اختزال
بقلم عبدالوهاب علي الصبخه
لم تطل الحديث، لم تُطلِق العنان للكلمات، ولا حتى لابتسامةٍ ودّية، ولا لنظرةٍ تُخبّرُ بما وراء الصمت.
بل أرسلتْ رسالةً مختصرةً كأنين الريح في ليلٍ مقفر—موجزةً حدّ الانكسار،
كلماتٌ مقطوعةٌ كأنها تناثرت من بين أصابع ذكرى تآكلتْ بفعل الزمن،
كانت مفرداتها طلسميةً، كأنها مكتوبةٌ بلغة الجن أو بلسان الأشباح،
لغةٌ غريبةٌ على الأذن والقلب معًا،
بحثتُ عنها في جميع المعاجم: العربية، الفارسية، السامية، حتى تلك التي تُترجم الأحلام…
فما وجدتُ لها تفسيرًا، ولا حتى ظلّ معنى.
حاولتُ مرّةً… ومرّتين… وعشرات المرّات،
أُعيدُ تشغيلَ تلك اللحظة في رأسي كشريطٍ قديم—
أتأمّلُ نبرةَ صوتها لو كانت قد تكلّمت،
أتفحّصُ خلفيّةَ الصورة لو كانت قد التُقِطت،
أبحثُ في الفراغ الذي تركته عن بصمةٍ، عن خيطٍ، عن نبضٍ يُعيدني إليها.
لكنّي في كلّ مرّةٍ أصلُ إلى الحقيقة ذاتها، العارية، القاسية:
لقد رحلتْ.
ليس لأنّها قالتْ وداعًا، بل لأنّها اختارت الصمتَ وسيلةً للغياب.
رحلتْ بأيّ لغةٍ—سواءٌ فهمتُها أو لم أفهَم،
رحلتْ بأيّ مفردةٍ—مهما كانت غامضةً أو مألوفة،
رحلتْ بأيّ كلمةٍ—حتى لو كانت "لا شيء".
المهمّ، في النهاية، أنّها لم تعد.
ولا يعود ما يُقال عنه "كان"… إلّا في ذاكرةٍ تأبى أن تنام.
عبدالوهاب علي الصبخه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق