمذج لها قالبا خاصا مفقودا في واقعه هو قالب الزوجة/ العشيقة/ الأديبة /المثقفة/ الواعية/ العابدة له/ المقدسة لغروره و لنجاحاته...لكن في كل محاولة أدبية تصحو أنثاه لتوقظه من حلم اليقظة وجنون العظيمة فتسخر من سذاجة تفكيره حتى وإن كانت صنيعته ليواصل المحاولات...
تنتصر هناء بكسر راويها لكن قلمه لا ينكسر يواصل البحث عنها في روايات جديدة بنكهات جديدة كما ختم عمله معلنا ذلك واعدا متوعدا...
الراوي العليم / المتعدد
يتعدد الرواة في الرواية إلا أن الجامع لكل الحبال الصوتية بقي ظاهرا ماسكا بيده كل خيوط دماه...
فالراوي الرئيس لم يستطع التخلص من نرجسيته و ألوهيته/ الأديب/ الأستاذ الجامعي/ العاشق/ العابد لهناء/ ابن الصعيد / ابن المدينة/ الفذ / المسيطر /الظاهر / المتخفي / الطموح / الثائر ...
"""""
يحاول متفردا كسر المعهود بفتح مجال الشخوص لرفع العبودية عنهم، ليحررهم من سلطة الكاتب التقليدي متشبها بلوثر كينغ ..فكيف يوهمنا بهذه الصفة وهو لم يتخلص من صورة المتملك...
فضحته البنية النفسية في القص فالكل يعيش فصاما/ مرضا نفسيا يريد التعدد/ لم نجد شخصية قانعة بوضعها الكل بدا كقطاع الطرق " أولاد هريدي " والكل يريد الفوز بما ليس من حقه ...فحتى الجد حيا وميتا يريد أن يعيش زمنه وزمن أحفاده كذلك الأرض و العمدة و الأستاذ و الأديب ووو
"""""
حقا الرواية حمالة أوجه متشظية لكنها تختصر الإنسان فكره و عقله ، فالإنسان الذي أراد تقديمه البنا ليس منفردا لم يكن عاصم أو هناء او ولاء او سحر او عبير او كمال او العمدة...كلهم مجتمعون يقدمون شظايا الإنسان المتلهف للعلم والمعرفة والأدب والعاطفة والأرض والسلطة و الجد و الهزل و العدل و التسامح و التغطرس و القانون و الفوضى ...
هي الأنتروبولوجيا في الأدب العالمي
.
لذلك كانت اللغة سامية سلسة شاعرية متفلسفة تقنية مختصرة متداعية. فبين الفصل والفصل تتغير نبرة الكاتب و معاجمه و أدواته ...
وصفها دقيق متقن للشخصيات والأماكن و المشاعر ...
"""""
أما المكان ذاك المحرك الفاعل لجوهر الحكي الروائي كاد أن يكون شخصية تتحرك تتكلم تنتصر وتسخر.
صوره مكانا معتقا بروح القبيلة ، الموروث ،العادات التقاليد ، المكان هو الصعيد/ المنتصر على المدينة الرافض في الأخير_ للدخيل الماكر ( الأستاذ حسام ) رمز الدنس و الوصولية ...
""""
الزمان ممتد من عمق الأرض و الإنسان يعاصرنا ثم يعبرنا إلى_ المستقبل المنشود ...
""""
الشخصيات ؛ مصابة بلعنة الأرض والخطيئة ، تحاول التطور لكن الراوي لم يفتح لها مجالات واسعة..
هناء: تنغمس في الأرض و الطين ثم تحلق بجناحي العلم والأدب في سماء الطهر ، صورها قوية عنيدة ثائرة منتصرة
ولاء ابنة الأرض القنوعة ، تقنع بالحلم مع الجهل المتأصل في الإنسان لم تتغير لكنها كسرت عرف القبيلة بزواجها الذي خططت له حسب اختيارها
يحيى لم يكن بجرأة هناء ، شخصية غير فاعلة أو متطورة رغم توفر السلطة والعلم والمال والجمال و المركز فقط خلق ليحيا كالنبات والحيوان و الغيط ..ينتظر الدافع كي يتطور...
الراوي : متقلب متنكر في كل الأزياء يحشر نفسه في كل مجال كي يلفت انتباه هناء فشبقه أفقده الفاعلية فقط نجح في تنفير القارئ منه وبقية الشخصيات...
نجح في هندسة الرواية بعالميها الداخلي والخارجي المتخيل والافتراضي...
"""""
الحبكة دائرية منشطرة فالكاتب انطلق كاشفا للعبة السردية وكذلك اختتم ..
لعب على خطين متوازيين وحافظ على توازنه كساحر عظيم كشف تمرسه باللعبة السردية فكلما شعرنا بالتمادي عاد إلى الركح ليعدل الأدوار والديكور, يصل كل مرة إلى الذروة ثم يراوغ ، يستنجد بالشخصيات فيخيرها ثم يواصل فأقحمنا في خياراته وتنبأنا بالمصير كي لا يفاجئنا ...
""""
رواية يلخصها السارد في قوله " عجبت لذلك الأبله الواهم المتوهم ، لا يزال يخدع نفسه انه يملك قدراته الإبداعية ..."
ليفتح لنا باب البحث في الرسائل / الرؤى :
الأنثى :
يقول لها عبر روايته وتجربته : اصنعي ذاتك و لا تعتمدي على الآخر ،الرجل لأنه يقوم معول هدم للطموح والأمنيات والشرف و الآفاق ...
دعوة لمزيد العمل والنجاحات في مجالات شتى بين العلم والأدب والموروث و...
الذكر:
أن يكون جناح الأنثى الفاعل لا الكاسر ...دعوة أن يكون نزيها رجلا لا ذكرا مبتورا..
يبتعد عن مرتبة الإلاه المتسلط المتجبر إذ صور نهاية كل متجبر وخيمة مبتذلة .
المبدع:
يدعوه إلى التواضع و اليقظة والمواكبة ،يحذره من التبجح و التأله و سخط الشهرة و توهم الكمال ...
ملفتا النظر إلى خطر السرقات الأدبية والنقدية وآفات الصالونات والندوات و الشللية والمحاباة وصناعة الأديب و الناقد...
يدعو إلى الطموح ويصف سارده بذلك .
هكذا تراءت لنا الرواية و استقبلناها.
وفي الأخير نبارك البنا هذا العمل الجديد المستحدث ،
نبارك دمجه للتقنيات الحديثة و لدمج قضاياه ، قضايا عصره وأرضه و هوايته وصنعته و حذقه لدمج السيرة الذاتية في الميتا سرد ، فيجعل كل قارئ يرى ويسمع صوت البنا بين ثنايا المتن الحكائي ، يؤرخ و يوثق للأحداث والوقائع لكن يخرج من منفذ الأدب والتجربة الجديدة لنبحث عنه في عمل جديد .
نقد الرواية :
الرواية تطرح القضايا ولكن الطرح تقليدي ، عايشناه في الأدب التقليدي مع محفوظ وطه حسين و إدريس و تيمور...
فالتجديد الذي طال الشكل/ التكنيك لم يتسع للمضمون .
"""""
الرواية تقترب من القصة القصيرة إذ حلقت في سماء علاقة عشق ثنائية بين هناء والراوي و البعض صنعه كي يخدم الغرض الأساسي .كنا ننتظر بعد تجربة نور أن تتشابك الأحداث و القضايا و تتعمق المباحث .
لم يتخلص الراوي/ الكاتب من عقدة الأنا الأعلى، فكان مكررا لنفس الدور السابق خلع رداء نور وألبسه لهناء لكن الأفكار ذاتها تتكرر و تمجيد قلم السارد و دوره الأدبي يتكرر وكأنه يكرس فكرة قدرة الأديب على اقتحام العقول والقلوب بل قدرة على التحكم في مصائر لا الشخصيات فقط بل القراء كذلك مشيرا بإصبع الاتهام إلى الأنثى مذكرا بهشاشتها النفسية و فاضحا فراغها العاطفي و الفجوة بين الأزواج و الأرواح .
حصر قضايا الأدب في العلاقات الخارجية بين الفاعلين في الساحة لا العلاقات الداخلية في عمق اللعبة السردية ...
في الختام نشكر فضل المبدع الكبير محمد البنا أن سخّر لنا منتجه للتدارس و بناء علاقات عملية متطورة للعمل الأدبي و التجربة الأدبية .
بورك القلم المبدع.
لن أنسى فضلك أنك غرست في حب النقد فلا تعاتبني الغوص في جراح الرواية بمشرط المتربص .
بقلمي سيدة بن جازية تونس

سينما بقلم : عقيل هاشم - العراق

قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏لحية‏‏

سينما

بقلم

عقيل هاشم..العراق
الطفل الصغير كبر اليوم وجاء يتذكر حيث كان هنا ليروي حكاياته مع السينما وافلامها التي لم يتحمل انفعاله الزائد امامها ، كبر الصبي المغرم وظل ملازما بل عاشقا للشاشة البيضاء وسحرها الفضي ويحن لها ، اتذكر ذاك المساء صيفا والجو يبعث على السهر اللذيذ وهنا يمارس الناس خلال فترة التسعينيات حيث الحرية المجتمعية في انفتاح لافت والمدينة تمارس حياتها ليلا حيث السهر ولقاء الاسر في المنتديات وهناك على الجانب الاخر البعض يمارس طقس خاص بالذهاب الى سينما الاندلس الصيفي ، هذا الطقس الاحتفالي يجعل الناظر يتمنى أن يعيش مع افلامها بأدق التفاصيل الفكرية والرومانسية ، اتذكر على جسر النصر مساء تتحرك العوائل باتجاه باحة السينما ، وبعد قطع التذاكر ،يجلسون على الكراسي بانتظار الموعد لبدء عرض الفلم يسبقه جرس التنبيه للصمت المطبق .
الطفل المشاكس يجلس على الكرسي يرقب من بعيد حيطان السينما، حيث مستطيل الشاشة البيضاء المقابلة لجهة جلوسه ، خمسة دقائق تفصله عن لحظة بدء العرض والعيش في اجواء غرائبية ساحرة ، واليوم كبر الطفل وذهبت السينما ادراج الرياح وتحولت وحسب الحاجة الاقتصادية الى مولات وغيرها ،لكن رأسه حاملا لأثار ذلك الطقس السحري من مشاهدة الافلام والذاكرة المتقدة لهذه التفاصيل الغرة والتي تشكل دائما ذلك الترياق المريح للهموم ،حيث لا زالت اهات السيدة ام كلثوم قبل العرض يسمعها مدوية تهز أركانه وهو يعيش الانتظار ، بالأمس القريب تذكر الاجساد المحشورة امام قاطع التذاكر ولاينسى الأيدي كانت تتقاذف جمع من الشباب وهم يعبرون نسق الطابور وانهم يسيرون وفق إيقاع لا يجعلهم يدركون كنهه ولا معانيه. وبعد الحصول على التذاكر ، يقف صاحبنا أمام بائع الحمص المسلوق ليشتري للاسرة مايكفي لنهاية رحلة الفلم ،نصف الفلم تذكرت اني نمت تاركا الحمص المسلوق في جيبي يغرق سروالي بالسائل الدبق ، وحين قرع جرس نهاية الفلم تحركت طوابير الناس الى بيوتها ، بينما كان طريق العودة كافيا بل فرصة سانحة كي يعيدوا الاهل ما ضاع من مشاهدة الجزء الاخير للفلم وحكاية تفاصيله لي، تلك التفاصيل التي لا زلت أعيد مأثرها لكن عبثا ان يعيدها الزمن بتفاصيلها واصبحت اليوم اضغاث احلام وبدون جدوى.
قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏لحية‏‏

كل التفاعلات:
Mounir Jebri

قصة حب بقلم : أحلام صالحي

قصة حب

بقلم
أحلام صالحي

ذكريات آوي إليها مستنجدا برشة من عطرك ، ببريق عينيك ، بوجهك الذي يتوهج بين ترانيم الحب.
أعود إلى ألبوم ماضينا متصفحا أعتاب الربيع الذي أزهر في قلوبنا وأسكننا تحت جناحي فراشة زاهية الالوان ، تستمد نضارتها من شمس الاصيل . كنت أتنسم من همساتك حبا فتيا وطربا شجيا، كان اللحن لا يفارقني وطيفك يسكن جدران قلبي الذي احتدم واصطخبت نبضاته في رأسي وهي تنطق باسمك وباسم الحب الذي جمعنا.
كانت الجامعة هي أول ما جمع حبنا من النظرة الاولى ، لا أعلم ما كان يسري في جسدي عندما رأيتك ، نعم أول ما رأيته عينيك العسليتين الدافئتين ، من دفئهما أشعلتا النار في حطب قلبي الخامد .
كم راودني قلبي أن أقدم على الخطوة الاولى ، أن أفتح باب مملكتك لأعبر سلطان قلبك وأترك بصمتي ، الاهم أن أوقظ فيك شيئا من عطري من صوت قلبي وهو يحتضن جبروت عينيك ، يضعف ويتقلص كلما سرقت نظرة منك ، وفي كل نظرة تزداد عيناك قوة وتوهجا .
إنما في أحد الايام الرتيبة ، خرجت من محاضرة دامت ست ساعات حسبتها الدهر ، دلفت إلى مكتبة الجامعة ، فثارت في نفسي رائحة لطالما عششت خلايا ذاكرتي ، وكأن سفينة العشق رست على مرفأ قلبي عندما لمحت مصدرها ، ليس لأنني لا أعرفها ، بل كنت فقط غير مصدق أنها كانت أنت .
وقفت هامدا بين الرفوف أسترق النظر إليك من فسحة كان يحتضنها كتاب ، وروحي تعصف رياح الحياة لتكنس أوراق الخريف الطريحة الفراش ، تهطل من غيمة سوداء قطرات الامل ، فتتبرعم ثمرات الحب لتنضج في أعتاب الصيف .
نعم ، منذ تلك اللحظة بدأ الفصل الاول من قصة حبنا الذي غزلته أنامل الحياة ، أصبحنا نتصفح أيامنا من كتاب الحياة ، فأوراق الحاضر باءت شبحا وأوراق المستقبل لا تزال حلما ، فما لدينا سوى أوراق حاضرنا ، حاضرنا الذي خططنا فيه للكثير من الاحلام ، منها الزواج.
تزوجنا وأصبح حلم من أحلامنا حقيقة ، نعم ، توحدت أرواحنا وقلوبنا في مواسم الكرز الاولى التي زخرت بها حدائق وجداننا ، وأوشحتها بلون العشق السرمدي ، لون الحب الافلاطوني الذي لم يدنسه جشع ولا مصلحة ولا خيانة .
أنجبنا ابننا الاول ، وكم كانت قلوبنا تنتفض فرحا ، وأعيننا تقبل ثمرة حبنا بشغف وبهجة ، فتطبع القبلات كزخات عطر في الهواء و تمتزج مع عبق أنفاس مولودنا وقطعة أحشائنا .
انقضت الايام تلو الايام ، وأصبح ما يجمعنا هو مائدة الطعام ، مع تحول اهتمامك لطفلنا خمدت نار قلبي بعدما انطفأت شعلة عينيك ، فأصبح البرود والجفاء هو ما يجتاحهما .
نشيد الحب وتلك الرائحة وحبنا الابدي وذلك التوق والاشتياق والفصول الاربعة بعد رياح الحياة ، كل شيء توارى وانتهى .
صرت مقترنا بالفراغ ، قابعا في الدرك الاسفل للحياة ، حياة الموتى والمنبوذين ، لم أعد أتذوق شيئا من طعم الحياة ، كأن الحياة كانت عيناك بالنسبة لي ، لكن الآن فقدت عيناك تلك الشرارة التي كانت تنير دربي ، أصبح الظلام يلتهم نور الفتيلة الصغيرة ، كوحش جائع يستلذ بلحم رضيع غزال .
أحيانا أعود لأتفكر ، ما ذنب طفلنا إن أغدقت عليه من الحنان حتى لم تتركي لي شيئا منه ، ما ذنب طفلنا إن تحول عمق حبنا إلى جفاء وفتور ، هل أنت كذلك أحسست بما آلت إليه أسطورة عشقنا ، أم أن انشغالك منعك من إدراك ذلك ، هل سيطر عشق الامومة خلدك حتى خضع عشقي أمام سلطته .
أقترب فجأة منك متضرعا بيأس ولو رذاذا طفيفا من تلك الرائحة التي ماتت في ذاكرتي، ولو بصيص نور من عينيك ليربت على كتفي أن الامل سيطرق باب قلبي الطريح مجددا ، قبل أن يحتضر في آخر نبضة ، في آخر صوت سينطق باسمك .
لكنني أعود مراجعا نفسي ، ما ذنبها إن كان قلبي أنانيا ، لا يفكر سوى بنفسه ، فأنا راشد ولدي عقل، حتى ولولم أطوق بالحماية مؤقتا فلن يستطيع أي أحد أذيتي ، لكن طفلنا إن لم نغدق عليه بالمحبة والدفء والحماية ، فسيكون أكثر عرضة للأذى ، ذلك الطفل هو رابطة محبتنا ، وهو العطر الذي سيعبئ قنينة عطرك الشاغرة .
سأشحن نفسي بالأمل، لأنني ما زلت على قيد الحياة الواقعية، لازال الحلم حلما والواقع واقعا ، فكفى أوهاما ، فلنعمل على صفحات الحاضر ، ولنبني حصنا يحمي عش زوجيتنا من التلف والدمار ، إن عصفت أعاصير العالم الخارجي على شجرة حبنا ، فكفاني وهنا وعجزا ، كفاني افتراء وغيرة ، كفاني حلما وأملا ، ماذا أطمع في الحياة أيضا ، فآلاف الاشخاص يودون الحصول ولو على نعمة الزوجة ونعمة الاسرة ، أرادوا بشدة أن يستيقظوا صباحا على همسات ناعمة وصرخات حياة جديدة تكسر روتينية وهدوء البيت .
يجب علي أن أعيد برمجة نمطية تفكيري، فالحياة الزوجية ليست مثالية، لكنها سنة الحياة، فهي سند ورغد، تضحية وفداء، أمل وحلم، كما أنها مثل أي شخصين جمعهما الحب ، قد يحتويهما دفء الربيع ثم يقتلهما حر الصيف ، ليتبددا في أثير الخريف ، ويتحللا في نعش الزمان فتنبثق حياة جديدة في صميم الشتاء .
إن ترهل الجسد وأصبح مترعا بالسقم والعلل ، فسنجد بالتأكيد حضنا يحتوينا ، وكنفا يأوينا ، ورحمة تسقينا شفاء لكل داء يضعفنا وينهكنا .
فلتسامحيني يا شمعة احترقت وهي تنير سيرنا نحو ذلك النور في آخر النفق ، ذرفت الدمع حتى صغر حجمها ووهن جسدها وهي تحاول أن تراضي كلانا ، فرفقا بها إن حجب بريق عينيها غمامة سوداء ، فلا ننسى أن من سواد الغيمة تنبثق حياة .

قد تكون صورة بالأبيض والأسود

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة