Translate

الثلاثاء، 14 فبراير 2023

ليلة بيضاء قصة قصيرة بقلم الكاتب المبدع / عبدالكريم جماعي تونس

 قصة قصيرة

بقلم الكاتب المبدع / عبدالكريم جماعي
تونس
- ليلة بيضاء -
(لم يكن في الأمر سوء نية..أو حيلة شيطانية.. فما وقع في تلك الليلة..كان مفاجئا..أتت به فكرة جهنمية بريئة..وليدة اللحظة الصبيانية..بلا سابق إضمار..أو نيّة مبيّتة..لكنها كانت حركة من حركات الطيش..عفوية مثل حياتنا في تلك السن.. لم تخطر على بال أحد..وبلا أدنى تفكير في عواقبها التي ربما تكون وخيمة..مثل أغلب أفعالنا في تلك الطفولة البعيدة..حين كنا نحن الأطفال نتنافس في افتعال المقالب بروح ناصعة بريئة..لم تدنسها بعد دسائس الكبار و شرورهم..!
كنا نقضي أغلب أوقات السمر الصيفية -ونحن فتية- في ريفنا البسيط..بالقرب من ذلك الدكان الوحيد الذي يغلق أبوابه عند المغيب..فنلتقي كل ليلة للسهر على ضوء القمر..نتجاذب أطراف الحديث حينا أو نطبخ الشاي و نلعب الورق أحيانا أخرى..وكثيرا ما تحصل المشاحنات بيننا..لكنها لم تصل أبدا إلى الخصام أو الجفاء..بل كانت تنتهي بالصلح السريع..وحتى من يغادر منا مغتاظا أو حزينا..يعود في الليلة القادمة في نفس الميعاد..أو نبعث من يأتي به من بيته..مرغما أو راضيا..!
وفي إحدى الليالي..تخلف ثلاثة شبان..عن الحضور في الموعد المحدد بعد صلاة العشاء..كلفوني بالذهاب إلى منازلهم حتى يلتحقوا بمجلسنا كالمعتاد..و في الطريق حدث ما حدث..!
و إلى حد هذه اللحظة.. حتى بعد مرور سنوات طوال على تلك الحادثة..مازالت تصيبني قشعريرة..يسيل معها العرق البارد..كلما تذكرتها..أو جالت بخاطري..!
كنت وقتها في مستهل مرحلة الشباب الغر..أبلغ من العمر حوالي ستة عشر..مندفعا..في كل شيء..راغبا في سبر أغوار الحياة..بكل ما تحتويه من أخطار و تقلبات..!
تركت شلة الأنس تنتظر الغائبين عن مجلس السهرة..سرت باتجاه منازلهم..كان القمر بدرا..ونسائم الصيف تلطف الأجواء..اخترت طريقا مختصرا لربح الوقت..السكون يلف المكان لا يسمع فيه سوى نباح كلاب متقطع..حثثت الخطى في مسار ملتوٍ..يمر قرب المقبرة..لمحت من بعيد خيال ثلاثة أشخاص يسيرون الهوينى..قادمين نحوي..وقفت في مكاني بمحاذاة القبور لأتأكد منهم..صار صوتهم واضحا عندما اقتربوا..عرفت أنهم هم الذين كنت ذاهبا لأستحثهم على القدوم..وفجأة لمعت في ذهني حيلة طريفة..لإخافتهم..نظرت حولي بسرعة..وشرعت في تنفيذ ما خططت له..كنت أرتدي قميصا طويلا أبيض( هركة) كالذي يتم جلبه من بلاد الحج..رأيت أنه مناسب جدا فهو تقريبا يشبه الكفن..لم أتردد..فكل شيء جاهز..ثوب أبيض و قبور و قمر بازغ..وفي هذا الليل...ستكون مفاجأة مضحكة ومدوّية..اخترت لحدًا مطليا بالدهن الابيض قريبا من مكان عبورهم للمكان..استلقيت على ظهري بكل ثقة..فوق القبر..بقيت في وضع ثابت بلا حراك..كنت أقاوم الضحكات التي في داخلي..وأنتظر القادمين..حتى وصلوا..كانوا منهمكين في حديثهم..لم يروني..عندما شعرت أنّ خطواتهم أصبحت بقربي..نهضت واقفا..لم أنبس بأي كلمة..لم أصدر أي صوت..فقط..قمت بالوقوف بسرعة..وأنا أغالب القهقهة..التي تكاد تنفجر..في كل لحظة..و من هول المفاجأة..أطلقوا سيقانهم للريح..هرب كل منهم في الإتجاه الذي رآه مناسبا..للنجاة من شبح الميت الذي خرج لهم من القبور..!!)
قد تكون صورة ‏شخص واحد‏

البحث عن الموت للكاتب المبدع / النعمة محمد مولود جنوب المغرب

 البحث عن الموت 

للكاتب المبدع / النعمة محمد مولود
جنوب المغرب
في بقعة عرفت منذ الأزل ، عرفت كأحد اهم الطرق التجارية ، يعج اليها التجار من كل فج عميق ، ولد مع الفقر والتهميش و قلة ذات اليد ،كابد الاب الويلات من اجل تحصيله العلمي ليرتقى الى اعلى الرتب ، سافر عبر الزمن رحل وارتحل بين الجامعات ليصل الحلم الذي رسمه ابوه و كد وكافح من اجله ، نجح رتب شواهد السنوات على رف عالي بعيدا عن الايادي ، كومة من الغبار تراكمت عليها ، تعب من الجلوس بمقهى الحي ولم يعد يلبي طلباته لكثرة الديون المتراكمة عليه ، باعت الام إرثها وماتبقى من رائحة امها لتمده به ، نقاش الخلان دائما يحوم حول هجرة بلدته البئيسة لون جدرانها الداكن جعل عقولهم تكره النظر اليها نهارا ، مما جعلهم يغيروون نمط عيشهم النوم طول النهار و الجلوس على صخرة المجد كما يحلو لهم تسميتها على قارعة الزقاق المظلم طول الليل ليتسامرو بينهم مع حلول فصل الصيف من كل سنة يحل احد قدماء المكان بسيارته التي تكون موضوع ليالي من السهر ، كبر الحلم عنده بعد ان وفر المبلغ المحدد ، هجرو المكان لأيام صخب الزقاق الليلي قل وضجيجهم الذي ارهق السكان زال، وصلوا الى شاطئ قريب منهم ركبوا عباب البحر لتتلاطم امواجه العالية ، تكسرت اظلافه المبللة ، صمت الزقاق وصدمة الأمهات تخطت كل الحدود ،انتشلوا الجثث بعد ان لفظهم البحر على مجموعات ،حتى السمك لم يكن يجرأ على مساس لحهم بعد ان تبين له انهم مسحوقيين كانوا يحلمون بالفرار الى الفردوس المفقود ، كانوا يحرصون سياراتنا مجانا قال رجل من المدينة ، سواد ليل امهاتهم لايعرفه المسؤول القاطن بالجنب من بعضهم ،لانه مشغول بعد ارباحه التي لم يتعب من أجلها، الموت أهون من العيشة النكد في بلاد العجب .........
النعمة محمد مولود
جنوب المغرب
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏

رأس لا ترسو على مرفأ للكاتب المبدع / أبوالقاسم محمود المغرب_الزاك

 رأس لا ترسو على مرفأ

للكاتب المبدع / أبوالقاسم محمود

المغرب_الزاك

يرابط منذ سنين في المقهى نفسه، يتبوأ مقعده في الجزء المقابل لصالون التجميل سارحا في أشكال زوار المحل، كلما خرجت إحداهن ٱستشاط غضبا من مظهرها وهو يصرخ : من غشنا فليس منا..
يزداد دهشة بعد كل لحظة كلما ٱلتقت عيناه بمنظر فاتك بالعيون كان قد بدى له عاديا قبل لحظات..
تعود من النادل أن يأتيه بمشروبه دون طلب ، فهو يعرف ما يريد دوما ، إبريق شاي ،
بدعوى التجمعات قرر صاحب المقهى القطع مع هذا المشروب ،
ٱقنعه أخيرا ليستجيب لطلب إفراغ محتوى الإبريق في كأس زجاجي كبير ..
أي ربح سيوفره إبريق يجتمع على كؤوسه خمسة أشخاص؟! كيف يحلو لهم التناوب بأفواههم على عنق قارورة ماء ؟! يتساءل مالك المقهى،
من خلف نظارته يتابع المشهد، نساء من كل الأعمار يبتلعهن المحل بالجملة، عجائز حل بهن التصابي، صغيرات ينطلقن نحو الحياة يتلمسن نضجا قبل الأوان، سراويلهن المثقوبة كنوافذ مترعة سهلت تسلل الريح لأجسادهن الغضة، خصلات شعر مصبوغة بألوان قوس قزح ، نسوة كفئران تجارب تختبر فيهن كل أنواع المراهم الرديئة..
تقول لي تزوج! قالها وهو يكلم صديقا ٱلتحق بطاولته، وأردف: تختار حمامة لتجد نفسك في اليوم الموالي تقتسم سريرا مع بومة ، أي مسخ هذا ؟! إنه عصر الخداع..
- بعد أن يستل نفسا عميقا، يرد : مبرراتك غير مقنعة ، زواجك المتأخر مهما اجتهدت في تبريره ومهما قدمت من أعذار لشرعنته لن تقنعني بطرحك ، ثم إن الجمال غير مرتبط بالمظهر فحسب ..
- ما يبنى على الغش لا يستقيم ، ستسقط الأقنعة كأحجار الضومينو على عجل فتدرك بعد فوات الأوان حجم الخديعة والمؤامرة،لم يبق شيء صادق في هذه الدنيا سوى المطر ، لأنه يأتي من السماء ، وحده يزيل الغبش والضباب عن وجوه النساء والأرض..
على مقربة من الرصيف المحاذي لطاولته رسمت طريقها ، آخذة بزمام كرسي متحرك تدفعه بكلتا يديها ، يبدو من ملامح الرجل أنه والدها البصير ، بدأ قلبه بالإبتعاد عن ضلوعه مع كل دورة تنفذها عجلات الكرسي المدفوع ، ليست ككل النساء ، بدت في عينيه ٱستثناءا قلب كل ٱنطباعاته ، هل هو الحب ؟
قدها الممشوق المستتر خلف الجلباب الأسود ، شعرها الطويل المقبوض إلى الخلف ، تبددت في لحظة بشاعة النساء في عينيه ، حولهن العشق من شيطان لحمل وديع، قسمات وجهها الرحب المبتسم كوطن بديل ، لطالما أغرته قوارب الموت بالرحيل نحو حياة أفضل ما وراء البحار! هاهو يعثر على ملاذ آمن دون عناء، الحياة رزقان واحد تأتيه وآخر يأتيك كنيزك يسقط قربك بغتة دون مقدمات..
نسي النادل وضع السكر في كأسه المنعنع ، لم يتفطن للأمر ، كان يحتسي الشاي ممزوجا بحلاوة اللحظة ، ليست قطع السكر دائما منبعا للحلاوة فٱستشعار الحب أحلى وأعذب،
شد من أزر أقدام أصابتها الصبابة بالوهن ، كانت شمسه على وشك المغيب ، قسمت عيناه الأدوار بين محل التجميل وسائقة الكرسي، بدأت السماء تمطر ، مساحيق الوجوه آخدة في التشوه، ٱشتبك الكحل والحمرة بالشفاه القرمزية فٱختلطت الملامح تحت السحاب ، سابق الخطى يتبع قلبه وهو هارب من حفلة تنكرية يردد : يا لعظمة السماء،
خلف الجلباب الأسود باشر مشروعا طاله التأجيل ، وبعزيمة متقدة مسح الغبار الذي جثم على لسانه ، فيما تدثرت ذات الضفائر بغطاء الصمت الناطق..
سألها : أتقبلينني زوجا ؟!
بين جبينها قرأ القبول ، شد على مقود الكرسي ، غير الإتجاه نحو الخياط ، طلب فستان زفاف وقمصانا صغيرة تناسب سلالته المستقبلية ، أشترطها كاملة لا ثقوب بها آملا في غد لا تتسلل من نوافذه رياح التعري.
-أبوالقاسم محمود/المغرب_الزاك
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، و‏‏وقوف‏، و‏شجرة‏‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏

يوم ليس كباقي الأيام للكاتبة المبدعة / مريم الراشدي المملكة المغربية

 يوم ليس كباقي الأيام

للكاتبة المبدعة / مريم الراشدي
المملكة المغربية
مطر غزير وغيم كثيف وأفق رمادي داكن وبرد قارس يكتوي به كل من يلوذ بإحدى خيمات المخيمات والتي لا تتوفر على أدنى ملحقة تقيها تقلبات الطقس بين الفصول الأربعة ولا عوازل لا أرضية ولا مطرية. بين كل ذلك، تمشي عبير وصديقتها رشا قبل المغيب بحوالي نصف ساعة والأيدي والأرجل ترتجف من شدة البرد، تبحثان عما سقط من الحطب الذي جاء به والديهما من الغابة المجاورة بعد الزوال. فجأة، رجّت الأرض من تحتهما، تزحلقتا، تدحرجتا وصارتا تريان أطفال مخيم اللاجئين وبعض أهلهم فوق رأسيهما وهما تصرخان وتستنجدان :
عبير : "إمّي ساعديني، دخليلك أمي، انا هوووون، آاااااه"
رشا، وصراخها يتداخل وما تقول عبير : عبيييييير، إلحقينيييي عبيييير، أنا علقانة ف هاي البركة، ثيابي مبَللين ".
تسرع إليهما أمهات أخريات يحاولن إنقاذهما فإذا بهن والجميع صار يجري في كل اتجاه وصار الصراخ يتصاعد من داخل الخيمات ومن خارجها. صغارا وشيبا وشبابا، كلّهم يركضون في اتجاه الغابة. التقطت عبير ورشا نفسيهما مما وقعتا فيه وصارتا تبحثان عن أهليهما وتناديان بعلو صوتيهما.
عبير : رشا، شو للي حاصل، كأن الأرض بتهتز ولّا أنا غلطانة ؟! يا رب شو ها اليوم ؟!
رشا : ايه والله عبير، أنا خايفة، شو نعمل ؟!
إحدى الأمهات تحثهما على الجري في اتجاه الغابة بصوت عال : اركضوا، اركضوا، الثلج راح يعملهاااااا. اركضوا ركْضْ !!! ع الغابة ! ع الغابة ! يلّا يلّا !!
أمسكت الصغيرتان يدا بيد وصارتا تسابقان الريح، ضاعت إحدى فردتي رشا في كومة ثلج غير صلب. ومع ذلك، أكملت عدوها مع عبير. توقفتا للحظة. قلباهما الصغيران لا يتحملان كل هذا. تنتبهان، الجميع يجري. وما إن استدارتا حتى رأتا أن ثلج الجهة الجبلية العليا عن يمين المخيم يتساقط .. انهيار ثلجي. افترقت أيديهما لتنطلقا كالسهم رغم كل المعيقات وكانت رشا أسرع، تسابق روحُها جسدَها، لم تعد تسمع مما يجري حولها إلا نبضات قلبها وصدى في جوفها : اركضي رشا، لا تموتي، اركضييي !اركضييي !!
غابت الشمس ولا صوت لعبير في محيطها، توقفت، استدارت يمنة ويسرة : عبييييييير !!! وينك عبيييير ؟! استدارت وراءها ويا لَلهول : الانهياور الثلجي أتى على نصف المخيم. بياض السفح يعانق بياض القمة. بكاء وصراخ ونحيب، محاولات إنقاذ بائسة ودمع منهمر من عينيها. ولا عبير !!
- رشا، رشا، قومي حبيبتي، . شو هاد ؟! ليش بتبكي يا عمري ؟!
- العاصفة الثلجية كملت بانهيار يا ماما، (ونوبة بكاء خانقة) .
- ربنا يلطف حبيبتي، في الفضائيات كلها قالوا إن الوضع مستقر والأرصاد الجوية بتتوقّع أن الأسبوع المقبل، الحرارة حترتفع شوي. ربنا يعين اللاجئين، يا رب.
- يا رب ماما، يا رب. والله عشت يوم بمنامي غير كل الأيام !!
مريم الراشدي
المملكة المغربية
قد تكون صورة ‏شخص واحد‏

الشهادة بقلم الكاتبة المبدعة / نعيمة مفيد المغرب

 الشهادة

بقلم الكاتبة المبدعة / نعيمة مفيد
المغرب
لا أزال أذكر ذلك المساء الصيفي، عندما حصلت على شهادة الماجستير،كانت فرحتي عارمة لا تضاهيها فرحة،اعتقدت أنني سأعبر وأسرتي مستنقع الفقر،وأعالج والدي الذي كان منغمسا في فراش المرض لشهور،وأغادر سراديب هذه الفئة المسحوقة التي أتشرف بأن أكون منها، أردت أن أجتاز نظرات الشفقة التي تلاحقني من المعارف والمقربين، لا أريد أن أرى نظرة العطف في أعين الجيران والأصدقاء، لأن لي إرث من كبرياء، قد بعثت من رحم القيم، أكدح ولا أتسول ولوكان بي شلل والأمل في روحي كل يوم يتجدد.
اجتزت الزقاق بسرعة، دققت الباب، فتحت والدتي التي زغردت من الفرحة، فقفز والدي كعاصفة من صدر الغرفة وهو الذي لم يبرحها منذ مدة طويلة، قال بصوت ملؤه الفرحة وابتسامة عريضة تدثر وجهه: عرفت أنك حصلت على الشهادة قبل أن تتكلم، عرفت من خلال عينيك المضيئتين والمتوهجتين كالمنارة، والذي من زمان لم أر فيهما هذه السعادة . أول مرة وبعد سنوات من المرض أرى والدي يضحك كالطفل، أما والدتي فقد دعت كل جاراتها لتريهم الشهادة وتحتفل بها، أنفقت كل معاش والدي على هذه الحفلة مرددة باسم الله ماشاء الله ابني نال الشهادة الكبرى.
اعتقدت أن هذه الشهادة ستحلق بي بعيدا عن الفقر والحاجة في فضاء تملأه الورود، لكني وجدت أشواكا وعراقيل، وجدت أن الشغل صعب المنال، وأبواب الوظائف موصدة، صار حلمي إلى محرقة الضياع، أصبح نسيم فجري جافا،تحولت أحلامي إلى أضغات، عبست الأيام في وجهي ولاح على محياها الحزن، فدخلت في صراع مع البطالة التي تؤثر على الكرامة، ومع أسرتي التي تشكو أحيانا وتعاتب أخرى. انضممت إلى فئة المعطلين، فئة الأغنياء في عقولهم والفقراء في جيوبهم، ركبنا نفس المركب الذي كان يؤدي بنا أحيانا إلى نيل حظ وافر من الضرب والشتم والقمع أن نحن نظمنا وقفة احتجاجية للفت الانتباه والمطالبة بحقنا في الشغل.
كنا نجلس كل مساء بمقهى الحي نكتتب لجمع ثمن براد أتاي نتحلق حوله، وكل واحد منا ينفس عن الحرب المشتعلة داخله التي تضغط على أعصابه بكل قوة منتظرا أن تضع أوزاها بعد أن يجد عملا ليتصالح مع ذاته.
عندما تبدأ طلائع الظلام تزحف على ما تبقى من ضوء النهار أعود إلى البيت الذي يلفه الصمت إلا من أنين أبي المتقطع الذي يصدره بين الفينة والأخرى أو من همهماته بالدعاء والابتهال إلى الله عساه يخفف عنه وطأة المرض وضيق الحال. أجلس بغرفتي حيث أجد سلوتي في خزانتي، أسافر في متون الكتب وثمارها، أغازل هذا وأحاور ذاك وأراقص الآخر يحملونني على جناح المتعة فأنسى زماني ومكاني، حين يهجم علي النوم وينتصر أضع رأسي على علبتي السوداء، أتقاسم معها أحداث يومي وكل أفراحي وأحزاني ، أبللها بدموعي، وسادتي التي شاركتي حياتي التي تنقصها الحياة.
أصبحت الأصباح والأماسي سيان، ولكن لابد من مصاحبة الرجاء، في كل صباح كنت أتأبط شهادتي، وأبدأ رحلة التسكع بحثا عن عمل، لأعود مساء خاوي الوفاض كمن يمسك بزبد البحر فيصير رغاء في كفه وإن أصر على إمساكه تقاطر من بين أصابعه، ولكنني سأتشبث بالأمل حالما..ناظرا.. إلى الأفق البعيد لعلها تطالعني إشراقة من وراء التخوم. أخبرني صديقي بأن وزارة التربية الوطنية أعلنت عن تنظيم مباراة لتوظيف الأساتذة، سعدت كثيرا بهذا الخبر وقلت: هذه المرة ابتسم لي الحظ ابتسامة عريضة عازفا لحن الحياة فهذه الوظيفة ستنتشلني من البطالة رغم أن دراستي كانت بعيدة عن مجال التدريس، أعرف أن من الصعب أن يزاول الإنسان مهنة بعيدة عن اختصاصه كأن يصبح الأستاذ طبيبا والحداد نجارا ،كمن يعيش مع زوجة لا يحبها ولإعتبارات لا يمكن تركها، لا قيدا ولا حبالا تربطهما ومع ذلك لا يتركها، هذا ما سأفعل بالضبط، سأتشبت بالفرصة فإن ضيعتها قد لا تأتي مرة أخرى، أو سيطول انتظارها. سأرضى بهذا النصيب وأركب قطار التحدي لعله يوصلني إلى مبتغاي، لأن التحدي عندي من الشيم.
غادرت البيت متوجها إلى مركز تكوين الأساتذة، وقفت في الصف و قلبي يخفق من الفرحة، حين وصل دوري قدمت ملف الترشيح للموظف، تفحصه كطبيب يتفحص جثة فارقتها الروح وقال: ملفك مرفوض.
قلت: ولماذا سيدي؟
قال: لقد تجاوزت الثلاثين عاما وهو الحد الأدنى لقبول الترشيحات.
قلت: أبلغ من العمر ثلاثين سنة سيدي.
قال: لا ، لقد تجاوزتها بخمسة أشهر.
لفت بي الدنيا لفات عديدة، وارتجفت من هول الصدمة حتى كدت أقع على الأرض، تمالكت نفسي وبلعت ريقي الذي كان يخنقني وقلت شكرا وخرجت. قرار تعسفي عصف بكل أحلامي في لحظة وصوب لي طعنة قاتلة للأمل الذي عقدته على هذه الوظيفة. عدت إلى البيت محطما أجر أذيال الخيبة، لأبدأ رحلة البحث عن عمل من جديد.
بقلم نعيمة مفيد
المغرب
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏نظارة‏‏

زلزلة للكاتب المبدع د/ نبراس سالم

 

زلزلة
د. نبراس سالم.
قصة قصيرة.
ما أغربها من عادة، هز الأقدام عندها بصورة منتظمة ومستمرة، يميناً ويساراً بترتيب مستفز، في صحوها وحتى في المنام، تعودتُ عليها، ليس بعد عقدين من زواجنا، بل في الليلة الأولى لشهر العسل، حيث أيقظتني حركاتها، فزعاً، لأبحث تحتَ البطانية، عن الفأر الذي دخل بيننا، اِلْعَنْ الفنادق ومن يتزوج.
استيقظتْ على وقع خربشات يديَّ لقدميها، فرحة تظنه، محاولة لشيء ٱخر.
- هناك شيء يتحرك، لا أعلم قد يكون حيوانٌ صغير.
ضحكتْ ساعتها كثيراً، واعتذرتْ.
•••
كفى، ما بالكِ اليوم، ما أصابكِ أهي نوبة صرع أم ماذا؟
اِنْهَضِْ ماذا دهاكِ، يا الله، ليست البطانية فقط، بل السرير كله يهتز، ومروحة السقف تتراقص هي الأخرى!. حتى لوحات الحائط بدأت الأخرى تتساقط، سبحان الله.
أصوات عالية في الخارج، تَكسّرُ زجاج وسقوط حاجات، وصراخ في الشارع، أصوات عالية أسمعها تتبادل الأدوار مع أنين وآهات.
- أنه زلزال، يا الله ، زلزال.
أستفيقوا، يا امرأة، أيقظي الأطفال، ولنهرب بأنفسنا، لننزل السلالم، احذري استخدام المصاعد.
يا له من صمت رهيب، رقاد أهل الكهف، أسمع كل ما يجري خارج الشقة، ولا أسمعكم، ما بالهم، أين زوجتي وأطفالي؟، مكانهم فارغ؟، ليسوا هنا؟!، نزلوا خارج البناية؟! أتركوني في الشقة نائم وحدي؟!، أُصارع الموت!، سبحان الله، كلٌّ يقول يا روحي.
لكنني أعذرهم، فالحياة عزيزة، والموت مخيف.

•••
ما ذلك الذي رَقَد أمام الباب؟ الضباب كثيف، أثر تساقط السقوف الثانوية، تتهاوى الواحدة تلو الاخرى، وتراب السنين تطاير من جحوره، الغرفة مُدلّهمةَ، الأنوار منطفئة، يبدو أن التيار الكهربائي قد أنقطع.
•••
ضخمة، ما أكُبر رأسها، وما أطوله من ذنب، أحلم هو؟، نعم حلم، وسأفيق، آخ، صفعة وقرصة أشعر بٱلمهن، بل ما أراه حقيقة.
قد تكون قد بلعتْ زوجتي وأبنائي، كلا كلا، يا لسخافة تفكيري، هي أصغر من أصغر أبنائي، ما العمل؟
أفعى أم ماذا؟، في الشقة؟، من أين أتت؟، ولماذا لا تتحرك، متسّمرة في الباب.
الدنيا ما تزال تهتز، جدران البناية يتشقق، سأموت حتماً، إما لتساقط حيطان الغرفة عليّ، أو أنياب من في الباب ستفتك بي، قد تكون غير مميتة، كلا، أرى السم يتقاطر من أنيابها بوضوح، سأرمي البطانية هذه، وأضرب أي مكان تبدر منه حركة.
- لن ينفعك هذا.
- أعوذ الله، من هذا، من المتكلم؟
- لا تبحث، انظر أمامك. هل انتَ مستعد للزلزال؟.
- كيف علمتَ ما نويته في قلبي؟ أستعد؟ نعم لقد تهيّأت لمصائب الدنيا، سكنتُ في أغلى العمارات، الحراسة مدار الساعة، كاميرات المراقبة على إتصال مباشر بدوائر الأمن كافة، اساس العمارة مبني لمقاومة الزلازل، كل الخدمات متوفرة، دفعتُ كل ما أملك، بدلاً لهكذا مسكن.
ويحي أتكلم مع من؟، الزلزال قد جنني رسمياً.
- لا تستغرب، إنْ سمعت صوتي، وفقهت كلامي، لا تعتقد بإنه مس من الجنون، كل من حولك تركك، ولم يبق معك غيري، كان جلّ اهتمامك الدنيا، وهي الأن تهتز، تتنصل منك، تَبعدُ عنها، من كان يتعلق بها، تبتلع الجميع بداخلها.
- لم أشعر بحركتك، ولم أسمع لكِ صوت، فأعذريني. ارجوكِ دعيني أعبرك لأخرج، أفتح باب الشقة وأهرب، الوقت يداهمني، شقوق الجدار تزداد، والنار شّبتْ في الشقة، ستكون أخر مرة، لن أهملك بعدها، سأطعمك، سأعطيك كل اموالي وما أملك.
- وهل لمثلي تعطى النقود، اموالك وكل ما تملك ستصبح بحوزتي، لا تستعجل، وانا زاهد عنها، ولا تهمني.
وأن تركتك أين ستفر، وممن تفر؟
- سأكون خادما لك، أعطني فرصة، أمنحنى فرصة أخرى.
- خادمٌ مرةً اخرى؟، كل الوقت كان بحوزتك تركتك تفعل ما تشاء، واليوم أنت بحوزتي، سترى ما فعلته وما نسيته، ما كنت تعتقدُ بأمتلاكه، قد باعك، تركك وحدك، معي.

طويل هذا المنتصف... للكاتب المبدع / شرف عبدو المغرب

 طويل هذا المنتصف...

للكاتب المبدع / شرف عبدو

المغرب
الهجرة بعد سنوات دراسة طويلة للبدأ من الصفر لم يكن شيئا هينا بالنسبة لعزيز، رجل مثله لم يتعلم بحياته ولا حرفة غير هوس القلم الذي كان يمضي ما يجاوز نصف اليوم في الكتابة، حضره قول أحلام وهي تمسك يده ذات عشية من مساءات القنيطرة الباردة، أخاف يا عزيز أن لا تطعمنا هذه الأيادي الخبز في اليوم الذي نحتاج للقلم أن يجعلنا نعيش، أخاف ألا ينصفك هذا القلم، وكأنها كانت تدرك أن هذا الوطن لا يخيط كل مقاسات أحلام أبناءه كما يشتهون...
عزيز شأنه شأن الكثيرين ممن كانوا يلونون سقف بيتهم بألوان وردية، كان يظن أن هذا الوطن رحيم كما هي أمه، رغم أنه درس كثيرا وبحث طوالا لكن ظلت هناك سذاجة تسكنه وبراءة في أن كل شئ سيكون بخير بعد تخرجه...
تسري الحياة هنا على إيقاع بطئ وتسكن الهوامش فقط، أناس مثل عزيز كانوا من رحم الهامش برجولة معجونة بكمية زائدة من المعاناة يجد نفسه اليوم على متن حافلة تقله إلى الدار البيضاء حتى يبدأ من خط البداية بعد عمر طويل ضاع بين الأحياء الجامعية وملخصات الدروس هو اليوم أمام درس جديد لا يحفظ كما كان يفعل بسابقيه، درس سيجعلك تدفع كثيرا حتى تتعلم منه، لم تكن البداية معه فقط من أجل كسرة خبز بل حتى بحياته العاطفية رحلت أحلام حينما أدركت بمرارة أن الأحلام التي رسمتها مع عزيز غدت مستحيلة، رحلت مجبرة حتى لا تفوت رحلتها الأخيرة على متن قطار لا يمر في قبيلتها إلا مرة واحدة بالعمر ولأن العمر كان قد التهم الكثير من ملامحها رحلت علها تنقذ ولو النزر القليل من حياتها، أما عزيز فقد حكمت عليه الأقدار أن يبدأ تجربة جديدة ومريرة، من دون سند ولا درب بادي الملامح هو فقط أخذ أول رحلة إلى الدار البيضاء لأنه تذكر حديث صديقه بأن كثيرين هم من ارتموا في أحضان هذه الدار الكبيرة أملا في أن يلونوا أحلامهم بألوان زهرية تبتسم فيها الحياة لهم...
شرف عبدو
المغرب
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، و‏‏لحية‏، و‏نظارة‏‏‏ و‏منظر داخلي‏‏

رحلة إلي القبر . قصة قصيرة بقلم الكاتب / إبراهيم محمد قويدر - مصر

 رحلة إلي القبر . قصة قصيرة

----------------------------------
بقلم : إبراهيم محمد قويدر
رأيت فى النوم أني رهن مظلمة من المقابر ميتا حوله رمم )
مسجي على خشبة الغسل أخذ ينظر يمينا وشمالا فيرى أشخاصا لايعرفها ولم يسمع لها صوتا من قبل .
هؤلاء يستعجلون من يغسل يطلبون الإسراع حتى لا يتأخر عن ميعاد غلق القبر .
سمع صوتا في الخارج يقول : (خلي عزوز يأخذ الفأس والرمل والاسمنت و واحد يروح معاه ) .
يطلب من شخص أن يساعده علي النهوض فيشيح بوجهه عنه حتى لا يطيل في إلحاحه .
جلبة وصراخ وعويل أصوات يعرفها وأخرى لا ، ها هو يميز صوت أمه قد بح صوتها .
وهذه زوجته وقفت تخمش وجهها وتصك صدرها وتقول : ( يا سبعي سايبنى لمين من بعدك ) .
صوت اجش يقول : حرام عليكم ادعوا له ربنا يرحمه .
قلت للملك عن يميني أرجوك أمهلني وقتا حتى أرى ولدي هو في بطن أمه باقي أسبوع علي الولادة .
نهر أحد الملائكة المغسل حتى لا يتأخر الميت عن الوصول في الميعاد المحدد بالفيمتوثانية .
أتى أحدهم بشاشة تلفاز وقال : لا تقلق كل شيء سيكون علي ما يرام حتى شوف كده .
ابنه خرج للحياة تخرج وتزوج وانفصل عن أمه.
الزوجة غيرت عفش البيت وخلعت الأسود وتزوجت من ابن عمه الذى كان دائم الزيارة لهم .
حملوه علي الأكتاف وأولجوه القبر علي عجل وهناك تغيرت الوجوه أقاموه وبدأوا يسألونه .
تلعثم وتلجلج ولكن بجهد جهيد أجاب علي الأسئلة .
سمع من يقول : ( دعوه يستريح من عناء الدنيا وخلوه يشوف أباه وامه علشان واحشينه ) .
بقلم : إبراهيم محمد قويدر
البحيرة - مصر

قد تكون صورة ‏شخص واحد‏

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة