Translate

الخميس، 18 أغسطس 2022

قراءة انطباعية في نص " شطط" للقاص والكتاب العراقي المبدع : مهدي الجابري، بقلمي : محمد أبو الفضل سحبان.

 قراءة انطباعية في نص " شطط" للقاص والكتاب العراقي المبدع : مهدي الجابري، بقلمي : محمد أبو الفضل سحبان.

*النص : "شطط"
جعل كل شيء وراء ظهره، حرسها بسبعة أفيال؛ خطا سبع خطوات..
أهداها زهرة اللوتس ذات الوريقات السبع..
داهمه الخوف؛ ولى هارباً! دعا الله مخلصا.
* القراءة :
1- العنوان
"شطط" من شطَّ.شطًّا وشَطَطًا وشُطوطًا ..ونقول شَطَّطَ فِي حُكْمِهِ: بَالَغَ فِي الشَّطَطِ، فِي الْجَوْرِ.. ومنه الشطط في استعمال السلطة، في حب النفس، المال، الخيال .. وهو مبالغة وإسراف ومجاوزة للحد أي لخطوط المباح والمتاح بمعنى ما .قال تعالى في سورة الجن : (وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ) .. أي قولاً مفرطاً بعيداً عن الصواب.والشطط يأتي أيضا بمعنى البعد في المكان والافراط فيه ..مقدمة كان لا بد منها لما للعنوان من أهمية ولكونه اختير لهذا النص بعناية.
2-مدخل :
المتأمل لهذا النص الشاعري العميق والذي لا يخلو من غرابة، ومع المتعة التي يجدها وهو يحاول مسك خيط رابط بين عقدته وحله.. قد يبدو من أول نظرة أنه نص قادم من زمن غريب غير الزمن الخاطف الذي يجري الآن بسرعة الضوء...لكن النظرة للصورة ستختلف حتما عند تغيير الزاوية ...قراءتي المتواضعة كقارىء متذوق ليس إلا، إذ لا نملك من الأدوات المعرفية والدراية بالمناهج التحليلية ما يؤهلنا لذلك.. هي محاولة تقريبية لبعض أبعاد هذه اللوحة الفنية الجميلة التي تفنن مبدعها في نسجها ورسمها بالأرقام والحروف، ..
3- المتن : الصراع وهو القطب الذي تدور عليه رحى أي معركة حاضر في هذا النص بقوة ويوفر مستوى من التشويش القادر على جذب القارئ وتوريطه في اكتشاف ما يحدث ..صراع يحركه ضميران .هل هما حقا : الوهم والحقيقة ؟؟..أحدهما مذكر و الثاني مؤنث .. متصلان روحيا منفصلان جسديا.. وهذا ما يوحي به ظاهر النص أو منطوقه، والأكيد أنه يخفي في باطنه أكثر مما يظهر ..وتطرح الأسئلة : هل هي قصة من قصص الحب الخرافية ؟!.. وهل هي ملكة بجمال كليوباترا حتى يدير للأرض ظهره. وهل هو فرعون زمانه حتى يحرسها بسبعة أفيال وبكل ما يحمله الصوت من دلالات لقوة والإخلاص والحكمة والرجولة ؟!. ... ولماذا الرقم سبعة بالضبط ؟؟ وهل يمكن التماس العذر لذلك البطل الاسطوري الذي يجازف بحياته للخطو نحو تلك الساحرة الفاتنة أو كما نظن بذلك العزم وذلك اليقين، ليهديها زهرة الحياة " اللوتس" عربون تكفير صادق : جذورها في الطين، سيقانها في الماء، اوراقها في الهواء.. تمتص النار من الشمس لتتفتح وتنُور...أسئلة وأخرى تطرح نفسها على هامش صورة فوتوغرافية حية تطل من خلالها على تقلب الحال وتغير المواقف.
4- المعجم : دلالات توظيف الرقم 7 في النص.
سبعة أفعال، هي ما شكلت الجمل السبعة للنص ( جعل/حرسها /خطا / أهداها/ داهمه/ ولى / دعا)
تكرار الرقم سبعة في النص في ثلاثة مواضع ( سبعة أفيال - سبع خطوات - الوريقات السبع ).. والسؤال الذي يمكن أن يطرح ؟؟ لماذا استعمل الكاتب الرقم سبعة وهل من تفسير منطقي ؟؟..أعتقد أنه اختيار لم يأت بمحض الصدفة .. وربما أن البحث في دلالات هذا الرقم وأسراره الرمزية واللاهوتية قد يوحي ببعض الاشارات العلمية، التاريخية؛ الفلسفية، الدينية، التي قد تخرجنا من هذا المازق؛ بدءا من الآلهة السبعة والحكماء السبعة وغيرها من أساطير الأولين مثل ما ورد ذكر العبارة في القرآن الكريم، رقم كان يرمز به المصريون القدامى لأفكار الكمال والمثالية والإيجابية أو التأثير، ..رقم له حضور فاعل في الأدب العربي قديمه وحديثه : ملحمة جلجامش) و(قصة الطوفان)، ميخائيل نعيمه في كتابه الشامل ( سبعون) وأيضا( المراحل السبع ) لجبران خليل جبران ...
وتعده بعض الثقافات رمزا للحظ، فيما تعتقد أخرى أنه رقم مقدس ومنطقي لأنه يرمز للحركة والحياة..رقم ورد ذكره كذلك في القران الكريم في عدد من المواضع دلالة على مكانته وأسراره، وهو ثاني أهم رقم بعد الواحد الذي يرمز لله الأحد الصمد الذي خلق سبع سماوات وسبع ارضين، ومن الأيام سبعة.. وهو رقم سحري في بعض الثقافات لأنه رقم لا يقبل القسمة إلا على نفسه في دلالة على التفرد والتميز والقوة...وباعتقادي أن هذه الدلالات هي ما يشفع لهذا التوظيف المدروس للرقم 7 الذي جمع في النص بين المتناقضات للدلالة على ضعف الانسان وأن الكمال والقوة لله وحده.. ..قال تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وهنا دلالة الاقتضاء تقتضي أن هنا شيء محذوف، تماما مثل نهاية القصة والتقدير في الآية : إذا ركبوا في الفلك، ثم هاج البحر، وتلاطمت بهم الأمواج، إذا بهم يخافون من الغرق: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ}
5- القفلة:
موزونة فيها تقاطع جميل مع النص القرآني، وقد توفق الكاتب إلى حد كبير بنظري في خلق أزمة رغم تعدد وجوهها وابعادها ..لكنها استطاعت أن تحقق لحظة انقلاب مفاجئة . تربك المتلقي بإيجازها وإضمارها وتكثيفها، وتخيب أفق انتظاره بجملها المتقلبة و الصادمة
6- الفنيات:
رحلة روحية أخاذة تمتزح فيها الشاعرية بالواقعية في تناسق فني بديع .. "شطط " قطعة من الحياة بسالبها وموجبها أجاد الكاتب نسجها بلغة قوية ومؤثرة.. نص يصدق فيه قول صلاح فضل في كتابه "الواقعية في الابداع الأدبي" : (فالكاتب لا ينقل الواقع حرفياً ولا يبعد عنه تماماً الى عوالم أخرى غير متماسكة كما في السريالية ولكنه يلتقط السر المهم الكامن في أحشائه ).
7- هذه القصة : في جملة، سرها يظل بالنهاية في بطن كاتبها ..فهو من عقد العقدة وهو من يملك مفتاح حلها.. هي قصة رجل شط عن جادة الطريق- أي خرج عن الفطرة السليمة -واعتنق البودية، وكان لزاما عليه أن يلتزم بتعاليمها ويؤدي طقوسها ومنها حراسة المعبد بسبعة أفيال والخطو نحوه سبع خطوات وإهدائه زهرة اللوتس ذات السبع ورقات..وسيكتشف هذا المسافر قبل فوات الأوان أن المحطة تلك وهمية ومحيطها محفوف بالخطر .. يهرب..يدعو الله مخلصا .. قصة من القصص الحاضرة في الأذهان ( قصة أبي جهل الملعون الذي حارب الرسول عليه الصلاة والسلام ونجاه الله مع ذلك من الغرق بعد الهرب لحكمة يعلمها، والقصص المماثلة لا يمكن حصرها في زمان أو مكان وهي موجودة في واقعنا الفعلي وبصورة لا تحتاج للتكبير.. عميقة وهادفة.
كل التقدير.
محمد أبو الفضل سحبان.

الصندوق قصة قصيرة بقلم: طارق حنفي

 الصندوق

قصة قصيرة
بقلم: طارق حنفي
-----------
بقايا الصناديق تملأ الحي، تصطدم بها الأعين في كل مكان، في الحارات والأزقة، في الميادين والطرقات، تتعثر بها الأقدام أنَّا ذهبت؛ فيهيج قاطنوها ويُسمع صوت النعيق.. حطام الصناديق في العموم صنفان، أحدها احتوى - فيما مضى - أفكارًا والآخر احتوى الأحلام، يسكن أحدهما بوم والآخر يسكنه الغربان.
بدا تعثره وسقوطه عجيبًا؛ لقد سقط جسده على الأرض بينما انحشرت رأسه داخل بقايا صندوق ما.. فجأة، برقت ذاكرته وأضاءت جانب مظلم من أعماق ذكرياته، برز جزء منها على السطح، منذ زمن بعيد، حين دوَّى صوت مجذوب الحي كالرعد، صاح صيحتين، بعد الأولى قال: “اصنع صندوقًا لأحلامك”، وبعد الثانية: “وآخر لسبل تحقيقها”..
اعتبرها إشارة؛ شرع يصنع صندوقه الخاص، وكلما مر عليه أحدهم يقف أمامه كتمثال، لحظات، ثم يلتفت إلى الصندوق بآلية وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، يسير بعدها في طريقه بخطوات رتيبة.
صنع صندوقًا ليس كأي صندوق؛ لقد قسمه من الداخل إلى قسمين، وجعله يحتوي الصنفين، الأحلام وسبل تحقيقها.. عم قلبه السرور وهو يتطلع إلى الأنوار التي تتراقص كلما ضوت الأحلام، وتشيع زاهية كلما ومضت الأفكار، ثم أغلق الصندوق بإحكام.. لكنه سُرق منه!
تمنى أن يجده، فتش عنه هنا وهناك، بحث في كل مكان دون جدوى، عاهد نفسه على صنع واحد آخر، لاحقًا..
بمرور الوقت تكاسل.. ودون أن يدري بدأ يسير على نهج جديد، الحياة دون صندوق.. مر الوقت، وأزعن للأمر.
منذ اللحظة التي حُشرت فيها رأسه بدا له هذا الصندوق مختلفًا؛ فهو مقسم من الداخل إلى قسمين، ويحتوي الصنفين..
ما عادت تبرق؛ انحسر الضوء، أظلمت، غاصت ذكرياته
عميقًا، انزوت في ركنها مرة أخرى.. عندما أخرج رأسه من الصندوق وقف كتمثال، لحظات، ثم التفت إليه بآلية ووجه يحمل ابتسامة ساخرة، ثم سار في طريقه بخطوات رتيبة.
كنت أراقبه كعادتي، ثم صحت صيحتين وسرت في الاتجاه المعاكس.
طارق حنفي
قد تكون صورة ‏شخص واحد‏

القراءة النقدية لمجموعتي القصصية ( شمس تشرين ) بقلم الأديبة والناقدة د. جمانة الزبيدي

 القراءة النقدية لمجموعتي القصصية ( شمس تشرين ) بقلم الأديبة والناقدة د. جمانة الزبيدي Jomana Alzobaide

البساطة والسلاسة سمة كتابة أم تفرّد أدبي؟
(شمس تشرين للأديب مهدي الجابري)إنموذجاً.
قراءة تحليلية في المجموعة القصصية شمس تشرين للأديب مهدي الجابري:
عندما نقرأ لكاتب ما نصاً سرديا قصة،ققج ،مسرحية،أو رواية فأننا حتما سننجذب للأسلوب السردي الذي ينماز به الكاتب ،فيكون دافعا لنا ومحفزاً لمواصلة القراءة،بين إيدينا المجموعة القصصية الثالثة للأستاذ مهدي الجابري، وسنبحر معه على متن سفينة الأدب لنتعرف على أسلوبه السلس البسيط متخذين من مجموعته(شمس تشرين) الوسيلة التي تدلنا عليه.
تقع المجموعة في (٩٤)صفحة مؤلفة من(٢٠)قصة قصيرة ،الغلاف لوحة مصورة ضمّت رموزاً عراقية تاريخية وحديثة :
(نصب الحرية ،للرسام المبدع جواد سليم )
(بوابة بابل،رمز الأصالة والعراقة)
سد الموصل،رمزيات لمشاهد من ثورة تشرين الشبابية في العراق)
يبدأ الكاتب مجموعته بمدخل جميل يجتذب القارئ ويشحذ الأذهان والإنتباه(لقد صدقت الرؤيا أن روحا هربت فكانت محطتها الأخيرة روحي فتسامت).
الخطاب السردي عند الجابري بساطة واسترسال:
يعتمد الخطاب السردي عند الاستاذ (مهدي الجابري ) بالسلاسة والأنسيابية الشفيفة ،مبتعدا عن تعقيدات المفردة وتلغيزاتها ،ولعلّها السمة الغالبة على كل نصوصه الأدبية "خرجت بسرعة البرق ،ركبت السيارة وقدتها بسرعة،استوقفتني إمراة شابة ،دارت معركة بين قلبي وعقلي هل أقف، أو أتركها في الطريق تنهشها وجوه المارة)ص١٤ تلويح.
تقانات الميتاسرد في مجموعة (شمس تشرين ):
"تعتبر كتابة الميتاسرد تقنية أسلوبية تقوم على فكرة التداخل النصوصي،وتحقيق الوظيفة الميتالغوية، إذ تتمثل فيها الكتابة عبر تحقيق شروط تربط المنظور السردي إلى زوايا متعددة ، وإلى تبئيرات سردية مختلفة المنظور، تلك التي ينكسر في ضوئها التعاقبي ،أو السياقية مقابل تكريس فكرة التمركز الذاتي في الكتابة "ولعل هذا ماتجلّى واضحا من إنحياز الكاتب للإبتعاد عن كل متداخلات الميتاسرد لتكون السلاسة جوازه لذهنية المتلقي(تعالي نجلس تحت ظل هذه النخلة العراقية الباسقة، التي قاومت كل الظروف وهي صامدة، وكما تعلمين ويعلم الجميع إن شمس تشرين في جنوب العراق ايضا حارقة رغم بعدها)ص ٢١ شمس تشرين.
توظيف الزمكان في المجموعة القصصية (شمس تشرين ):
إعتمد (الجابري) في توظيف الزمكان على التأثير الذاتي لدى القاص والذي ينبع من التعلق النفسي بين الكاتب وبيئته (الناصرية) وهذا مانلاحظه من التركيز للزمن الطولي المتواصل "ذاتية الحركية ابتداءً وانتهاءً"
(راحت تنتظر منه الاتصال ، وهي تستذكر موقعها منه الذي كان فرصة لايعوض) ص٤٧ الصدمة٢.
كماوظّف الزمن التعاقبي(الديكاروني) (زمن دائري مغلق تعاقبي مثل حركة اليوم ليلا ونهارا أو الفصول الأربعة )
(كعادتها تنهض مع خيوط الصباح الأولى ترقص مع بندول الساعة) ص ٣٨ صدمة ١.
كما لعب المكان دوره المهم في تجذر الفكرة السردية بصورة سيميائية لدى القاص متكئاً بذلك على محورية الفكرة وقطبية المكان بالنسبة لها ورمزيته واقعيا، حيث من المسلمات أن المكان الذي ينتمي اليه كاتبنا هو من الأمكنة التي سببت الجدل على مرّ التاريخ(الناصرية) فمنها الثورات،حقول النفط ، الشعر والشعراء، الزراعة ، الإزدهار الفكري وتنوع الطبقية، ولايخفى ماتلعبه هذه التأثيرات المكانية سلباً وإيجابا (أتعلم ان هذه البحيرة منذ آلاف السنين وهي ترتفع وتنخفض مع المد والجزر والمياه الموجودة ليس مصدرها نهرا أو منحدر مياه الأمطار إنما هي حالة تختلف تماما عن البحيرات) ص٩١ أدران الأرض.
تأثير البيئة السيكولوجي والإتساق النفسي للكاتب
وإسقاطاته على المجموعة القصصية(شمس تشرين):
لايخفى على الكثير ممن خبر البيئة العراقية من العراقيين أو من كان على صلة بهم فاللبيئة العراقية من التأثير في التركيبة السيكلوجية والإجتماعية لأبنائها وخاصةالمنطقة الجنوبية منها، فالمتتبع يعرف إن أهم وأكثر ماتتميز به هذه المنطقة هو سيادة الأعراف والتقاليد ، وتجذّر العراقة والأصالة وهذا مابدا واضحاً في الخطاب السردي أو الفكرة القصّية(( إن القاص يرسم بيئته الروائية والقصصية من خلال الملاحظة والمشاهدة أو من قراءته الخاصة)) كما تتسابق العقول في مجال الأدب من خلال تصوير النزعات النفسية والإجتماعية نابعا من مماترسب في ذاته ووعيه واللاوعي لديه ممادرج ونما عليه ، كما تنماز المجموعة بدلالاتها الهادفة التي ترمي إلى مغزى أخلاقي وبُعد إجتماعي تشخيصا وتبيانا(وهاهي سفينتنا رست والحمدلله إن المياه غسلت أدران الأرض فالنبدأ حياتنا من جديد )ص٩٤ أدران الأرض.
جمانة الزبيدي/العراق
٢٠٢٢/٨/١٢
.

نص تجريبي * مرايات غير قابلة للكسر * ..........محمد البنا

 نص تجريبي

* مرايات غير قابلة للكسر *
محمد البنا
...............
بهوٌ طويل يمتد من اللانهاية إلى اللانهاية، تتصارع فيه بقايا الظلمات وارهاصات نور.
رجلٌ يقف منتصبًا حاد الملامح - يروي شجرةً عارية، أغصانها بلا أوراق وبلا ثمار - في صوته غلظة، يعاتبها مؤنبا
- ألم أقل لكِ مرارًا من قبل أنه يكذب؟!
آلاف السنين مضت، ولم تصدقيني، لم ؟..لم ؟
مطاطئة الرأس يكسو بشرتها حمرة خجل، فبدا خداها جذوتين من لهب، تجيب
- بلى قلت لي، ولكن..
يقاطعها وقد اشتد غضبه
- ولكن ماذا؟..أراه قد سحركِ بطلاوة لسانه، وسم كلماته المحلاة بشهد..ولكن ماذا؟..قولي أيتها المسحورة، أنت بلا شك مسحورة وعمية أيضا.
تتدفق دموعها سيولا
- كان يجب أن أتيقن بنفسي أنه مخادع.
البهو يضيق وتضيق أنفاسه، والضوء يتسلل خلسةً ، تاركًا خلفه ظلمة ليل استفاقت من سباتٍ طويل، وشجرة ينعت ثمارها.
يدنو منها يسبقه شبقٌ تتدافع أمواجه؛ تحيطها من الجهات الست والزمن الأعمى، فتغلفها كشرنقةٍ تتلمس ممزقًا لخيوطها
- اشتاقكِ..
البهو يتسع ويتسع ويتسع، يتهافت على جدرانه ضوءٌ ساطع كأنه الشمس، وفي زاوية قصية تبدو للعيان شجرة
- لم هجرتني وأنا أحبك كل هذا الحب؟
هل بدر مني في أي لحظة ما يسوءك؟!
أخبرني..أخبرني.
.........
حدث عايشته في السادس عشر من أغسطس للعام الثاني والعشرين من الألفية الرابعة، ولا زلت أذكره
محمد البنا.

قراءة في قصة السجينة للكاتبة/ رندا المهر بقلم/ مها السيد الخواجه





 قراءة في قصة السجينة للكاتبة/ رندا المهر

بقلم/ مها السيد الخواجه
..........
النص
السجينة
كالمعتاد في كل مرة أعود فيها إلى البيت، أرتقي المئة درجة، فلم تعتل أي درجة بكعب حذائي سوى قدمي طوال ثلاثين سنة.
وكم تمنيت أن يركبوا مصعدا كهربائيا، فلست أعلم ماذا حدث مع جاري الذي طرق بابي ليلا ، سألني حضور اجتماع من أجل المصعد؛ ولم أدر هل قدر أن يجتمع بأفراد البناية لأجل تركيب مصعد كهربائي، ولماذا لم يناديني، ولماذا يدعوني الآن ..تذكرت كم هو مؤثر على القلوب!؛ انفرجت أساريري ثم سرعان ما انقبض قلبي حين رأيت قطا يحدق كالعفريت وقف قبالتي يموء، خلعت نعلي وقذفته به، أدرت المفتاح في ثقب الباب بأطراف أصابعي بخفة، وولجت بسرعة تاركة الأشياء خارجا، أنظر من وراء القضبان إلى القط، فرأيته قد عاد يطقطق بأسنانه وبرقت عيناه كالشموع، وركض نحو الأكياس يلعق أحدها، جلبت عصا وأصبت ذيله بها، فولى هاربا.
وخرجت آخذ الأغراض قبل أن يعود، ثم حزنت لأمر القط، أما كان مني أن أدعوه ليتناول معي الغداء، خاصة أني عزباء لا أحد يسليني، لماذا بخلت عليه، فليس سوى طبق واحد أضعه على المائدة وأرفعه؟!
وسرت كالثملة أفك أزرار قميصي، أتأمل جسدي، وجهي عبر المرايا التي لا تقفل بابها ..وحدها التي تومض لي بما مر من عمري..
استلقيت على أول كنبة أمامي، أحدق في زاويا الغرف، أفتش أو أستقصي ما بقي من عمل لم أقم به؛ أرسلت بنظرات خاطفة إلى المطبخ، ثم تحسرت متسائلة : "ماذا لو جلبت خادمة" وبدأت أحسب مصاريفها، ثمن طعامها، ولباسها، ودوائها، وجلبها من بلدها، وإرسالها إليه في مناسباته الوطنية والدينية ...
فطرحت الفكرة أرضا حينما علمت أنها سوف تتلصص على خصوصياتي، وكم راودتني مشاريع بعيدة لن تحققها سوى تذكرة بيد زوج، من بين هذه المشاريع ليس أملا بالإنجاب إنما أملا بالسفر ولو لمرة واحدة، أن أصعد الطائرة وأبدو كأميرة تنظر إلى رعيتها من أعلى؛ لكن تضايقت وخفت على هذه الحرية المطلقة التي أتمتع بها،
مشطت خارطة جوجل، وفتحت أبواب السياحة والسفر..
- سيدي؛ يمكن لامرأة السفر وحدها؟
- لا، سيدتي
- ‏هل لديكم جروبات سياحية؟
- ‏أجل
- ‏هل يمكن الحجز عن طريق الهاتف؟
- ‏طبعا، هات رقمك ورقم جواز سفرك
أغلقت الهاتف،
ما أن هممت بترتيب ما أنوي أخذه ، حتى تماثلت صورة أهلي، آخر مرة زاروني كان قبيل أسابيع ...
جلبوا لي هدايا بمناسبة العيد، أظن لن يأتوا، وإن لم أرن عليهم لن يتصلوا...
- ‏ووخزني ضميري، حملت الهاتف لأعلمهم، لكن من وراء الكواليس أعلن أخي إعدامي ، وبعد ذلك أخرجت وسائل التواصل الخبر التالي ...
" سافرت امرأة في رحلة استجمام، ولم تعد..."
الكاتبة/ رندا المهر
........
القراءة
الجنسنة .. مشكلة المرأة في مجتمعاتنا الشرقية، نقلت لنا الكاتبة أزمة امرأة عاشت وحدها ربما بحكم عمل، من إشارة في القصة نعلم أنها قد تجاوزت سن الثلاثين عندما قالت (لم تعتل أي درجة بكعب حذائي سوى قدمي طوال ثلاثين سنة)، ربما تكون قد تأخر زواجها مما جعلها مطمع .. فنرى جارها يطرق باب بيتها ليلا ليدعوها لحضور اجتماع من أجل تركيب مصعد كهربائي، والذي لم تعلم عنه شيئا من قبل، ونعرف من بداية القصة وصعودها المئة درجة أنه لم يتم تركيبه! .. ونرى إشارة نظرات عيون القط التي أفزعتها .. فالقط حيوان أليف من أصل مفترس وذكره هنا جاء لغرض .. أنها عليها أن تنتبه حتى لو كانت تثق وتعلم مسبقا الشخص الذي يتقرب منها، ولو افترضت به حسن النية والسمعة الحسنة إلا أنها لا تعلم نواياه، المرأة هنا في القصة وفي ديالوج داخلي أفصحت لنا عن وحدتها وسجنها .. ليس السجن بمعناه الحقيقي ولكن هو سجن عادات وتقاليد عقيمة حبسها المجتمع داخلها .. هي تشعر بالوحدة وتتمنى أن تجد مؤنسا لها فمن حوارها لنفسها نجدها تنتظر الزوج الذي يعوضها .. وفي ملمح آخر نجدها تمني نفسها بخادمة وتعدد مزايا وجودها وما ستنفقه في سبيل ذلك، إلا أنها وفي إشارة رائعة تتراجع لسبب مهم وهو أن هذه الخادمة ستحد من حريتها وتكون عين عليها، حتى عندما أرادت السفر للترفيه عن نفسها قيل لها لا سفر لامرأة وحدها .. ونجد في بعض المجتمعات أن هناك بعض القيود قد وضعت على تصرفات النساء فالبعض يرفض ويحرم سفرها أو سكنها بمفردها .. وهنا في قصتنا نجد أنها تعلم مدى تحكم أسرتها في حياتها، فقررت من تلقاء نفسها أن تعلمهم بعزمها على السفر، فكان الرد أن أخيها سيقتلها إن فعلت، وربما يكون أخاها هذا أصغر منها ولكن هو المجتمع الذكوري بتقاليده .. وضعت لنا الكاتبة نهاية مفتوحة، في خبر عن امرأة سافرت في رحلة استجمام ولم تعد، لتضعنا أمام تساؤل: أهي تحررت من القيود؟!، أم قتلت بيد أخيها؟.
مها السيد الخواجه/ دمياط/ ١٦أغسطس ٢٠٢٢

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة