Translate

الخميس، 22 يناير 2026

شبح الظلم بقلم الاديبة والصحفية : سليمة مليزي

 

قد تكون صورة ‏تحتوي على النص '‏اهدرللی افتاناعالل الخبر بورتريه سليمة ..مليزي. مسيرة إبداعية تتوقد بين أدب الطفل وعبق التراث‏'‏

شبح الظلم

بقلم الاديبة والصحفية
سليمة مليزي
" العدل إذا دام عمّر، والظلم إذا دام دمّر"..
ـ العالم والمؤرخ عبد الرحمان ابن خلدون ـ
بَدَأَ الفَجْرُ يُرْسِلُ خُيُوطَهُ الذَّهَبِيَّةَ، نَهَضَتْ يَمِينَةُ مُتَثَاقِلَةً وَرَاحَتْ تُرَاقِبُ تَسَارُعَ صُعُودِ النَّهَارِ عَلَى مَدَى الأُفُقِ. ذَهَبَتْ إِلَى الإِصْطَبْلِ، حَلَبَتِ النَّعْجَةَ الوَحِيدَةَ الَّتِي تَقْتَاتُ مِنْ بَيْعِ حَلِيبِهَا قُوتًا تَسُدُّ بِهِ حَاجِيَاتِ بَنَاتِهَا الثَّلَاثِ، بَعْدَمَا اسْتُشْهِدَ وَالِدُهُنَّ فِي مَيْدَانِ التَّحْرِيرِ دِفَاعًا عَنِ الوَطَنِ.
كَانَتْ تَهْرُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا بَحْثًا عَنْ قِطْعَةِ خُبْزٍ تَسُدُّ بِهَا رَمَقَ ابْنَتِهَا الصُّغْرَى. سَلَكَتِ الدَّرْبَ الَّذِي يُحِيطُ بِحَدَائِقِ جَدِّهَا الهَادِئَةِ كَهُدُوءِ الصَّبَاحِ. كَانَتْ أَصْوَاتُ العَصَافِيرِ وَصِيَاحُ الدِّيَكَةِ وَحَفِيفُ الأَشْجَارِ الَّتِي تُدَاعِبُهَا نَسَائِمُ الصَّبَاحِ هِيَ مُوسِيقَى الحَظْةِ، وَلَكِنْ رَائِحَةُ الخُبْزِ الَّتِي تَنْبَعِثُ مِنْ بُيُوتِ الفَلَّاحِينَ المُسْتَعِدِّينَ لِلذَّهَابِ إِلَى حُقُولِهِمْ أَثَارَتْ جُوعًا قَدِيمًا فِي نَفْسِهَا.
كَانَ الدَّرْبُ مُكَلَّلًا بِأَشْوَاكِ التُّوتِ البَرِّيِّ، بَدَأَتْ بَرَاعِمُهُ تَتَفَتَّحُ لإِعْلَانِ قُدُومِ الرَّبِيعِ. هُنَاكَ فِي الدُّرُوبِ مُرُوجٌ تَتَلَأْلَأُ مِنْ بَعِيدٍ بِأَزْهَارِ الأُقْحُوَانِ وَالبَنَفْسَجِ، وَكَأَنَّهَا سِجَّادٌ حِيكَ بِتَنَاسُقٍ جَمِيلٍ مِنْ إِبْدَاعِ الخَالِقِ. وَلَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُهْتَمَّةً بِهَا بِقَدْرِ اهْتِمَامِهَا بِحَرَكَةِ الجُوعِ فِي بَطْنِ ابْنَتِهَا الَّتِي قَالَتْ:
ــ هَلْ شَمَمْتِ هَذِهِ الرَّائِحَةَ الشَّهِيَّةَ يَا أُمِّي؟ إِنَّهَا تُشْبِهُ رَائِحَةَ الخُبْزِ…
كَادَ قَلْبُهَا يَنْفَطِرُ لِمُلَاحَظَةِ ابْنَتِهَا. أَرَادَتْ أَنْ تُلْهِيَهَا، وَقَالَتْ لَهَا:
ــ اُنْظُرِي إِلَى تِلْكَ العَصَافِيرِ الَّتِي تَرْفْرِفُ فِي السَّمَاءِ، كَمْ هِيَ جَمِيلَةٌ…
كَانَتْ نَسَائِمُ الصَّبَاحِ الحَنُونُ تُدَاعِبُ جَسَدَيْهِمَا وَهُمَا يَشُقَّانِ الدَّرْبَ مُسْرِعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَفُوتَهُمَا الحَافِلَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي تُقِلُّهُمَا إِلَى المَدِينَةِ. كَانَ الهُدُوءُ يَبْعَثُ صَمْتَهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ. مَرَّ عَلَى مَقْرُبَةٍ مِنْهُمَا مُنَظِّفُ القَرْيَةِ يَجُرُّ عَرَبَتَهُ لِتَنْظِيفِ شَوَارِعِهَا الهَادِئَةِ. كَانَ هُنَاكَ أَيْضًا حَارِسُ الحَدِيقَةِ الكَبِيرَةِ الَّتِي تَتَوَسَّطُ سَاحَةَ القَرْيَةِ، كَانَ يَسْقِي الحَدِيقَةَ، وَخَرِيرُ المَاءِ المُتَطَايِرُ عَلَى وَرِيقَاتِ الوُرُودِ يُرْسِلُ لَحْنًا شَجِيًّا يُبَدِّدُ الصَّمْتَ بِجَمَالِ رَقْرَقَتِهِ عَلَى الأَزْهَارِ وَالأَشْجَارِ. كَانَتْ تَلَامِسُ رَشَاتِ المَاءِ المُتَطَايِرَ عَلَيْهَا بِحَنِينٍ، وَرَائِحَةُ الوَرْدِ الجُورِيِّ وَالتُّولِيبِ وَالجَارْدِينَا وَالكَامِيلْيَا وَالبَنَفْسَجِ تَنْبَعِثُ مَعَ الهَوَاءِ العَلِيلِ وَتُنْعِشُ النَّسِيمَ بِرَائِحَتِهَا العَطِرَةِ.
لَمْ تَكُنِ ابْنَتُهَا الصَّغِيرَةُ تَعْلَمُ لِمَاذَا تَجُرُّهَا وَالِدَتُهَا كُلَّ أُسْبُوعٍ إِلَى المَدِينَةِ؟ لَقَدِ احْتَاجَتْ إِلَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ كَيْ تَعْرِفَ أَنَّ الصُّرَّةَ الَّتِي كَانَتْ تُخْفِيهَا دَائِمًا تَحْتَ جَنَاحِ شَالِهَا، تَحْتَوِي عَلَى بَعْضِ حَبَّاتِ البَيْضِ وَقَارُورَةِ زُبْدَةٍ وَبَعْضِ العَسَلِ، تُقَايِضُهَا لِحَانُوتِيِّ سُوقِ المَدِينَةِ وَتَأْخُذُ مُقَابِلَهَا السَّمِيدَ وَالزَّيْتَ وَالصَّابُونَ وَالسُّكَّرَ وَالقَهْوَةَ أَحْيَانًا.
كَانَتْ تَتَذَكَّرُ قَلِيلًا شَذَرَاتٍ مِنْ تِلْكَ القِصَّةِ الَّتِي طَالَمَا حَكَتْهَا لَهَا أُمُّهَا فِي طَرِيقِهِمْ ذَهَابًا وَإِيَابًا؛ قِصَّةٌ حَزِينَةٌ يُخَيِّمُ عَلَيْهَا شَبَحُ ظُلْمٍ وَقَهْرٍ أَعْمَامِهَا لَهُمْ فِي انْتِهَاكِ حُقُوقِهِمْ فِي مِيرَاثِ وَالِدِهِمُ الشَّهِيدِ الَّذِي تَرَكَ أَرَاضِيَ شَاسِعَةً اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.
وَيَمِينَةُ السَّيِّدَةُ القَوِيَّةُ وَالذَّكِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُطَالِبُ بِحَقِّ بَنَاتِهَا المَشْرُوعِ لَمْ تَيْأَسْ يَوْمًا. اليَوْمَ، وَهِيَ مُحَامِيَةٌ قَدِيرَةٌ، تَنْظُرُ إِلَى أُمِّهَا العَجُوزِ فَتَرَى فِيهَا النُّورَ الَّذِي تَتْبَعُهُ لِاسْتِرْدَادِ وَحِمَايَةِ حُقُوقِهَا. وَمِنْ أَجْلِ كِفَاحِهَا العَظِيمِ نَتَمَنَّى أَنْ تَسُودَ العَدَالَةُ هَذَا العَالَمَ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
▪ نشِرَت هذه القِصَّةُ في الكتابِ الجَماعي «خُبزٌ تحت الحِصار»، بمشاركةِ مجموعةٍ من الأدباءِ في فنِّ القِصَّةِ القصيرة من مِصرَ والجزائر. صَدَرَ الكتابُ عن دار سكرايبت بالقاهرة – مِصر، وقد فازَت بالجائزةِ الأولى لاتحادِ الأدباءِ العرب بمِصر سنةَ 2014م.
من مجموعتي القصصية ( سيدة الضباب ) 2023
قد تكون صورة ‏تحتوي على النص '‏اهدرللی افتاناعالل الخبر بورتريه سليمة ..مليزي. مسيرة إبداعية تتوقد بين أدب الطفل وعبق التراث‏'‏

​تغيير شامل بقلم مهدي الجابري .. العراق

 

قد تكون صورة ‏شخص أو أكثر‏

قصة قصيرة جداً

​تغيير شامل
بقلم  
مهدي الجابري .. العراق
​في اجتماعٍ مرتقب، لوّح بعصاه على خارطة العالم الإلكترونية؛ يمحو دولاً ويضمُّ مقاطعات.
استنكر الجالسون في اجتماعه -ممن هم في درجته- فالتفت إليهم صائحاً: "فليخرس الجميع!". عاد إلى لوحته، فوجدها خضراء بلا حدود، وعصاهُ إلى جنبِ القائم.

قد تكون صورة ‏شخص أو أكثر‏

الثلاثاء، 20 يناير 2026

حكايتي الأولى بقلم :عناية أخضر - لبنان


( حكايتي الأولى )
بقلم
عناية أخضر - لبنان

حِينَ التقيتُكَ عندَ مُنعطفِ الرُّجوع ، وقرأتُكَ طَلاسِمَ أسْطورتي ، وأستخرجتُ مِن حُروفِ إسمِكَ مَعاجمي .. لَمْ أكُن أدري ما سرّ لقائنا.. !! ما سر انجذابنا ..!! فاكتفيتُ بأنْ أرَاكَ حِكايتي الأُولَى .. واستجمعتُ مِن اثير حضورك بِدايتي.. لأعلِنَ لكَ عندَ كلِّ مُنعطفٍ بأنَّك انتَ سبب وجودي ، حيثُ لمْ أكنْ قبلكَ إلاَّ همزة وصل بين الجَميع ، وَوَاو عطفٍ بين قلوبِ المتحابَّين.. وفاصلة بين عالمين مختلفين .. ونقطةْ نهائيَّة لكلِّ مأسَاة ..

كنتُ حينها أرَى مصالِحَ الغيرِ رسَالتي ، وسَعادتَهم غايتي ، الى أن دخلتَ عالمي المشحُون بِطاقاتٍ من العَطاء المُستمرّ واستوقَفْتَني لأُعيدَ النَّظر الى ذاتي بأن لها عليَّ حقّ الحَياة ..! ورأيتُك حينها حياتِي ..!

حَياتي الضَّائعة بين طيَّات الأمنيات .. ! تُناشدني بذرةُ حبٍّ مِن نوعٍ كنتُ أجهَلُه ، أو بالأحرى كنتُ أتَجاهلُه خوفاً مِن رهبةِ تجربتهِ ، أو رغبة فيه فأعيشُه ولا أنجُو مِنه .. !!

وكنتُ أُوصِدُ بوجههِ الأبواب ..اخشى من مخبوءٍ لاَ أعرِفه.. وكان ذلك الباب الذي أتيتَني منهُ على حينِ غفلةٍ مفتوحاً اذ لمْ يسبِق لأحدٍ أنْ رآه ولذلك لمْ أكنْ احذرهُ .!

كنتُ لسابقِ وهلةٍ قَد اعتقدتُ بأَنَّ عبورَهُ مستحيلٌ ، لأنَّه من أبوابِ اللاَّ وَعي عِندي .. !

وَاجتِيَازهُ أمرٌ مُستحيل واذا بي .. اتعثِّر عند أَعتابهِ بطابورٍ مِن كلماتِكَ التي لم تكن تشبَه الكلِمات ..!

تُخاطبُ رُوحي وَتتّصِلُ بِها دونَ أَيَّة حَواجز أو عَراقيل . . !

ذبذباتُ أحرفٍ روحيَّة تّصلُ الى أعماقي ولا باب يُغلقُ دونها . . !

قطعتْ كلَّ عَوائق الممكِن لترسَخ في اعماقِ ذاتي رُسوخ الذَّات مِنها والتحمتْ فكان لِشطريها اندِماج لا يُفَكُّ انصِهاره .. !

هناك في تلك الآونة حاولتُ انْ أُحَرِّرَ نفسِي منك فكنتُ كلَّما حللتُ رابطاً بيننا امتدَّتْ رَوابِط أخرى أمْكَن منه وأكثر إندِماجاً ..!!

أَهُوَ كان المستحيل بعينهِ ما أَفعل ؟!

أَم كانتْ ذاتي هي نفسها التي تزيدُ الوثاقَ تعلُّقاً بحضوركَ بين مساماتِ ربوعِها؟!

وتتشبَّثُ بكَ خِلسةً عنّي لا تُريدُ الإنشطار .. !!

ما حصل اعرفه.. وأعرف انَّه لمْ يكن عمداً لقاؤنا ولكن ايضا لم يكن عمداً أنْ لا تُفارقني أنفاسُك المتأرجِحة بين قلبي وأوردة فؤادي النابض باسمك.!

وكأنَّني بتُّ لا أعتزلُ الانفاسَ.. بلْ أحتبِسُها لأنَّها انت !

دونَ مُنافس ..!

كم كنتُ أَلُومُ المستضعفينَ في الحب.. كيف لا يتمرَّدون عليه ولا ينبذونه !؟! 

فلمْ يكُن الحبّ عندي إلاّ بابا من ابوابِ البلاءات الدنيويَّة ، أرغبهُ .وبقدرِ ما أَرغبهُ أَخافه ، فاكتفي بأنْ أكتبَ عنه وأتركهُ بعيداً عن التماسه مشاعري ، حبراً على ورق.. !

كنت المرشدة لمن سَلكَ طريقه أنْ يَضيع ، والمسعِفة لمنْ عانَ عِلَّته ، أو ذاقَ ألَم الفراق واحتضَرَ شوقاً للقاء.!

كنتُ أواسي قلوباً أنهكها الحنين وأبُلسِم جراحَ المتألِّمين.. الوالهين عشقاً. يسامِرون القمَرَ على هداَةِ الموت السَّاكن أطراف الغياب ..

وإذا بي طبيبٌ يُداوي النَّاسِ وهو عليل ..!! .

كَم غَدرني دُخولكَ حياتي خِلسةً على أنَّك عابرَ سبيلٍ ، وإستوطنْتَ في قلبي وطابَ لكَ المَسكَن !!

تمنَّيتكُ انْ لا ترحَل وانا أُظهِرُ لكَ عكسَ ذلك تماماً من أَجل أنْ ترحَل ! وكم كان يقتلني الرّحيل !!

أَهُوَ العشقُ انفصامٌ في الشخصيَّةِ فَأهْذي بين تقيضَين ..(بقاؤك ورحيلُك) .. ؟!

أم التحامٌ ووفاقٌ ووثاقُ عقلٍ مجنون يطلبُ المزيدَ في سَكراتِ العشق الممنوع ووَهْم الِّلقاء عندَ مفترقِ العمر ..!!؟

ما كنتُ أدري ما الحِكاية في بَادئ الأمر غيرَ أنَّكَ لستَ كالباقين عِندي ، كان لحضورِكَ لَون آخر ولِكلماتِك لحن آخر ولعينيكَ بريق آخر ، وكنتَ أنت آخِرَ بِدايةٍ لي أَعيشُها .. !

عِندمَا سأَلتُكَ يوماً مَن أنت ؟ وكان جَوابك : لا أدري " علمت انك “انا” وأنَّي نصفك الضائع وبدونِك لا أكون . .!

ودخلتُ دوَّامةَ فِكركَ وعشتَهُ بكلِّ خَبَاياه فوجدتُ فيهِ صُورَتي الأصِيلة وهوِيَّتي التي كنتُ قد افتقدتُها منذ زمن وانا ابحث عن خيط أملٍ رفيعٍ في مكبّ الذّكريات..!

كمْ مِنَ الحَالاتِ عشتُ حِينها بين مدِّكَ وجَزرِكَ ، ووعيِكَ وهذاينِك ، وهُدوئك وغضبِك ،وجُنونِك وعقلنتِك ..!! كمَا فصول السَّنة لمْ تثبُتْ على حالٍ .. !! الى أنْ جَاءَ تِشرينُكَ وعَصفَ طبعُكَ الحادّ الذي تخطَّى حدودَ الصَّبر عندي وقرَّرنا الإنفصَال . . .

كَتوأمٍ مُلتصِقٍ بقلبٍ واحدٍ عندَ إنسِلاخِهمَا يَمُوتانِ مَعا .. كَذَا متْنَا …

وَهَكذا تكونُ نِهاية تَوائم الرُّوح بعيداً عن اتِّصال المادَّة فإنَّها تُختارُ الموتَ المؤقَّت من اجلِ حياةِ الخُلود .. وتنتهي الى مَلجئها الأوَّل الذي يَرعَى بعينهِ أرواحَ السَّالِكين اليهِ

 ..

خاطرةٌ من روايتها " عندَ مُنعطفِ الرُّجوع"

عِنايَة خَضراءُ عَامِل

جـــــريـــــدة الشـــــــروق الأدبيـــــــــــة \ on Twitter

(بين المطرقة والذاكرة) بقلم : لينا السعدي - العراق

(بين المطرقة والذاكرة)
بقلم 
لينا السعدي
العراق 

في شارع الرشيد في بغداد، حيث تختلط الذاكرة برائحة القهوة، يجلس( الحاج خضير) في دكانٍ صغير بسوق الصفافير، يطرق النحاس كما لو كان يوقظ زمنآ نائمآ. تعلّم الحرفة من أبيه طفلآ، فصارت مهنة وهوية وطقس حياة. يخرج بعد الفجر، ويعود متعبآ، راضيآ.
كبر أولاده الثلاثة بين صوت المطرقة، ثم غادروه: مهندس، محامٍ، طبيب. رأوا في عمله بقايا زمنٍ قديم، بينما رآه هو امتدادآ لروحه. ومع تراجع الطلب، بقي في دكانه، ثابتآ كجذع نخلة. وحين حاولوا إقناعه بترك السوق، سمع في نصحهم خجلآ لا شفقة. تساءل بصمت: هل يصدأ الإنسان إذا تُرك بلا اعتراف؟
دخل عليه سائح أجنبي، توقف طويلآ دون كلام، كأن القطع تُخاطبه بلغةٍ يعرفها. مرّر أصابعه على النحاس بحذر، وسأل عن السعر. حين قال الحاج خضير الرقم، ابتسم السائح وهزّ رأسه: «أريدها كلّها». سكت الحاج لحظة، ثم أبعد بعض القطع جانبآ وقال بهدوء لا يقبل المساومة: «هذه ليست للبيع… هذه أنا». نظر السائح إليه، لا إلى القطع، وطلب أن يسمع الحكاية.
وبعد أيام عاد السائح بفريق تصوير، يوثّق الحِرف المنسية. انتشر الفيلم، وعاد الناس، لا ليشتروا فقط، بل ليسمعوا.
شاهد الابن المهندس الفيلم مصادفة، فرأى يدي أبيه كسجل عمر. أخرج دلة قديمة باسمه، وفهم متأخرآ. سمع المحامي زملاءه يمتدحون الحرفي العراقي، فصمت لأن الاعتراف كان أثقل من الصمت. أما الطبيب، فقال له مريض مسنّ: «تعبوا ليصير أبناؤهم شيئآ آخر». فعرف أن أباه لم يكن عنيدآ، بل خائفآ من المحو.
اجتمعوا تلك الليلة. بلا تبرير، بلا كلام زائد. وفي الصباح دخلوا الدكان وقالوا: «نحن آسفون… نريد أن نتعلّم».
نظر إليهم طويلآ، ثم وضع مطرقة على الطاولة:
«ابدأوا من هنا… من الصوت».
وعاد النحاس يرنّ، لا كذكرى، بل كحياة تُورَّث.

الاثنين، 19 يناير 2026

زفرات البجع بقلم : كاظم احمد احمد - سورية

 

لا يتوفر وصف للصورة.

زفرات البجع

بقلم  

كاظم احمد احمد- سورية

دَنوتُه تَوقا و قَصيدُه صخب
يُراقص الريحَ بلا كلل ولا ذَعِن
سألته: ما لك تخرجُ من حالك؟
أاستوحشتَ الدارَ؟
أمْ ما عادَ لَكَ في البال مطرح ؟
كنتَ السفينةَ تكسرُ الأمواجَ
تميلُ بتُوَّجهِ دَفتي لأَنَالَ
خَيَّمَ الصقيعُ على دروب المدى
سدَّ المفارقَ و ضبابٌ أفقدَ الأبصار
كَونٌ تَصَغَّر في الإنسان
أضحى بلا شمس ولا قمر ولا أحباب
يَنتظر بقَّةً أو شَرْقَةً أو آفةً كي يرقد أبدا
بقايا بشرٍ على طينٍ ولا غراب عَلَّمَ من كان
گجيفة و هيهات أن يتقبلها الخرابَ
لتَصمتَ قُبيلَ الفجرِ جَوقةُ غناء الطيور
ويستطيل الصَّريمُ و تَهتزُّ الأرضُ فقدانا
قد أضحت الأرضُ مزرعةً بلا غفر
رغم سقوط الثلج جلباب البياض
كاظم احمد احمد-سورية
لا يتوفر وصف للصورة.

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة