القراءة النقدية لمجموعتي القصصية ( شمس تشرين ) بقلم الاديبة والناقدة د. نور الزهراء
اقتناص رائع من الناقدة وهذا يحسب لها اذ اختارت المرأة وسلطت الضوء على دورها ..
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
المرأة قطبيتها وركيزتها
عندما توأد الشمس
هل سمعتم يوما أن الشمس توأد؟ نعم. ! لقد وأدت بلا ذنب لكن لماذا؟ لقصر عمرها ؟ لدفئها ونحن أمة لا تحب الدفء والاستقرار؟ لأن تشرين العراق عمره قصير ونريد الزيادة؟ أو قل تحكموا بمصائر الناس واستحكموا بها فبكت شمسهم فوأدوها أمام أعين المجرة الكونية، أم أن هناك صرخة مدوية خلف شمس تشرين التي انمازت بالدفء وقصر نهارها، لمَ تشرين؟ لأنه أرتبط بالتراث والحياة الشعبية، هذا مارسمه الأديب مهدي الجابري في مجموعته القصصية ( شمس تشرين) مجموعة تقع في ( عشرين) قصة تفاوتت بين الطول والقصر ورصدت الواقع بحرفية وحنكة كاتب متمرس؛ إذ إن كل كاتب ينطلق من عالمه ومحيطه المجتمعي ويعايش ويتأثر فيه بكل الارهاصات المتراكمة وقد شكلت مصير مجتمع بأكمله، إذ نقلت لنا المجموعة القصصية الحوار الاجتماعي بين الأطراف متراوحا بين ( الحوار الافتراضي والحوار الواقعي).
أظهرت الأحداث المتتالية بصورة متسعة تراها كل عين مهما بعدت او قربت بمدار واحد ، ونرصد ذلك الحوار بنوعيه في قصة ( شمس تشرين) ص٢٠ إذ مثلت مكونين اجتماعيين أساسيين يعيشان متوازيان لا ينفك أحدهما عن الآخر هما ( الثورة والتمرد _ الاستقرار والسكون) حرك مسار الأحداث فيها شخصية ( سعاد) التي وازنت بينهما ليأتي دور الحواران ( الافتراضي والحقيقي) يحددان ملامح البطلة ( سعاد) ، فهي لم تكن فتاة أحلام البطل ليراها القارئ الحبيبة التي لم تكتمل دائرة عشقها مع فتاها ليعيش البطل صدمة ومرارة فقدها بقدر ماكانت حلقة جمع التنافر والشتات _ فالحوار الافتراضي رسمه شباب تشرين الثائر بقولهم سيّروا الحياة وتماشوا معها نحن صوتكم الصادح والباب المؤصدة دون الجور بكم _ يقابله الحوار الحقيقي بين البطل والبطلة والحديث عن اللوحات والأدب واللقاء المحفوف بشوق أنهما يمثلان حياة أشخاص مستقرين تعايشوا مع الإرهاصات واسلموا لها، لتشرأب ( سعاد)
للجمع بينهما ، فادخال شباب تشرين للمعرض وقتلها ماهي إلاّ لتصهر الثورة والاستقرار في بوتقة واحدة اسمها ( سعاد) وهذا ما لم يستطع تحمله صاحب التكسي في ( تلويح) ص٥ حينما نقل طبقات مجتمعية متفاوته ( المرأة التي يرافقها صبي) فهي تعمل ( لتعيش برفاهية لا تؤذي أحدا، وبنفس الوقت ندخر أموالا ومجوهرات للزمن الخؤون) تلويح ص٧ مثلت المرأة هنا الخوف والرعب من المستقبل متخذة من إرهاصات مجتمعها ( الخؤون) عذرا وسببا لسيرها بصمت وجنب الجدار لتحافظ على الاستقرار والاتزان الداخلي والخارجي لحياتها، بعكس ( أم حامد) انتفضت حين شدّت (قبضتها على السنابل) الظليمة ص٢٩ فهي لم تفهم وتساير التطور المزعوم حين جفت الاهوار وشابت السنابل الشقراء؛ فحياتها زُرعت بين ( السنابل والهور) فالتطور المزعوم كان دافعا لحملها السلاح حين سقط زوجها لتكمل مسيرة الحمية والدفاع جنبا إلى جنب ( حملت سلاحه، شدت حزامها، قاتلت قتال الابطال) ص٣١ جسدت ( ام حامد) الثورة في مجتمعها بصرخة مدوية ، من حنجرة أبية، لم ترضخ للظلم ونادت بصوت عالٍ ( ياللظليمة) وكان الجشع والطمع هما من سيّرا ابن عم ( عكيلي) في ( الأحدب) ص٣٣ وجه نظراته كلها صوب الأنا والانانية ونقل الكاتب بحرفية ذلك المرض المستشري بين بعض أبناء المجتمع كاخطبوط يمد أياديه لكن ليس للمقابل بل يخنقون أنفسهم من شدة الطمع، فالأموال حكّرت بأيادي قله لتصيبنا ( لعنة النفط) ص٥٤ لتضع البلاد في قمة الرفاهية وابناؤه يعتاشون أنفسهم ؛ لأن ( سيد الغابة يصول ويجول، يصرخ بصوته الجهوري، لا أحد ينافسه في الغابة هو سيدها) صيحة ندم ص٥٨ سياسته التي ساس بها البلاد هي تكميم الأفواه ، وتسليط الهمج الرعاع معدمي الضمير على مقدرات البلد ليسومها سوء العذاب (( عقد الأسد اجتماع ولى الحمار الغابة ومن فيها _ بعد إن قال له :_ سأوليك الغابة ومن فيها كوني متعب) ص٥٩ يهدر الرعاع الهمج ويعبثون بمقدرات البلاد، وساسته غارقة في الملذات غير مكترثة ولا آهبة لما يحل بالفقراء مادامت ملذاتهم في مأمن (( والأسد مستمر بشرب النبيذ وغير مبالي بما يحدث)) ص٦٠ فأصبح البلد نهبا للاغراب والطامعين وأصحاب المصالح والمتسليين لواذا من أجل مصالحهم فقد أبناء الوطن الانتماء له والشعور به، ليكون مصير كل من يطالب بحقه يقتل وما من مطالب بدمه سوى دموع أمه الداعية للسماء بقلب مكسور وكلمات غاضبة بعد إن حفرت الدموع اخاديد على وجهها ( اغرورقت عيناها من الدمع وهي تلوح بيدها مطالبة باكية على فقد وليدها الذي طالته يد الغدر بعد المطالبة بحقه المشروع)) يمه علي ص٦٥ وهو مصير كل شاب ثائر في بلد وليَّ الحمار ليسوسه.
هكذا قسم الكاتب قصصه القصيرة مجتمعيامبرّزا دور المرأة فيها، نظرة انعام في المجموعة القصصية يجد المرأة هي الأساس الركيزة والمرتكز في حكاياه، كأن الكاتب يصرخ بصوت عالٍ سابق صوت ( أم حامد) وصرخة اليتيم حينما رأى شال أمه الأخضر : انظروا ماحلّ بوطني املاقها المدقع هز عرش الطمأنينة والسلام فاخرج النساء من صومعتها تنادي بصوتها الحر تارة، وما صيّرها الزمن للهو تارة أخرى، لينهي مسرحية الصراح المجتمعي ب ( شال أمي الأخضر) رمز التربية والعز والشموخ والإباء فهي التي تلد الأحرار.
صور لنا مثلث الحياة المجتمعية بكل جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية بصرخات محددة :
١/ الثورة وعدم الرضوخ
٢/ الصراع مع ارهاصات السياسة
٣/ الانحطاط المجتمعي
٤/ سياسة تكميم الأفواه
٦/ تجسيد وتبريز دور المرأة واقفا بصلابة ضد الجندرية المحيطة بنساء مجتمعه ليقول جهارا : دفعت النساء ثمنا أغلى مما دفعنا، دفعت شرفا، وابنا، وزوجا، وحياة. واكبت كل الأحداث مدافعة تارة وتحث تارة آخرى على الوقوف والصمود، لا تهمشوها وسط ضجيج الذكورية المسلطة على رقاب الأعراف والتقاليد.
٧/ تمثل الحوار من خلال شخصيات القص ( بانطلاق مايتمناه أن يتحقق فيُشَخصن عن طريق أفعاله وتصرفاته رافعا صوته وآهاته ينادي بالحرية والتحرر منالقيود المفروضة من تكميم الأفواه من ناحية والمجتمعية أخرى حيث سار إلى جنب الحوار الواقعي الحقيقي ليشكلا طريقين متوازيين باتجاه واحد وجسدت المرأة فيه المنعطف الأساسي لذلك المسير.
وبهذا نجد الكاتب يقف بإيجابية تجاه الأدب النسوي من خلال إبراز وتفعيل دورها.
واخيرا نراه كيف اماط اللثام عن عنونة المجموعة بشمس تشرين؛ لأننا فقدنا دفء الحياة وبقي لنا قصر أيامها نسيّر به قوتنا.
بورك ابداعك استاذ مهدي الجابري سلمت الأنامل
نور الزهراء الهدوء والسكينه / العراق / ١٨ / ٨ / ٢٠٢٢





