Translate

الأربعاء، 14 يناير 2026

(مسرحية غير ممكنة التجسيد) بقلم : شوقي كريم حسن


(مسرحية غير ممكنة التجسيد)
بقلم : 
شوقي كريم حسن
{كل شيء في العالم يمكن أن يُقتَل، حتى الكلمات} 
                               { ماركيز}
شخوص التجسيد:
 1. القواد  (من خمسينيات القرن الماضي)
 2. السياسي 
 3. الزوجة 
 4. المرأة التي  تحلم أن تكون شاعرة
 5. الكاتب …
 الديكور:
#[قاعة محكمة قديمة.تابوت  وسط القاعة، يحتوي على جسد الكاتب. هناك منصة المحاكمة، حيث يجلس القواد. الكراسي موزعة حول القاعة، مع إضاءة خافتة تعكس الجو الكئيب للمحاكمة. الخلفية تحتوي على رفوف كتب قديمة تمثل الأثر الذي تركه الكاتب في حياة شخوصه]
الزمان:
[الربع الاول من القرن الحاضر، في وقت متأخر من الليل حيث يشهد  غموضًا وهدوءًا يغلف الأجواء]
*[الإضاءة خافتة. تظهر الحبيبة واقفة في منتصف المسرح، وعيناها مليئتان بالحزن والندم. تبدأ الحديث، بصوت حزين].
الزوجه: مات… مات كما يُموت جميع الذين لا يدرون ما فعلوا بنا. كان مؤثراً، في كل كلمةوحرف. أنا السبب. نعم، أنا من تركته يضيع في عالم الكتب  وجنونها ، يطارد الأفكار التي سلبت حقيقتنا. حتى في موته،  لم  يحاول الهروب منا،ظل متمسكاً بكل ما يشدنا إليه..!!
{تلتفت إلى الظلال التي تتراقص على الحائط، ثم تعود إلى الحديث.}
عندما طلبوا مني ايقافه عن الكتابة، قلت لا..لايمكن ان افعل ذلك،، أردت رؤيته وهو يعيد لنا حياتنا التي ضاعت. كنت عمياء.حين فكر بتغييرنا اتبعناه دون اعتراض…كلما دفع بنا الى امام ازددنا به تمسكاً،..بل كنا نصفق له بحب واحترام!(تغني) لا تنسانا…نحن من نزفك،من وجع فكرتك، من حبرك، من حرفك خلقتنا لاتقتلنا بنسيانك،نحن الحكاية اللي تسكن وجدانك.إن تركتنا، تندثر كلماتك،
وتضيع روايتك، تبكي دفاترك.
نحن ابطالك، ظلك، ضميرك، صرختك ان خانك تعبيرك،،!!
{تتراجع خطوة إلى وراء، تفتح الستارة ببطء. الشخصيات تظهر واحدة تلو اخرى من بين دفات الكتب، تسير نحو المركز حيث التابوت، المجموعة تقف حوله في حالة من القلق والضياع.}
القواد (يأخذ مكانه على المنصة، يرفع صوته بصعوبة):لن تهمني كلماتك… لانه المسؤول عن كل ما يحدث هنا. .. كل جريمة، كل خطأ. هو الذي أوجدنا في هذا المكان، نحن من صيره كاتباً. فلتكن المحاكمة عادلة!!.
[الزوجة تجلس بجانب التابوت، رأسها منحنٍ، وجهها يحمل  الحزن والندم.]
الزوجة (بصوت خافت): كان يعلم كيف يجرحنا بكلماته. كلماتٌ لا يمكن أن تداوي،  كنا ضعفاء أمامها. هو مات، لكننا لن ننسى أبدًا كيف جعلنا نغرق في بحور تلك الكلمات!!
{المرأة التي  تحلم بأن تكون شاعرة تأخذ  مكان الادعاء العام. عيونها مليئة بالغضب، وهي تشير إلى التابوت.}
المرأة (بغضب):لقد غيرَ مصائرنا، بل مزقها!  حلمت أن أكون شاعرة هو من أعترض قلت له ارجوك،،الشعر وجودي لكنه رفض(تبكي)، كتب لنا وهمًا من أجل  تمزيق أحلامنا.!!
{السياسي يقف مكان المحامي مبتسماً ابتسامة صفراء.}
السياسي (بصوت متملق): كان بطلنا في البداية، ولكنه الآن  عدو! من حقنا محاكمته، ولكن لا تنسوا أن كل ما فعله ايضاح من أجل الحقيقة. لعل هذا أفضل دفاع…كنت اكرهه واغار منه،،حاولت مراراً التمرد لكنه قيد وجودي بسلاسل من الدهاء!!
{الكاتب يُنهض من التابوت، يقف في قفص الاتهام وسط صمت عميق، لا يُسمح له بالكلام.}
القواد:اليوم، نعيد حساباتنا. نحاكمك، لأنك غيرت حياتنا، كما لو أننا لم نك سوى أدوات بين يديك.”
{تسود القاعة لحظة صمت، ثم يظهر نور خافت يشير إلى تغير قادم اللحظة الأكثر توترًا، تقف البغي، ناظرة إلى الجميع بحزن،تخطو نحو التابوت.}
البغي (بصوت هادئ):لا… لا أوافق على هذا. لن نقتله مرة ثانية. نحن بحاجة اليه ليعطينا فرصة من اجل دفن ما تبقى منا. أنتم يمكنكم محاكمته،ولكن عليكم محاكمة أنفسكم أولاً؟!!
(تخرج من القاعة، تغلق الباب خلفها بلطف. الجميع يقف بصمت، بانتظار ما يحدث ،تسير نحو المخرج. عند الباب، تتوقف لحظة ثم تعود بخطوات بطيئة إلى المركز).
البغي:لا أستطيع الهروب…من هذا القرار، لا أستطيع الهروب منكم أو من نفسي. كنت أدافع عنه حتى وأنا أعلم أنني خدعته. لكنني الآن أواجه أفعالي. .نحن لا نحتاج للقتل، بل نحتاج المغفرة. هل لدينا الشجاعة لنفعل لذلك؟!!
{تنظر إلى التابوت بحزن عميق،  تقف ،متأملة صورة الكاتب محاولة فهمه.مواصلة):هل هذا مصير من يسعى الى يخلق شيئًا جديدًا؟ هل هذا  جزاؤه؟ لن أموت  اليوم، لكنني أعيش  الخيانة داخل قلبي.”
{تستدير مغادرة المسرح ، تاركة الجميع في حالة صمت طويل.}
القواد (بنبرة حادة):لقد هربت من الجريمة، ولكن الحقيقة نحن لا نعرف ماذا نفعل الآن. لا أحد منا يملك الشجاعة لمواجهة ما كنا عليه. نريد العدالة، لكن أي عدالة يمكن أن تأتي بعد أن نقتل أنفسنا بحساباتنا؟”
{السياسي ، الذي ما يزال يحاول اللعب على الألفاظ، يرفع يده مستهزئًا.}
السياسي:نعم، دعونا نقر بحقيقة واحدة …  لم يعد لدينا ما نخسره. نحن مجرد شخوص في مسرحية، وأنت، أيها الكاتب، من حدد مصائرنا وغير مسارات احلامنا. كل ما فعلناه  تحت سطوتك، كما لو أننا دمى بين يديك.”
{المرأة التي  تحلم أن تكون شاعرة ترفع صوتها بغضب.}
المرأة:لن أقبل بعد الآن أن أكون جزءًا من هذه اللعبة! دعونا نحرر أنفسنا من تلك الكلمات المسمومة. لقد سلبتنا كل شيء، حتى أحلامنا.”
{تتراجع قليلاً،  ملتفة إلى التابوت. }.
الزوجة:لكنه  أكثر من مجرد كلمات.  كان الأمل.  تلك الكلمات التي كتبها  جعلتنا نشعر أننا أحياء، ولكني الآن أرى أن الموت  أكثر من مجرد النهاية التي نراها. هو لم يعد هنا، ولكننا نعيش في كلماته، في رسالته، في كل شيء.!!
{ يتبادلون النظرات، ثم يلتفتون إلى التابوت مرة أخرى الأضاءة تزداد سطوعًا بشكل تدريجي. تبدأ الموسيقى في الخلفية لتعطي تأثيرًا دراميًا على الجو، في حين يتجمعون  حول التابوت.}
القواد: أدت النهاية إلى هذه المحاكمة، ولكن لا يمكننا إعدام الشخص الذي حاربنا فيه… لأننا نرى أنفسنا فيه. نحن نُقتل  كل لحظة وهو في قفص الاتهام،!!
{ تبدأ الشخوص في الحديث عن مصيرها، عن الخيبات التي مروا بها، وعن الواقع الذي اختلقه الكاتب.}
الزوجة:كان أملنا في الكلمة… الكلمة التي جلبت لنا هذا الحزن، لكننا الآن نراها طوق نجاة.”
السياسي:نحن لا نعرف من نلوم بعد الآن. هل هو الذي كتب تلك الكلمات أم نحن الذين اخترنا أن نعيش في ذلك الوهم؟”
المرأة:لكنه  أعطانا الأمل، لم يك يريد أن نعيش في السواد لكننا أضعنا الطريق.”
{ لحظة صمت، يعود الضوء ليشمل الكاتب في قفص الاتهام. تفتح الأبواب الخلفية، يبدو أن هناك ما هو أكبر من المحاكمة نفسها. هل يمكن أن يكون هناك شيء آخر؟}
المخرج (من وراء الستار):نهاية الكتابة ليست النهاية. النهايات تأتي على هيئة أسئلة… ونحن نعيشها الان
.{ تبدأ الشخصيات بالتحرك بشكل بطيء، تقترب واحدة تلو الأخرى من التابوت، كل منهم يحمل عبءًا ثقيلًا من الذكريات، الألم، واللوم. تتجمع  في دائرة حول التابوت، أصوات خفيفة من حوار داخلي تتسرب إلى مسامع الجمهور}.
الزوجة (بصوت ضعيف):هل نحن في مواجهة مع أنفسنا، أم أن ما صنعته كلماته هو الذي واجهنا؟ هل نحن من اختار أن نغرق في هذه الفوضى؟”
{المرأة التي  تحلم أن تكون شاعرة تقترب خطوة نحو التابوت،لتمسك يد الزوجة بخجل.}
المرأة (بغضب مكتوم)ألم  يعي ما فعل؟ كان يكتب كلمات زائفة كما لو أنه يخلق لنا عوالم مستحيلة… نحن هنا لأننا أصبحنا ضحايا رواياته.!!
{السياسي، يصرخ فجأة بنبرة عالية}
السياسي: كان قادرًا على أن يصفعنا جميعًا في لحظة واحدة!  جعلنا نرى العالم بمنظور لا يمكننا تحمله! هل هذا جزاء من يحاول أن يغير الواقع؟”
{القواد يتدخل فجأة، وبنظرة كأنها موجهة إلى الحضور بأكملهم.}
القواد:لكننا خُلِقنا لنحمل أوزار هذا الواقع…كنا ضعفاء أمامه، أمام كلماته، نحن الذين جعلنا منه المعبود. كلنا نادمون على اللحظات التي رددنا فيها كلماته في أذهاننا.”
{الزوجة تنفجر بالبكاء، غير قادرة على السيطرة على دموعها}
الزوجة (وهي تصرخ):لكنني أحببته، أحببته حقًا!  لم يترك لي سوى الصمت بعد أن تركني في مكان لا أستطيع فيه  أستعادة نفسي!”
{المرأة التي ك تحلم أن تكون شاعرة تمسك بذراعيها، وتحاول أن تهدئ الوضع.}
المرأة (بهدوء):كلنا في النهاية أسرى لمفاهيمنا. لكن من أعطانا  الحق أن نخلط بين الحياة والموت؟ أن نحاكم الشخص الذي منحنا أملًا بالكلمات؟”
{يبدأ الجمهور في التفاعل، البعض في حالة تأمل، والبعض في صمت كامل. الأنوار تخفت تدريجيًا، بينما تتجمع الشخصيات  حول التابوت.}
القواد (ببعض التردد):نحن  فِرَق في قصة طويلة كتبها هو، لكن السؤال… هل  هذه النهاية  هي ما أراده؟ هل كان يعِدنا بكل هذا العذاب، أم أننا من صنعناه؟!!
{السياسي ينقض فجأة، قائلاً بنبرة متعالية}
السياسي:كل واحد منا اختار دوره … لا أحد منا يلوم الآخر. نحن نغرق معًا في بحر الكلمات التي تركها وراءه.”
المرأة:لقد دفعنا الثمن، وكل واحد منا قاتل من أجل أن يكتب اسمه في قصته. ولكن من يكتب النهاية؟ هل هي الكلمة التي لن تنتهي أبدًا؟”
{الجميع ينظرون نحو الكاتب الذي لا يزال في قفص الاتهام، وكأنهم في حالة من الانتظار الثقيل. كل واحد منهم محاصر في نظرته الخاصة، بينما الأضواء تخفت حتى تصبح القاعة شبه مظلمة، إلا من بقعة ضوء صغيرة على التابوت.يبدأ صوت الموسيقى تدريجيًا في الارتفاع مع همسات الشخوص.}
الكاتب (صوت خافت يظهر عبر الستار):لم أك أريد لكم أن تكونوا هكذا… لكن الحياة، مثل الكتابة، تتبع طرقًا مجهولة. ما كتبتُه لكم كان ليفهمني… لكن الآن، ربما فهمتمُوني أفضل مما كنت أتمنى.أما الآن، فقد تَبين لي أنه لا يوجد شخصٌ يعيش في فراغ من المعاناة. كل واحد منا يخلق جحيمه الخاص، ولكن مع مرور الوقت، نجد أن هذا الجحيم يساعدنا على فهم قيمة الوجود.”
الزوجة (في لهجة مترددة) جئنا إلى هنا ليحاكمونا… أم لنحاكمه ؟ هل نحن الذين خلقنا هذا الواقع؟ هل اخترنا أن نعيش في ظل كلماته؟”
{المرأة التي  تحلم أن تكون شاعرة تقترب من التابوت، تضع يديها على سطحه، مغمضة عينيها}.
المرأة (بصوت شبه ضائع)لكن… لو كنت  وجدته… لو كان بإمكانه أن يغيرني… لم أك لأختار هذا الطريق. كنتُ أحتاجه حقًا… لكن الأمل  مجرد سراب. ..كنتُ أعدُّ الخطى نحوه
‏كما يعدُّ المسافرُ نجومَ الطريق،
‏فإذا به ظلٌّ،،،إذا بيَ وهمْ.
‏أودعتُ فيه رجائي ،،،فأرجع لي
‏كفَّيَّ خائبتين،..الريحُ تسخر من دمعتي
‏كأنّي من طينٍ…لا يُجيدُ الحلمْ
القواد (متحفظًا): كنتُ أريد أن أعيش… لكنكم جعلتموني في هذه الزاوية الضيقة. كلماته  لم تترك لنا خيارًا. نحن نتعذب بسبب ما كتبه، بينما هو… لن يعرف العذاب أبدًا.”
{السياسي يندفع خطوة إلى الأمام، يبدأ في توجيه كلامه إلى الحضور، وكأنما يدافع عن نفسه، وعنهم جميعًا.}
السياسي (بصوت عالٍ):نحن هنا نناقش أنفسنا، لا هو. هو من صنع الواقع، لكنه لم يدفع ثمنه. نحن من كنا تحت وطأة كلماته، والآن يجب أن نعترف، علينا جميعًا أن نحاكم بعضنا بعضًا، لأننا جميعًا كنا في القارب نفسه.!!
الأضاءة تزداد سطوعاً، تتحرك المجموعة في دائرة حول التابوت، كما لو أنهم يبحثون عن إجابة بين الصمت العميق.}
الزوجة (بحيرة):هل أنا مذنبة في حبه؟ أم أنني كنت أبحث عن نفسي فيه؟ هل هو المسؤول عن ضياعي، أم أنني كنت الضحية في لعبة الحياة التي لا تعترف بالمشاعر؟”
{المرأة التي  تحلم أن تكون شاعرة تبتعد خطوة عن التابوت، وعينها مليئة بالدموع.}
المرأة:أردت أن أكون انسانة مهمة… أردت أن أكون شاعرة، لكنني أصبحت شيئًا آخر، هل كان هو السبب؟ أم أنني كنت أبحث عن حلول في كلمات لا تعرف طريقها إلى روحي؟”
{السياسي يقاطعها.}
السياسي (بتحدي):من يقرر ما هو الخير وما هو الشر؟ نحن …أم هو؟!!
القواد:{يضحك}أنا خائف… خائف من ما حدث… ومن ما سيحدث. هل كان ذلك لعبة؟ هل نحن ضحايا ما صنعته أنفسنا؟!!
البغي (بصوت هادئ، مليء بالتحدي):
 وحدي هنا. كلهم رحلوا، كلهم تركوا المكان… في النهاية، هو  الذي بقي وحيدًا في هذا العالم!!'
{تقترب البغي من التابوت بحذر، وكأنها تخشى أن تتسبب في تدمير شيء حساس.}
البغي:كلهم أرادوا محاكمته، إعدامه. لكنني أرى أنه يستحق شيئًا آخر. يستحق أن يموت وحده، دون أن يضطر أحد إلى دفنه.  هذه هي عقوبته. لن أكون جزءًا من تلك المحاكمة… لن أكون جزءًا من لعبتهم.”
{، تنظر البغي نحو الجمهور، كأنها تسألهم عن حقيقة ما يحدث، }
البغي (بصوت خافت):… قد لا تكون الكلمات هي التي قتلتنا جميعًا، بل نحن من قتلنا أنفسنا بنظراتنا إليها.”
 (بهمسات غير مسموعة):لن أساعدكم… لكن ربما في يوم ما، ستفهمون.
{الستارة تغلق ،يبقى صوت دقات قلوب النظارة، مملوءًا بالأسئلة حول الحقيقة، والذنب، والمصير.}!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة