Translate

الأربعاء، 14 يناير 2026

مأساة ضيف ثقيل. قصة قصيرة. بقلم : نزار الحاج علي

مأساة ضيف ثقيل
قصة قصيرة
بقلم نزار الحاج علي

كنا عائلة سعيدة.. أو هكذا كنا نتوهم قبل أن يقتحم "هو" حياتنا. لم يكن شبحاً من أساطير "تاروت"، ولا وحشاً من وحوش "الكونت دراكولا"، بل كان مجرد جرذ.. جرذ سمين، ذو شاربين ينمّان عن غطرسة واضحة، وقرار حاسم باحتلال المطبخ في شقتنا الجديدة.

​نسيتُ أن أعرفكم بنفسي: أنا "أبو يعرب"، بعد سنوات من الانتظار، أصبح حلمًي ملموسًا بجدران بيضاء وأرضيات رخامية تلمع تحت الأضواء.

 ظننت أن شراء مصيدة سيحل المعضلة. لكن، وفي بلد يعشق "التريند" أكثر من الحقيقة، تسرب الخبر. لا أعرف كيف وصلت المعلومة لجمعية "حقوق القوارض المظلومة"، ليظهر فجأة "أبو قاصد"؛ مدير الجمعية الذي يرتدي بذلة أنيقة تفوح منها رائحة النفاق الدولي.


​على وجه السرعة دعانا مختار الحارة لاجتماع طارئ ، علّه يجد حلاً ودياً. جلسنا في "مفاوضات" رسمية، أنا وأبو قاصد والمختار.

قال أبو قاصد ببرود يحسد عليه:

​"سيد أبو يعرب، الجرذ لا يحتل بيتك.. أنت من بنى أسمنتك فوق مملكته التاريخية. إنه يعيش في بيئته الطبيعية، وأنت المعتدي بخرسانتك اللعينة!"

ضربت على الطاولة بقبضتي، ​حاولتُ الصراخ بأنني دفعتُ "تحويشة العمر" في هذه الشقة، لكنه قاطعني بتقرير دولي يطالب بـ "فك الحصار" عن المطبخ، وتوفير مساعدات عاجلة من "الحبوب الفاخرة" للجرذ المسكين المحاصر خلف الثلاجة.

​بعد فشل الدبلوماسية، دعوت العائلة لا جتماع طارئ...قررنا بموجبه اللجوء 

​ للخطة (ب).

كانت خطة محكمة من إعداد أم يعرب، تعتمد على الحرب النفسية.

أغلقنا جميع الأبواب وتركنا مخرجاً واحداً، ثم بدأنا كجوقة أوبرالية بالمواء والنباح. 

وللحقيقة فإن ابني "يعرب" أجاد بشكل كبير تقليد صوت قط شرس، بينما كانت زوجتي تقرع الطناجر.

استمرت حربنا النفسية حتى أنهكنا التعب.النتيجة؟ الجرذ لم يرحل. بل أسوء من ذلك أنه  حصل على "حماية دولية".

أصدر أبو قاصد بياناً يطالبنا فيه:

1. إخلاء المطبخ للجرذ.

2. توفير حبوب عضوية فاخرة على نفقة العائلة.

3. الحفاظ على مسافة أمان 5 أمتاد.

​ضاقت بنا الدنيا. نظرتُ إلى أطفالي المشردين في الشرفة، وإلى زوجتي التي فقدت السيطرة على أعصابها. هنا، استيقظ "أبو يعرب" القديم.

"تسلحوا!".. صرختُ بهم.

أمسكتُ بعصا المكنسة كأنها سيف، وتسلح الأبناء بأحذية "نايلون" ثقيلة. هجمنا بضراوة. عرضتُ على الجرذ مخرجاً آمناً أخيراً، لكنه نظر إليّ بازدراء، كأنه يثق بأن قانون "أبو قاصد" سيحميه.

​وفي غمرة الفوضى، وبينما كان الجرذ يناور ببراعة "روميل"، انطلق صاروخ أرض-أرض.. كان حذاء ابني الأكبر، مقاس 44، الذي هبط بكل ثقله فوق رأس الطاغية الصغير.

​ساد صمت رهيب. الجرذ فارق الحياة.
"ماذا نفعل بالجثة؟" سألتُ برعب.
أشارت زوجتي ببرود وهي تمسح عرق الحرب: "ارمهِ من الشرفة.. تخلّص منه".
​في اليوم التالي، لم تكن أخبار الحروب أو المجاعات هي التي تتصدر الصحف. كان هناك مانشيت واحد عريض باللون الأحمر القاني:

​"المجرم السادي أبو يعرب.. يغتال جرذاً أعزلاً وينكّل بجثته قبل إلقائها من الدور الرابع!"

​كانت هناك صورة "لأبو قاصد" وهو يبكي أمام الكاميرات، حاملاً ذيل الجرذ كأنه قطعة من رفات قديس، مطالباً بمحاكمتي في "لاهاي" بتهمة الإبادة الجماعية للقوارض.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة