Translate

الثلاثاء، 6 يناير 2026

عندما تبكي العصافير وشجيرات. بقلم عزيز بلعين - المغرب

قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏أشخاص يبتسمون‏‏

 عندما تبكي العصافير وشجيرات.

يفتح متجره المتخصص في بيع الثياب والاقمشة كل يوم على الساعة الثامنة صباحا، يشرع بكل نشاط وحيوية في كنس بعض القمامة التي تتجمع بعد انصرافه في المساء بفعل الرياح او اهمال بعض المارة قبالة المحل ، يرش قليلا من الماء ليخمد الغبار الذي قد تتسبب الريح في تطايره فيعلق بالثياب المعروضة للبيع او يلطخ واجهة المتجر ، وكم تنعش رائحة امتزاج الماء بالتراب انوف كل من صادفه من المارة وهو يرشه على الارض فيحس المرء ساعتها بجاذبية تشده إلى اصله من طين وتذكره بامه التي منها خلق وإليها سيعود ومنها سيخرج تارة اخرى.
بعد ذلك يعمد إلى سقي الشجيرات الاربعة والورود والازهار التي قام بغرسها بحوض صغير امام متجره ، يتعهدها بكل عناية ، يشذبها ، ينزع ما علق بها او نبت بجانبها من طفيليات ، وكم يجد في ذلك متعته وراحته وهو يقوم كل يوم بهذه المهمة ، فقد احب منذ صغره الاغراس والنباتات وولع بالاخضرار وهام بمظاهر الطبيعة الخلابة فعشق شدو الطيور وغناء الرعاة وخرير المياه ، فكان ينصت للطبيعة بكل جوارحه وهي تتكلم في صفاء لا يعكره عبث إنسان.
تعلق بكل ذلك حين كان يتردد على الباديه في زيارة لجدته اثناء العطل المدرسية ، فكان يقضي اجمل اوقاته في ضيافتها حتى بات يقلق من اقتراب موعد استئناف الدراسة التي تحرمه من مواصلة الاستمتاع بأجواء الهدوء والسكينة في احضان البادية
فترسخت في ذهنه قناعة مفادها ان الماء والخضرة والوجه الحسن امور ثلاثة لا محيد عنها لمن اراد حفظ صحة النظر وراحة البال وسلامة النفس من منغصات الكدر.
بعد تنظيفه محيط متجره وسقي الشجيرات ، يخرج من جيب سترته كيسا مملوءا بالبذور التي تقتات عليها العصافير فيبدا في نشرها على الارض بالقرب من باب محله ، وما هي إلا لحظات كلمح البصر حتى ترى اسراب العصافير تهبط تباعا لالتقاط حبات البذور بعد ان اعتادت هذه الوجبة الصباحية من رجل كريم ، فتراها تنط هنا وهناك وتطلق انواعا مختلفة من الزقزقات والاصوات الجميلة وترفع بين الفينة والاخرى نظرها نحو صاحب المحل تعبر له عن الامتنان لكرمه الحاتمي الذي يخصها به منذ سنين حتى الفت المكان ولم تعد تستوحش او تجفل حتى من المارة وكأنها تشعر انها في حماية وضيافة صاحب المتجر الذي يباذلها حبا بحب ويتعهدها بالعناية والحدب وكانها فلذة من فلذات كبده.
إنها نوع من المشاركة الوجدانية مع باقي الكائنات التي يجد الانسان لديها من التجاوب ما قد يفتقده احيانا لدى بني جلدته ، الم يقل الشاعر وسمعنا الطيور في الروض تشدو فنقلنا عن الطيور كلاما ، وكأن صاحبنا علم منطق الطير من كثرة حبه لها حتى بات يفهم منها كل حركة او زقزقة او نظرة وهي تقترب منه في امان وهي تقف على اغصان الشجيرات التي غرسها تعزف له من شدوها مقام الشكر والعرفان.
وكم اصبح هذا المشهد مألوفا لدى الساكنة المجاورة التي ما فتئت تثني على صاحب المتجر وتعجب بصنيعه وتعتبره من خيرة الجيران ، فما ان يصل صباحا إلى محله حتى تذب الحركة في المكان فلا ينتظر مرور عمال النظافة ، بل يتولى بنفسه تنظيف محيط المتجر وقبالة بعض المساكن المجاورة ليشرع بعد ذلك في مباشرة هوايته المحببة من سقي للشجيرات وتهييء وجبة الإفطار المعتادة لأصدقائه العصافير قبل ان يتفرغ لتلبية طلبات زبائن المحل الذين يفدون عليه لاقتناء بعض الثياب.
ولكن الرياح تجري احيانا بما لا يشتهي الملاح ، فدون سابق إنذار استفاقت الساكنة المجاورة ذات صباح لترى المتجر مغلقا على غير العادة ، فظن الكثيرون ان صاحبه قد تغيب لبعض الاغراض وسرعان ما يعود ، لكن الغياب طال اسابيع وامتد لشهور ، وكم كان منظر العصافير التي تفد كل صباح للمكان حزينا وهي تتطلع باعينها إلى المحل المغلق تتساءل عن غياب صاحبه الذي عودها على العطف والجود والحنان ، فكيف يختفي عن الانظار دون سابق إشعار او إنذار؟.
هل ياترى لها يد في هذا الغياب ؟ هل مل صاحب المتجر رؤيتها كل صباح ببابه ؟ هل اقلقت راحته دون قصد ؟ هل بات يكره العصافير بعد سنوات من الوداد المتبادل ؟ ماذا لوكان قد اصيب بمرض اقعده بالبيت ؟ من ياترى يخبرها عن سبب الاختفاء المفاجئ ؟ كيف لها ان تستغني عن وجبة الصباح في حضرته ومن يديه الكريمتين ؟ كيف تمسك عن شدوها الجميل تحية لكرمه المعهود ؟
أه! كم تكاد اعينها تفيض من الدمع حزنا على الفراق ، وما بال هذه الشجيرات قد علاها الغبار تكاد تعاني من بداية الذبول ، ما بال الطفيليات قد وجدت طريقها اخيرا إلى جذوعها واستاسدت ؟ كيف لجذورها ان تبقى ثابتة دون ماء ؟ كيف لأوراقها التي بدات تتساقط الواحدة تلو الاخرى من حزنها على صاحب المتجر الذي تعهدها منذ سنوات بالحدب والعناية ؟ كم يكفيها من دموع لتوسل غيمة وقد اغناها هذا الانسان النبيل فيما مضى عن انتظار زخات المطر ؟.
كثرت التساؤلات عن الغياب المفاجئ لصاحب المتجر من طرف الساكنة ، وتفطرت قلوبها لرؤية العصافير مرابطة كل صباح امام محله تذرف الدموع ، عاينت ذبول الشجيرات وكثرة الطفيليات لينطلق البحث والتقصي عن سبب الاختفاء.
بعد ايام توصل احد السكان إلى كون شقيق صاحب المتجر قد وافته المنية ، وأن هذا الاخير كان المالك الفعلي للمحل وقد قرر ابناؤه الورثة الحقيقيون إغلاق المتجر إلى حين تصفية التركة ليبقى كل شيء عالقا إلى إشعار آخر ، ولتذهب العصافير والشجيرات وعمهم وكل من أحب صاحب المتجر الطيب إلى الجحيم ، وهل هناك جحيم فعلي يفوق جشع الإنسان واستهتاره بالقيم الإنسانية؟.
عزيز بلعين - المغرب
قد تكون صورة ‏‏شخص أو أكثر‏ و‏أشخاص يبتسمون‏‏

"التمثال المُعطَّر" قصة قصيرة بقلم: الشاعر والمهندس طاهر عرابي


"التمثال المُعطَّر"
قصة قصيرة
بقلم: الشاعر والمهندس طاهر عرابي
(دريسدن — كُتبت عام 2016 ونُقّحت في 20.12.2025)
عاد السيد مالك من عمله حارسَ أمنٍ على أبواب أحد البنوك،
ودخل إلى شقته الصغيرة وهو يحمل سعادةً ثقيلة، خبرًا أراد أن يشاركه مع زوجته.
قالت وهي تبتسم بخفة:
— أراك فرحًا هذا المساء! هل حصلت على مكافأة مالية؟
أجاب بحماسٍ يرتجف في صوته:
— اختارني المدير حارسًا في متجر العطور الكبير! دوامي يبدأ في التاسعة صباحًا، وسأنال نومًا كافيًا، وتخلّصت من الحراسة في المصانع والمخازن… ومن الوحدة الطويلة.
لكن زوجته بقيت صامتة. جلست أمام الطاولة، وعيناها كمرآتين لا تخفيان استياءً عميقًا. فكّرت: العمل في مكان أنيق، محاط ببائعات فاتنات، قد يبدو مريحًا، لكنه يحمل متاعب غير مرئية؛ فالوقوف لساعات بين نساء يجرّبن العطور ومستحضرات التجميل قد يترك أثرًا أعمق مما يتصوّر أي رجل.
نظرت إليه ببرود، وكأن عينيها تخترقان أعماق روحه:
— كان من واجبك أن تتصل بي قبل الموافقة، أو تنتظر لنتشارك القرار. لكنك تعجّلت، تلهث خلف أنانية، وتهرب من شقاءٍ قد يتحوّل إلى مرضٍ يقتل إلفتنا!
توقّف عن الطعام مذهولًا. لم يشعر من قبل بمفاجأة كهذه. دار في ذهنه سؤال قاسٍ:
«هل هناك امرأة تحب زوجها تفكّر بهذا الشكل؟»
تسلّلت قشعريرة إلى جسده، واهتزّت يداه. نهض بخطوات ثقيلة، مستعيدًا لحظاتٍ لم يعرف فيها هذا القدر من الغيرة والاتهام.
حكّ خدّه متسائلًا:
«هل تهذي زوجتي، وهي التي تعمل سكرتيرة في مكتب محاماة وتعرف الكثير عن الأزواج؟
أم تعاقبني على شيء لا أعلم عنه شيئًا؟
أم أنها تعلم أن الحب لحظة خاطفة، وتدرك مدى خطورتها على رجل متزوّج؟»
قال محاولًا التماسك، وصوته منخفض لكنه حاد:
— هذا هراء… مزحة ثقيلة. أرجوكِ، أعيدي التفكير بما قلتِ. أما أنا فسأنسى هذه الانفعالات.
ثم أضاف، كأنه يهمس لروحه قبل أن تسمعه هي:
— كما تعلمين، أملك قلبًا متسامحًا، لكن هذه الانفعالات مؤذية، وربما تهدّد مستقبلنا. أتحرمينني من عملٍ جاءني كهدية من السماء؟
شرب كأس ماء بتأفّف وهمس:
— لقد أفسدتِ عليّ فرحتي… أتريدين هدم كل شيء؟ بيتنا؟ حبّنا؟ فقط لأنك تظنين أنني سأمتع نظري بنساء العالم؟
بدّل ملابسه بسرعة، ارتدى بنطال جينز أزرق، وحذاءً رياضيًا، وسترةً جلدية بنية، وخرج إلى المقهى. وقفت زوجته قرب النافذة تراقبه؛ رأسه مطأطئ، وسحابة دخان من سيجارته تعلو رأسه وتتبعه، كأنها ظلّه الذي لا يفارقه.
عادت مسرعة وكتبت على ورقة:
«غادرتُ إلى بيت أمي. لن أعود حتى أتأكّد أنك مخلص، وأنك تفهم متى يتحدّث العاقل بالتسامح.»
في المقهى جلس وحيدًا، يشرب كأسًا تلو الآخر، ويحاول الاتصال بها بلا جدوى. ظلّ صامتًا، تتنازعه مشاعر الذنب والارتباك، ويشعر لأول مرة بثقل انعزال روحه عن العالم، كما لو أن الهواء من حوله أصبح شفافًا وثقيلًا في آنٍ واحد.
في اليوم التالي، ارتدى زيّ الحراسة وذهب إلى متجر العطور بصعوبة. وعند عودته من المقهى وهو ثمل، تعثّر وانزلق وجهه على لحاء شجرة ضخمة، فانكشفت على وجهه ندوب وخدوش خفيفة. حاول أن يخفيها بمساحيق التجميل، ظنًّا منه أنه بذلك يتغلّب على أي صعوبة. أخذ مكانه في زاوية، كتمثال شمع، يراقب كل شيء بلا إحساس. مرّت الساعة الأولى كأنها أيام، وكل الوجوه من حوله بدت كفقاعات صابون؛ بلا طعم، بلا معنى.
ولم يشعر، حتى تلك اللحظة، أن زوجته ربما كانت محقّة.
سمع همسًا بين بائعتين قربه:
— هل هو تمثال بشري؟
— يبدو متدرّبًا جديدًا يريد الانضباط، لكنه مملّ للغاية.
وأضافت أخرى:
— لا أدري… الحارس السابق كان أكبر سنًا، لكنه كان مرحًا، ووجوده مريحًا.
تفرّقت البائعات لخدمة الزبائن، لكن عيونهن ظلّت مسلّطة عليه. تمنّى لو يقترب ويشرح ما حدث معه بالأمس، لكنه لم يجرؤ.
لاحظت البائعة سارة تصرّفاته الغريبة وسألته:
— ما بك يا سيد مالك؟ لماذا لا تتحرّك ولا تبتسم؟ هل أنت مريض أم لم يعجبك العمل هنا؟
صُعق، لكنه ردّ بهدوءٍ مصطنع:
— عملي يتطلّب المراقبة فقط، لا الابتسامات المصطنعة. كيف أراقب عبث الزبائن وأنا أبتسم؟ أحب أن أظهر طبيعيًا… أحيانًا تفكّر النساء بأشياء لا يفكّر بها الرجال.
وفي داخله كان يقصد زوجته، دون أن يفطن إلى ما يقوله.
ارتعبت وسألته:
— هل أنت أعمى؟ أم تعاني من شيء في عينيك؟
عادت سارة غاضبة لتخبر سينا:
— أظنّه أحمق. لا ينظر إلى وجهي، ويهذي عن فقاعات الصابون. وقح ومغرور… ووجهه مخدوش كأنه تشاجر مع قطٍّ بري.
صرخت سينا:
— يا إلهي! لقد سقط على الأرض، هيا إليه!
لاحظن طلاءً خفيفًا على وجهه بلون البشرة. مسحنه بمنديل، فانكشفت نقاط دم وندوب زرقاء. همست سارة:
— أخطأت في تقديري… هو ليس غريب الأطوار فقط، بل رجل يخفي الكثير.
كان همسهن قرب وجهه كافيًا لإيقاظ الموتى.
نهض محاولًا تهدئتهن وقال:
— لا شيء… تعثّرت البارحة واصطدم وجهي بجذع شجرة. زوجتي أخفت الخدوش بمستحضرات التجميل، قالت لا يليق بحارس متجر عطور أن يقف ووجهه مليئًا بالبقع، خصوصًا في يومي الأول.
شعر بسعادة لروايته. حدّق في سينا، الحسناء ذات القلادة الذهبية، والشعر الأشقر القصير. كل نظرة فتحت في ذهنه أبوابًا جديدة.
نسي فقاعات الصابون، وتحولت في خياله إلى جسد جميل، خفيف، يحلّق في الأرواح.
همس في داخله: كم هو مذهل هذا الجمال… ومع من يتقاسم حياته؟
همس في نفسه، وصمت كحجر:
«زوجتي محقّة… وأتمنى لو فهمت ذلك قبل فوات الأوان. ذهب جمالها عني، وبقي جمال لا يخصّني.»
خرج من المتجر دون أن ينبس بكلمة، وغاب كأنّه ورقة صفراء تتبعثر مع الريح نحو حلمٍ آخر، وهو يهمس في أعماقه التي فرغت ورحلت مع فقاعات الصابون.
ليس الانهيار هو الذي يُحدث الصخب، بل تلك اللحظة التي تقتل الفطنة. يا ليت للفطنة جسدًا، لتُشيَّع في حزني. لقد غابت وقت الفرح، وهذا نعشها القاسي.
— طاهر عرابي

للشبق حكاية أخرى ( قصة قصيرة ) بقلم: سيد جعيتم - جمهورية مصر العربية

 


قصة قصيرة بقلم: سيد جعيتم

للشبق حكاية أخرى
اتخذ موضعًا خلف تلة، يشاهد الغراب ينقب في الأرض ليواري سوءة أخيه. هز رأسه في سخرية، وتوجه بحديثه إلى الغراب:
- آلهة أرض كيميت تعيد نفخ الروح في الجثة المدفونة.
ثم شرع في تمزيق جسد أخيه.
ينتظر أن تزيح العتمة النور، ويعم الظلام سماء منف ليستبيح معابدها.
هناك قوة تخفيها عنه، لكنه لن يكف عن نهمه حتى يجدها. يمتص دماء حجاج المعابد. كانت عشقه منذ طفولته؛ فضلت السلطان وعشقت أخاه؛ فقتله. هربت بجنينها؛ تحتمي بالموتى في المقابر، وأهدتهم أكفانًا مزركشة؛ فأصبحوا حراسها.
زئيره المختلط بصراخهم يصم آذانها، ارتجّ باب القبر، ودب الرعب في أوصالها، كاد قلبها يهرب من سجن صدرها، كومت جثث الموتى خلف الباب، راحت تتضرع إلى زوجها:
لن يكتفي بقتلي، بل يريد الجنين. يعلم أنه إذا عاش، فسيكون هو قاتله.
ـ هربتِ بنفسك، وتركتينني محبوسًا داخل تابوته. لم تتحركي وهو يمزق جسدي ويوزعه بين الأقاليم.
ـ هربت بالمخلص الذي في رحمي، سيخرج وينجينا. سأُعيد لملمة جسدك، ليتمكن أنوبيس، حارس الجبانات، من دفنك.
انخلع باب القبر، وسقطت فوق الموتى. تعرت، سال لعابه وعلت أنفاسه اللاهثة.
نظر إليها بتمعن، وقال:
ـ تمجدونه وترفعونه إلى السماء ليحاسب الموتى، كل بطولاته سرقها مني؛ لم يحمل سيفًا ليقاتل عدو، فضله أبي علي، وأورثه مجده وعرشه، وهما من حقي؛ أنا سبقته إلى الدنيا.
بقر بطنها، وأخرج الجنين حيًا؛ اختطفته الآلهة من بين يديه. جن جنونه.
مدت يدها تلملم بطنها، غشيها بعنف، استلذ صراخها، فرغ منها، وخرج دون أن يلتفت إليها.
يقلقها جوع ابنها، فقد جفَّت ضروع الآلهة مع ماء النهر بعد غضب رع...
تعجبت أنه تركها حية. استدعت كهنتها وسدنة معبدها، وزعت عليهم أكفانًا جديدة. زادت جثث الموتى خلف باب القبر. اجتاح الباب غشيَها حتى ارتوت. ولم تغلق الباب مرة أخرى.
يقلقها جوع أبنها، فضروع الآلهة جفت مع ماء النهر بعد غضب رع..
تعجبت أنه تركها حية.
استدعت كهنتها وسدنة معبدها، وزعت عليهم أكفانًا جديدة.
زادت جثث الموتى خلف باب القبر.
أجتاح الباب غشيها حتى ارتوت .
لم تغلق الباب مرة أخرى
بقلم: سيد جعيتم
جمهورية مصر العربية


بين صوتين (2) – بقلم رشدي خميري

 


بين صوتين (2) –
شارك النّاس في جميع تحرّكاتهم نحو ما يجمّل حياتهم ويجعلها أسهل. ناقشهم بكلّ جوارحه، بل حفّزهم على اتّخاذ قرارات مهمّة. اقتنعوا ببعضها، وتجاهلوا البعض الآخر، وسخروا منه أحيانا. وقف أمام المرآة، فرأى نفسه ساذجا، كمن يحفر في الماء، أو كمن يصبّ الماء في الصّحراء وينتظر أن يستقرّ على سطحها.
بدأ يناقش ممارساته. رأى أنّ الوقوف مساندا لقضايا النّاس وقضاياه واجب على عاتقه، وعلى عاتق كلّ مثقّف درس في المعهد والجامعة، فتفطّن وفهم، واتّسعت ذائقته الإداريّة للمواضيع الهامّة وغير الهامّة، للأشياء الكبيرة والصّغيرة، لتفاصيل الحياة اليوميّة التي لم يعد يلتفت إليها من قبل.
في حين خاطبه عقله الباطنيّ: ماذا ربحت من ذلك؟ ماذا استفادت عائلتك ممّا تفعل، ومن نضالاتك؟ فيجيب بكلّ ثقة: المهمّ هو المحاولة، ومزيد من المحاولة، والصّبر على النّتيجة، فالفائدة والرّبح سيأتيان، ولو بعد حين.
ثمّ تعود دواخله لتقول له: أغلب النّاس تسعى للكسب من أيّ حركة تقوم بها، وقد يبيعون كلّ شيء لأجل غاياتهم الشّخصيّة، حتّى بلدانهم باعوها. وأمّا أنت، ولأنّك عاجز عن الارتقاء فوق الشّكوك والغرور، فتكتفي بتعليق فشلك على الآخر، ولا تتقدّم قيد أنملة. أفق من غفلتك، واسع نحو مستقبلك، وذر من يرمي بك إلى الأمام ككبش فداء أو حطب نار، ليس لك فيها فائدة ترجى.
لكنّ العقل الخارجيّ يثبّته من جديد: انظر كيف يحترمك النّاس لما تفعله من أجلهم. ألم تر كيف أنّ أبويك فخوران بك لما يسمعانه من الآخرين، ولدعواتهم لك؟ هذه المشاهد الصّغيرة، هذه اللّمسات الخفيّة، هي التي تبني المعنى، وليست المكاسب الماديّة أو المظاهر فقط.
وفي النّهاية، يجمع عقله الدّاخليّ والخارجيّ، ويرسيهما على فكرة واحدة: الإنسان اجتماعيّ بطبعه، وتفاعله مع المجموعة التي يعيش داخلها مطلوب، بل واجب. وأنّ الجهد الصّامت، والمحاولات اليوميّة، ليست مجرّد عبء على الذّات، بل بناء للحياة التي تتجاوز الفرد إلى كلّ من حوله، للحاضر وللمستقبل. هنا، في لحظة الوعي هذه، يفهم أخيرا أنّ القيمة الحقيقيّة ليست في النّتائج وحدها، بل في التّجربة، في التّفاعل، وفي الشّجاعة على المحاولة رغم كلّ شكّّ.

( ​انفصام ) قصة قصيرة بقلم إلهام فخري


 

( ​انفصام )  

قصة قصيرة  

بقلم  

إلهام فخري

​ثمة شيء يحدث لا أعلمه..
​الشوارع فارغة من المارة والسيارات، ترى ما السر؟
الشاشات المتواجدة في الشوارع كلها حدث واحد ومشهد واحد: مشاهد أهرامات.. معابد.. وتماثيل.
​انزويتُ في ركنٍ على الرصيف أتابع ما يدور. هل أنا في حلم؟ أيمكن أن يكون الزمن قد عاد للخلف؟ أشعر أنني أحيا في عصر قدماء المصريين!
لا.. لا.. أزحتُ هذا التفسير من عقلي، وابتسمتُ ابتسامة سخرية من حالي، خاصةً وأنني سمعتُ طفلاً يسأل آخر عن تاريخ اليوم وهما في طريقهما للمدرسة صباح اليوم، وكان رده أنه الأول من شهر نوفمبر من عام ألفين وخمسة وعشرين، كما أكدت الساعة والتاريخ المكتوب في الركن الأسفل للشاشات قول التلميذين.
​فكيف يكون هذا اليوم والسنة والناس تلبس ملابس قدماء المصريين؟ أي حيرة هذه التي أنا فيها؟ أشعر بالدوار.. ما زلتُ منزوياً في ركني على الرصيف. استوقفتُ رجلاً لأسأله: "في أي عام نحن؟"، فردَّ بما أكدت عليه نتيجة الحائط صباحاً، والطفلان، والشاشات المعروضة.
​تخبرني الشاشات أن حدثاً عظيماً اليوم: (افتتاح متحف الحضارة).
والمذيعة للتو تعلن وصول زعماء العالم للافتتاح والاحتفال بحضارة سبعة آلاف عام، وأنه الحدث الأعظم على مر السنين. ما أروع ما أشاهده! وأي جمال هذا الذي أراه! وأي عظمة كانت حياة القدماء! ليت الزمان يعود بي لأحيا بين أروقة وطرقات مصرنا القديمة.
​لم أكن الوحيد الذي يشاهد الشاشات وينصت للسيدة التي تنقل لحظة الافتتاح، فالكل في حالة انبهار لما يُذاع ويُعرَض. كلنا مشدوهون كأن على رؤوسنا الطير من فخامة المشاهد والأضواء والتصاميم. وفي غمرة انبهاري بما يدور، وكأني في حلم، شعرتُ للحظة أنني أحيا في مكان غير مكاني وزمان غير زماني؛ لأستفيق على صوت أحدهم يسألني: "ألن تأتي لنشاهد عن قرب مراسم الافتتاح ورؤية زعماء العالم وهم يفتتحون متحف الحضارة؟".
​تعجبتُ من كلامه! كيف يسألني هذا الرجل هذا السؤال؟ أيسخر مني؟ ألم يلاحظ ثيابي المهلهلة وحذائي المثقوب؟
رددتُ عليه:
"بلى.. سأبحث عن أقرب صندوق للقمامة، علّني أجد بقايا طعام لأبنائي الجوعى".
​تمت
إلهام فخري

مشاركات الأعضاء

تضاد قصة قصيرة جدا بقلم متولي بصل

بينما سفنهم الفضائية تسبح في الفضاء، تبحث عن أي مظهر من مظاهر الحياة على الكواكب الأخرى، والناس يرقصون في الشوارع فرحا بنجاح إطلاق المركبة ا...

المشاركات الشائعة