Translate

الخميس، 18 أغسطس 2022

إيصال أمانة بقلم عصام الدين محمد أحمد -الجيزة-مصر

 قصة قصيرة

إيصال أمانة
بقلم عصام الدين محمد أحمد -الجيزة-مصر
إيصال أمانة
تضرب الطبول ، تدق الدفوف ، يذهب الحوار ويجىء،أضحت القعدة روتينا لا يفتقده الصخب، يرفع العُمدة نبرات تعليقه، الأعناق تشرئب، والآذان تنشده.
وأنور الجندي جالس فوق الدكة، ينتظر انفضاض مولد سيدى العمدة، فمُنذ شهر لم يغادر قعدته هذه فى مثل هذا الموعد.
مع المد والجزر والترقـُب يأتيان .. بخطي ذابلة، خطوة .. خطوتان ..نصف خطوة، ضجيج المزادات يعلو، وجيداهما مُكبلان بأطواق التعب، يقعدان .
ما الذي أتى بهما الآن ؟ !
عمومًا مجيؤهما فُرصة لإزاحة جبل الهم من فوق صدري .
أٌقول لهما :
أين فواتيركما ؟ !
يُخرِجُ ( غريب ) لفة فواتير، تتقلص أمارات وجهه، تتصلب أنامله على أطراف الفواتير، أقول :
للعمدة أحد عشر ألف جنيه .
ينهنه أسامة :
هذا الحساب غلط .
صاح العُمدة :
أين الخطأ ؟ ؟
هبط سكون الترقب، ربما يهدأ فوران الصدور الكظيم، أحضر أيمن النارجيلة، عموماً النارجيلة تعتبر حيلة جيدة وسهلة لالتقاط الأنفاس وللتفكير في كيفية الهروب من كمائن الموقف، لقف ( أسامة ) المَبسم شافطًا نفسًا عريضًا، فقد نفدت سجائره الأجنبية.
صوت أنور الجندي يرُجّني :
أ أنهيت كشف حسابي ؟ !
حسابك في الدفتر يا كبير، ورُبما يزورنا غواص البئر ويستخرج من جوفه أربعين رُزمة بأربعين ألف، قل أمين .
أتلفت بعيدًا تجنبًا لآثار قنبلتي، تجهم العُمدة ،يحتد :
النهار طويل يا أنور،( روح شوف) مصالحك أولاً، وفلوسك محفوظة، ياما أدنتك ولم أقف عليك كالديدبان !
الأدخنة تتما هي، يستنهض (غريب) الأرقام في ذهنه ،يضرب ويقسم ،يطرح ، يكُح ، يريل، ويجف حلقه ، دوشة في عقله، الدوائر الكهربائية في جهازه العصبي توش، أضحى أزيز الكهرباء سوطًا لاسعًا لخلاياه، الدوخة تصفد جبينه، والشيشة تفاقـم التوتر، ألم تسمع المحلل يشرح قائلاً :
نفس المعسل يطـُس الحلق، فتندفق الأدخنة من الفتحات، وخلال هذه الرحلة يتشابط الأدراك ويترنح .
ينظُر (غريب ) في وجه (أسامة)، يحثه على الكلام، يخرج الأخير نوتة من جيبه، يقلب الصفحات، ألمحها بيضاء، ركن الأولى ، طرح الثانية والثالثة، أسأله في غيظ :
أين حساباتك يا معلم ؟ !
كيف ربطت هذا المبلغ على نفسك ؟ ؟
لن يشفع لك أنك أخي حتى لا تدفع .
بنبرات هزيلة يقول :
موازين الفواتير أقل من موازين الباسكول بعشرين طنًا .
أنا حرامي وأنت مُغفل، أعندك اعتراض ؟ !
هكذا قطع ( العُمدة ) جسر المساومة، أنور الجندي يوبخ ابنه :
كل ما يقوله صدق .
و (الابن ) يتقول :
من الحكمة أن تصدق !
ها هي الأزمة تقتحمك يا فالح، ماذا ستفعل ؟ ؟
لا تملُك إلا أجرك الزهيد، والذي تلتهمه زوجتك مع طلعة كُل صباح، تربُط حزام الكفاف على بطنها طوال العام، تفك آزارها هذا الشهر، تخزن شُنط السكر والأرز والزيت والسمن، وظيفة الحكومة لا توفر إلا الخُبز الجاف، لا تسخر مني وتدعي أن العيش نَدُرَ وجوده ! .
توفر أجازاتك لتستنفدها في هذا الشهر، وتتحمل سخافات مُدير الإدارة، وتهكُمات وكيله، طيب يا سيدي لو دفعت أجرك ككاتب حسابات و (ريس ) فرقة رص البطيخ فلن تسد نصف المبلغ، وأجر الرجال- يا فارس – كيف تستوفيه ؟ ؟ .
آه ... عقلي كاد أن يتشظى وينفرط عقده .
(أسامة) يتأمل وجه (غريب )الجاف :
أتتركني أغرق ؟
(العُمدة ) يَمعِرُ :
قولوا : ما بقيت فلوس، وأنا ( مش ) عاوزهم، والله ما يسهل لكُم، فأنا طول عمري فريسة لنصب الأقارب، وليس في الأمر من جديد .
يشمر ( العُمدة ) كُمه، تنتفض عُروقه، يداعبه الهياج، يقلب ذاكرته المرتبكة :
{ أهل صباحاً وجيوبي فارغة، عشر رجال يمسحون لي الكرسى، تنقضى الساعات الطويلة فى كركرة الحشيش ولعب الورق،والهزار عمال على بطال ، أغادرالمحل وأوراق النقد تبز من سروالي، وفى كل المساءات أمارس حياة التسكع .هكذا يردد الحاقدون .
قال (مجلس الحى ) :
سوق روض الفرج يقبع في صرة البلد، يحتل مركز الدائرة، وجوده يُربك المرور والأخلاق.
قلت (للعمدة ) :
ندفع مقدم محل فى العبور .
للأسف (ودن ) من طين و (ودن ) من عجين .معتقدا أن المحكمة لن توافق على نقل السوق .حفاظا على هيبة الدولة ـ هكذا أذاعت وسائل الأعلام ـ نقلوه الى أطراف الصحراء.وأنتقل العُمدة الكبيرالى سوق ساحل مصر القديمة ،يستأجر محل (الجدى ) فى موسم البطيخ ،انهارت مملكته، الأعوام تمُر والحال لا يتغير ، من المنطق أن أثور، وأطرد كل الرجال؛أولاد العم والخال ؛ زعماء عصابة استنزاف العمدة، وأقصر تجارتي على عميل واحد، رجب استرلينى ،فلاح قرارى ،ولكي أنجح أحيل والدي للمعاش عنوة، أجبره على القعود في مقهى لا يتسع لبناء ديوان ولا حطب فيه لنيران حاتم الطائي، سنوات وتجارتي تتقلص حدودها، لم أندم على قرار اتخذته، فأنا المُغني الوحيد في الجوقة، أمكتوب على الغناء، من الوضع واقفاً، فلماذا لا أجلس على خشبة المسرح ؟ ؟ صوتي قوي فلماذا المسرح والجوقة ؟ ! الجمهور أيضاً لا يجيد السمع فدعك منه .
مــا جدوى الفلوس وزوجتي تنثرها كالرماد ! خلف جلباب العفة را قصة ، والآن الجميع يمد سكينه يبغي اقتطاع لحمي .}
زعابيب المزادات تهُب، البائعون يهرولون كأفلام الأكشن ،الأولاد يحملون البضائع فوق عربات نصف النقل وموسيقى الزعيق والسباب تملأ الجو بالمدارات الصوتية المُتقاطعة، و (عربي الجدي) يتعارك مع البائعين على فلوس الغفر، يساومونه ولكنه لا يقبل إلا المبلغ الذي حدده، يقبض المعلوم ويغافلهم ليسرق بضاعتهم، تتصادم العربات والغلبة للنوابيت الفتية والألسن العفية.
يتجه إلى ( العُمدة ) بكليته زاعقاً :
لا أعرف أحداً سواك، فأنت الوحيد المسئول أمامي .
ما قُلت لك أقرضهما هذا المال .
ما أعطيتهما إلا لمعرفتي إياك .
هراء ... لم تشرني .
بل أنت المُخطط لهذا الكمين .
هأ .... هأ .....
والآن أمض إيصال أمانة .
صمت ثقيل، الهواجس تهاجمني:
{ أطأ الأرض المزركشة ، تحتوينى الطاولة ، يسكن القلم أناملى.تنتكس الرأس ،تنكمش عضلات العنق ،تشت العينان ،تشع الحروف ،يلتهب الوجه ،يأمر القلم :
وقع هنا .
تتمدد الكلمات هلاميا ، تناضلنى الحروف ،أتحسس القلم تقليبا ،تهزل أصابعى ،تجابه الورقة عينى اليسرى ،تتشفع العين بالنقاط الملحية ، تنز الأنف بحيرة لزجة ، يريل الفم ،تنساب المياه ، تتجمع أسفل الذقن البارز ، أبحلق بين السطور ،أتناجى بإعياء:
أبعد هذه الخدمات أوقع على صك مديونية، فمنذُ مواسم بعيدة يتركني في الظهيرة بدون مليم واحد تاركاً رزمة فواتير لازمة السداد وقيمتها تتعدى مبلغ العشرين ألف جنيه، ألف كالنحلة مُستديناً المبلغ من معلمي العُهد، و (فرج )صاحب المطعم ، ولولا ثقتهم ما أقرضوني مثل هذا المبلغ" والآن مطلوب مني صك ورقة دين بمبلغ أحد عشر ألفً من الجنيهات والمعلم (أسامة) يسلب قوت أولادي، كل عام يغربلني وكأنه خلق – خصيصاً – لتأديبي،وأيضا تنصل ( غريب ) شريكه من الدفع ، يا داهية دقى ! }
تخشى الفضيحة، ففي بلدكم لا يعرفون هذه المُلابسات، ولن تجد عندهم سوى التشهير، فغراء العار يُلطخ ثوب العائلة، وأمك ستُلخبط مُفردات اللوحة بدموعها المدرارة، ستنشُر غسيلك الوسخ في طريق الشامتين ، ستتذكر قلبها المُنفطر وقلبي الحجري، أنتبه على صوت ( مدحت ) :
لن توقع .
يهينم (العمدة ):
وفلوسى ،أكلها الغراب وطار .
يقترح (مدحت ) :
اخصم له فلوس رصاصة البطيخ ، والباقى حين ميسرة .
أردد والفهم غائب : "
لو كان القاضى ينصف الشاكى ما كان الشاكى رجع باكى .
تمت بحمد الله
قد تكون صورة ‏شخص واحد‏

الثلاثاء، 16 أغسطس 2022

قصة قصيرة بعنوان أبي يصور فيلما بقلم عصام الدين محمد أحمد

 قصة قصيرة بعنوان أبي يصور فيلما

بقلم عصام الدين محمد أحمد
أبى يصور فيلماَ
أحب اللعب وصيد العصافير ،من حقل إلى حقل ،ومن شجرة إلى شجرة كالسنونو.
وفى المساء تتوعدني أمي بالضرب.
عمي بسام يخلعني من يديها، يأخذني معه لنتمشى بعيداَعن زحمة المخيم .
من درب إلى درب ،ومن ممر إلى آخر ؛نصل إلى داره .
تعطيني زوجته الحلوى .
على الحائط صورة قديمة لرجل عجوز ،تلبس رأسه غضرة وعقالاَ، قال عمي :
هذا جدك ذهب ولم يعد .
في بيتنا مثل هذه الصورة،وأبي لا يعرف قبلته،ولا يجد تفسيرا لعدم عودته.
يعقب:
غابت حجته معه.
قدمت لي زوجة عمي رغيفاَ محشواَ باللحم .
أسفل صورة الجد وعلى الأريكة نمت ،أتصدق أن النوم بعبع :
"أتعب من الجري والقفز ..
يتربص بى الذئب ..
أخاف...الحوائط تقف دون نجاتى .
الذئب يشب "
آه ..آه ..زوجة عمي تهز رأسي برفق ،ترجني ،تدفسني فى حضنها ،ترش وجهي بالمياه ،ترفع رأسي لتدلق فى جوفي بق مياه ،أردد خلفها مرحاَ:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
عمك لم يأت بعد .
أرتجف ،لا يمكننى قفل عيني ثانية ،أسأل:
أيغيب عمي دوما؟
لا تملك أجابة ولكنها تتناجى بنبرات خافتة ،لا أستبين منها حرفا .
أغفو ، أسافر فى النوم.
وفى الصباح تحايل أبي ليأخذني إلى السوق بالقدس الشرقية .
مازالت أطياف الذئب تطاردني ،وأنا الآن متعب ،أصرت زوجة عمي أن أستحم أولاَ ،مياه باردة؛ساخنة ؛فاترة ؛وجسدي هامد متكسر،لبست بنطالا نظيفاَ وقميصاَ أظن أنه جديد.
أبي يتعجلني ،السيارة توقفت أكثر من عشرة مرات ،تفتيش ،إظهار للهوية ،والرد على أسئلة غريبة مثل لماذا وكم؟
طالت الرحلة ساعة وساعة.
نزول وصعود والطريق كومة ثعابين متباينة الأطوال والإنثناءات،الجنود يزدادون ،تتوارى وجوههم خلف الأقنعة ،حركاتهم تسرع كعقرب الثواني. الجو اليوم مليء بالحذر والترقب .
زمامير وأبواق لسيارات سوداء، الجنود ينتشرون ويكثرون .
تنطلق الطلقات .
من داخل المسجد الأقصى تخرج الحشود مهللة مكبرة.
الجو يغرق فى الأدخنة ،يهاجمني الذئب ،أين أنت يا زوجة عمي ؟
لا تحملني قدماي ، لا تبصر عيناي.
أرتعد،بجوار السوق أسقط،يحملني أبي،يداه ترتعشان ،أنهبد ثانية .
الذئب يا أبي ،الذئب ، المصلون يتساقطون .
الطلقات تدوي فى السماء ،تتوعدني أمي بالضرب، الطلقات تصطدم بالسور،ضربات أمي لا توجعني ،أبي لا يعرف ماذا يفعل؟
أيتركني ويفر ؟
أيبقى جواري ؟
أيحضنني ؟
يقترب الجندي ،يغربل الرصاص السور .
الذئب يمسك بكم قميصي ، يتمزع .
يومض وجه أمي أمام ناظريّ.
فينقضّ على الكم الثاني .
ستزحف أمي على قدميها لتشدني من أنياب الذئب،تفشل في اللحاق بي، وهنت حركتها منذ فقدها ساقيها .
يتمزق الكم الثاني .
آه..آه..آآآه.بيادته الفولاذية تدق صدري .
هبر قدمي اليسرى.
الدم يتجمد ولا ينزف .
أمي تخترق المخيم ،تصيح :
خنازير...
هدومها مهلهلة ،كانت جميلة.
يشير أبي للجندي بأن يتركني.
يتفل عليه الجندي .
مازال أبى ممسكاَ بعلبة سجائر .
لماذا لا يشعل سيجارته الآن؟
الذئب يمضغ قدمي اليمنى.
تموت الصرخات فى صدري.
لا بأس فأنيابه حادة ؛ وسيفرغ مني بسرعة .
الجندي أصبح جنديين ؛ثلاثة ،أربعة ، مائة. أستنشق الرصاصات .
أبي يصور فيلماَ..
أبي يصور...... فيلم.....
يصور أبي........... يصور...... يصو.....يـ.....
تمت بحمد الله
قد تكون صورة ‏شخص واحد‏

الاثنين، 15 أغسطس 2022

يا صداع أيامه ! بقلم / مسعود غنّام الجزائر

 خاطرة ...

يا صداع أيامه !
بقلم
مسعود غنّام
الجزائر
شعورداهمه ، ابتدع حيلة ذكية ، فتح نافذة ليلاه ، القلم في يمناه يتراقص يسمع لقيله ، قلبه قطعة اسفنجية تمتد وتتقلّص ، كان يكتب وهو يعرف أنّ ساهرا ما ينزف مثله ، هي مجرد فكرة بمخيلته ، قلّب صفحة يومه الماضي ، أعوام وهو يكتب ولم ينس ، قلب ورقة دفتره اسودّ ضاق ، أحزانه وأحلامه تتمدّد كلّما تسامى دخان سيجارته ، من فرط سهره لم يكن يدري أنّ حروقا كثيرة اخترقتها ، النّعاس جعله يتخيّلها وكأنّها مستعمراتٌٌ بدائية ، ثقُل رأسه ، انفلت قلمه ، كتب على الورقة ، على الطاولة ، على الجدار ، على .... انتبه ، فوجد يمناه قد خطّت : ياليل ، ياقلم ، ياصداع أيامه ! .
مسعود غنّام / الجزائر .

وأد بقلم / سيدة بن جازية تونس

 ق ق ج

وأد
بقلم
سيدة بن جازية
تونس
عند الغروب قصد المكان المحدد ابتاع مبيدا حشريا لقد ضاق ذرعا بالناموس و الخنفوس و البطالة .
فتح علبة العصير سكب فيها مسحوقا أزرق اللون و مجه في كل الاتجاهات ساهما واهما بالخلاص . ولم يثب إلى رشده إلا على وقع همسات عشرينية جميلة لا أصدق أننا أخيرا التقينا في نفس المكان ، انتابته رجفة ،اختلطت فيها كل المشاعر بين مودع للحياة ومتهلل بلقاء وديع، حالما ذاهلا مضطربا بين الفرحة و الحسرة . لقد التهمت الغبية كل ما احتوته علبة العصير... نحن لا نختار نهاياتنا مثلما لم نختر البداية
سيدة بن جازية// تونس
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، و‏وقوف‏‏ و‏حجاب‏‏

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة