Translate

السبت، 16 يوليو 2022

قصة قصيرة مقابر متنقلة بقلم / سلوى الإدريسي المغرب


 قصة قصيرة

مقابر متنقلة
بقلم / سلوى الإدريسي 
المغرب

كنا ننتظر سماع آخر الأخبار ، ملتصقين بالمذياع ،(أمي ،أبي، أنا، قطتنا سوسو)

ضرب أبي المذياع بيديه ،كأنه يضرب المذيع كي ينطق،مرت تلك الدقائق كأنها عمر كامل ؛بدأت أمي تجهش بالبكاء وتعانق أبي ،كأنها طفلة في الرابعة ، لم أستوعب ما كان يحدث ،إلا عندما بدأت أمي بجمع الحقائب ، او ربما لم أدرك عواقب ذاك الخبر رغم أني استوعبته جيدا ،...بحث عن قطتي سوسو ، في أرجاء المنزل محاولة الإستئناس بوجودها ، كانت تختبئ تحت طاولة الطعام ، إنها عادتها عند سماعها صوت الطائرات الحربية ، كان يوما هادئا إلى حد ما ، فلم نسمع دوي انفجار، أو صفارة إنذار ..
بدأت ملامح ذاك الخبر ترتسم في الأفق ، أمامنا أربع وعشرين ساعة لإخلاء البلدة ، ووقف إطلاق النار ، سمعت أبي يقول لأمي وهي منهمكة بجمع ذكرانا من منزلنا الحبيب : "منذ متى وهؤلاء الأوغاد يلتزمون بالهدنة"
لم أسمع إجابة أمي ،رأيتها فقط تمسح دموعها بقطعة قماش ،كانت تضعها على رأسها عندما يطرق أحدهم الباب...
بعد مرور نصف المدة المحددة أصبحنا جاهزين ، حقيبتان وصندوق "سوسو" لاغير ، تركنا أغلب أشيائنا ،علها تستفيق يوما وتدافع عن هذا المنزل الصامد...
الشمس ترسم قرصا ينقصه التوهج ، وتغرق في بطن الأرض محاولة الإختباء من أشباح الظلام، ،تجمع جميع سكان البلدة ، او ما بقي منهم ...(بعض اليتامى،نساء حائرات، معطوبون )، حملنا أمتعتنا ، وغادرنا البلدة كطيور مهاجرة ،تبحث عن قطرة ماء ،ونحن نبحث عن قطرة أمل...
مشينا كيلومترات طويلة على أقدامنا ،لنصل إلى المكان الذي سنجد فيه الحافلة التي ستقلنا، ...طلب منا أحد سكان البلدة أن نستريح قليلا لناكل بعض الطعام، جلس الجميع على الأرض ، وبدأنا نتقاسم قوتنا ، رائحة الطعام كانت غريبة بعض الشيء ، أمسكت حصتي من الطعام أعطيت القطة بعضا منه ،لكنها لم تأكله ،كانت محشورة في زاوية الصندوق كأنها تشعر بخطر قريب ...
ماهي إلا لحظات حتى ظهرت قيامتنا في الأفق ، طائرات سوداء ومروحيات ، تسلط أضواءها فوق رؤوسنا ، كأننا سجناء هاربون من العدالة ، تفرق الجمع ، كل يفر في اتجاه ، كبيت نمل دهسته أرجل عابرة ...
احتمينا بالصخور، بالشجر ، بالتراب ، كان البعض ينادي ،يارب السماء ، يا رب السماء...
غادروا وتركونا نتقلب في ضوضاء خوفنا ،هل نكمل المسير؟ أم ننتظرهم هنا ، لأننا نعلم جيدا أنهم لا يوفون بالعهود. ...
لا أدري لماذا لم يقتلونا ؟ أم أنهم تركونا لنعيش الألم أضعاف مضاعفة ،ألم فراق الوطن ، وألم الحياة بلا مصير ...
وصلنا أخيرة إلى الحدود ،حيث توجد مخيمات النازحين ، إستقبلتنا الصحافة ،لتلتقط لنا صور العار ،التي ستبث في جميع القنوات ، ...لقد رأيت صوتي مع أبي في إحدى القنوات ،كانت المذيعة تقول :(كم هي جميلة عيون الفقراء)......لسنا فقراء ،بل نحن أبناء عز خذلنا الأذلاء .
قصة قصيرة
مقابر متنقلة
بقلم / سلوى الإدريسي 
المغرب

طبيب .. مريض ! بقلم لقاء شهاب زنكنة العراق


 

طبيب .. مريض !
بقلم
لقاء شهاب زنكنة
العراق
فوق سدية الطبيب النفسي ، الرمادية اللون والانيقة ، كانت تستلقي هي بلا هوادة وغير مبالية لاتشعر بالاكتراث للطبيب ولموقفها الحالي ..
نظراً لما يتمتعهُ الطبيب النفسي من ذكاء ، شعر بما تريد ارساله من رسائل بلغتها الجسدية .. وضع القلم والنظارة ومفكرته جانباً ، وجلس مجلس المهتم لأمرها ، قائلاً :- حسناً .. عرفيني بنفسك .
تجيبه بهدوء وسكينة :- ولماذا تريد معرفة اسمي ؟ هل سيغير من علاجي في شيء !
يضحك الطبيب بعدما احس بذكائها ويقول :- كلا ، فقط للتخاطب فيما بيننا .
هي :- اذن سمني ما شئت ، بماذا يوحي لك مظهري ؟
الطبيب بعدما فكر :- ااااا … هند ؟
هي :- ولماذا ؟ الطبيب :- لايعجبك ؟
هي :- على العكس ، هي شخصية قوية جداً وتستطيع استرداد حقها بنفوذها .
الطبيب :- نفوذ الكفر قوي ، ولكن …
تقاطعه :- اعلم .. اعلم .. اقصد قوة ارادتها وليس دينها ، كما تريد التوضيح ..
الطبيب :- مارأيك لو نتبادل الادوار ؟
اعجبتها الفكرة وشعر باهتمامها وهي تقفز من الشيزرون وتقول :- تفضل .
يسايرها ويقول :- حسناً .. أنا السايكو وأنت ِ الطبيب .. إسأليني .
وبدأت رشقه ُ بالاسئلة والحزن يلمع في عينيها :- لماذا كلما نفتح قلوبنا بالحب والطيبة ، يقابلنا الاخرين بالغدر والخيانة ؟
لماذا يكذب الجميع على شخصٍ مقصود ، ولايفكر ون كيف يواصل ذاك الفرد حياته بعد يعلم الحقيقة ؟
وحين يرفض العودة اليهم يبتزونه باعز شخص عنده ؟
كيف يكون القسط من هؤلاء ؟ اين العدالة الالهية ؟
كان الطبيب يتوه ويتوتر اكثر واكثر مع كل سؤال ويعبر عن ألمهِ بحركاته .. وبعد توقفها عن اطلاق رصاص الاسئلة ، جلس وقدماه على الارض ويداه وعيناه ولسانه ينطق .. لا أعلم !!
هي :- تلك مشكلتي او … مرضي ..
الطبيب متألماً:- ومشكلة الكثيرين غيرك .
هي :- والعلاج ؟
الطبيب :- مواصلة الحياة مع هذا الالم !!
تمت
بقلمي
لقاء شهاب زنكنة
العراق
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، ‏‏وقوف‏، ‏حجاب‏‏‏ و‏منظر داخلي‏‏

ليته ظلَّ حلماً بقلم / آزا محمد سعيد حسن سوريا


ليته ظلَّ حلماً

بقلم / آزا محمد سعيد حسن
سوريا
- ليته ظلَّ حلماً -
_إنها المرة الثالثة ...
للمرة الثالثة يراود ريما الحلم ذاته:
" جالسة في مقهاها المفضل تشرب الشاي، يلوح لها شابٌ من بعيد..إنه وسيم بعينين سوداوتين صغيرتين وبشرة بيضاء ، تراه يلوح لها ونسيم الهواء يداعب شعره السابل..
تنظر باستغراب إليه وابتسامة خجولة ترتسم على وجهها الطفولي، يحاول قول شيء لها.. فالمسافة بعيدة بينهما ولا تستطيع فهم كلمة منه".
-إنها المرة الخامسة ترى الحلم نفسه... "لا يزال يلوح لها وهو ينطق جملا لا يمكنها سماعها ، فتكتفي بابتسامة صغيرة..."
_إنه لأمر غريب أن يتكرر الحلم نفسه بكل تفاصيله، حاولت ريما البحث عن أي تفسير له ...لا جدوى، أمها أخبرتها ألا تعطي أهمية للحلم فهذه أضغاث أحلام... لكنه شيء ما بداخلها لم يقتنع وظلت مستمرة بالبحث، تحاول استرجاع ذاكرتها لعلها التقت به ...لا جدوى أيضا، فهي لم تقابله قط.
_في إحدى الصباحات بينما ريما ذاهبة لعملها، تركض هنا وهناك لتلحق بباص العمل ، تصطدم بامرأة كبيرة في العمر جعلت حقيبة المرأة تقع وأغراضها تتبعثر على الأرض ، تجاعيد وجهها تحكي قصص وحكايات كثيرة والشيب اخذ من رأسها موطنا ...
_آسفة يا خالة، كنت مستعجلة ولم أنتبه.
_لا عليك يا صغيرتي.
انحنت ريما لتلملم الأغراض وتفاجأت بصورة وقعت مع الأغراض ... مهلا، إنه هو .. ذات الشاب الذي في حلمي ...
ظلت لبرهة وهي تنظر لصورة الشاب ودفعها فضولها لتسأل : لا أقصد التدخل يا خالتي لكن من هذا الشاب؟ أتعرفينه!!
ابتسمت المرأة ابتسامة صغيرة : أنا التي أعرفه ولا يعرفه أحد مثلي، إنه خالد ابني الوحيد .
اعترى الفرح ريما، فقد عرفت اسمه ويتعرف من هو بعد قليل : أين هو ؟ هل سيأتي إلى هنا الآن ؟!!
_ لكن سرعان ما تبدلت مشاعر الفرح وخيّم الشحوب على وجه ريما حين سماعها لكلمات تلك المرأة وهي تسارع لمسح دموعها التي انهمرت على خديّها : لن يأتي، توفي منذ شهرين ... صدمته حافلة وهو في طريقه ليعترف بحبه للفتاة التي أحبها وظلّ يحدثني عنها... لا تزال الفتاة لا تعلم بحبه الكبير لها.
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، ‏‏شعر طويل‏، ‏وقوف‏‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏

الخميس، 14 يوليو 2022

ق ق.. للمسابقة.. جريمة شرف..؟ بقلم / سالم سلوم سوريا



 ق ق.. للمسابقة..

جريمة شرف..؟
بقلم / سالم سلوم 
سوريا
في غرفتها المظلمة.. جلست تفكر كيف.. وكيف وصلت إلى هنا.؟.. . أهذه هي الحياة..؟..
والأحلام التي رسمتها.. ..
ذهبت أدراج الرياح.. تقول في نفسها.. أنا الآن مجرمة قاتلة..!
في عرف القانون..رغم ما أحمله من شهادة عالية....
مثلي مثل أي قاتل أو لص.... لاجديد سوى التحقيق اليومي بجريمة قتل هزت أرجاء المدينة.. والحديث يكثر والأقاويل أكثر.. زوجة تقتل زوجها مع عشقته.. زوجة مضطهدة قتلت زوجها مع جارتها.. وو...
طال بها المكوث في هذه الزنزانة اللعينة.. بعض الزيارات من الأهل والأصدقاء. بين الفينة والأخرى.. لحين موعد المحاكمة.. رفضت توكيل محامي.. إقترب موعد محاكمتها. إقتادوها ذات صباح الي مقر المحكمة. ولجت القفص الأسود.. بهدوء. أمام القاضي ملف القضية. مع ثلة من المستشارين.. وبعض الحضور في قاعة المحكمة. لم تكترث بهم..فقط أمها الباكية مع أخ لها كانا من بين الموجوين.. أحست بقوة تدب في أوصالها..القاضي.. نادوا على المتهمة بجريمة القتل العمد.. نادى المنادي باسمها.. ردت بهدوء حاضر سيدي القاضي.. يسألها هل تضيفي شيئا لأقوالك السابقة.. واعترافك بالقتل العمد عن سبق الإصرار..؟ المتهمة بريئة ياسيدي. إن سمحت لي سأقول لك أمام المحكمة الموقرة كيف حصل ذلك.. عشر سنوات من الحب تخرجنا معا من الجامعة. بنينا أحلاما كبيرة.. واسسنا منزلا معا.. ومنذ سنتين تزوجنا عن محبة وتوافق لم ابخل عليه يوما. ولم أقصر بواجباتي تجاهه.. احب ما يحب.. أكره ما يكره.. يدي بيده في العمل.. مشتركان بكل شيء.. اعشقه أوليس هو زوجي.... يوم الحادثة كنت في المكتب أحسست بتعب في جسدي.. وعلى غير عادتي رجعت إلى البيت باكرة.. وزوجي في عمله أعلم ذلك.. وصلت البيت فتحت الباب واغلقته كالعادة اتجهت نحو غرفة النوم.. من البهو وقبل وصولي إليها بلحظة سمعت طرطقة داخلها. قلت في نفسي لابد وأن هناك لصا في المنزل. هل اتصل بزوجي ماذا أفعل أأصرخ....!؟ لا لا. في درج صغير في البهو زوجي يضع مسدسه. فتحت الدرج واخرجت المسدس. اتجهت بهدوء نحو غرفة النوم ثانية. أمسكت قبضة الباب بحذر. فتحته كم كانت صدمتي كبيرة...! كم كانت كبيرة...؟!.
سيدي..
زوجي على فراشي مع أنثى غيري... فقذت أعصابي جن جنوني. أحسست بأنه قضى على أنوثتي. خان كرامتي.. قتل كبريائي.. مزق كياني.. أراد أن يشرح لي. توسل...
.. لم أسمح له.. لم أصغِ إلى ترهاته..وخداعه..
لا أعلم كيف في هذه اللحظات العصيبة. خرجت الرصاصات.. وتركتهم يتخبطون بدمهم..
إلى أن فارقوا الحياة.. وسلمت نفسي إلى الشرطة.. سيدي القاضي انا قتلته دفاعا عن شرفي عن كرامتي المهدورة...
أعترف بقتلهم... .
لكن عن غير قصد... .
سيدي القاضي..
يقولون بأن الرجل يحق له الدفاع عن شرفه.!...
والأنثى ألا يحق لها..؟..
أنا غسلت عاري.. أحكم علي ّ بما تشاء..
أرجوك سيدي. قبل أن تصدر الحكم. لو كان زوجي يقف مكاني الآن.. بما ستحكم عليه..؟..
أنا ياسيدي..
فتاة منكسرة.. من الداخل.. فاقدة الثقة...غير متوازنه... فقدت حينها أعصابي.. بريئة. ياسيدي.
.إحكم عليّ بما تشاء....
القاضي. . بعد المداولة التدقيق.. الجلسة ألآن للنطق بالحكم..
بسم الشعب قررت هيئة المحكمة. بالإجماع مايلي......... ؟؟؟! ..
✒️
سالم سلوم  - سوريا
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏تحتوي على النص '‏سالم ندیم سلوم‏'‏‏

رغبةٌ مؤجلة ( قصّة قصيرة ) بقلم / عاشور زكي وهبة / مصر


 رغبةٌ مؤجلة
( قصّة قصيرة )
بقلم / عاشور زكي وهبة / مصر

**********************
ذاتَ شفقٍ، كان جالسًا على رأس حقله الأخضر، أسفل شجرة التوتِ العتيقةِ، على شاطيء الترعة الغربيَّة، يرتدي جلبابًا أبيضَ ويتصفَّحُ كتابًا ضخمًا عابثًا في ذقنه المُشذَّبِ؛ أحسَّ بوقعِ خطواتٍ حثيثةٍ يقتربُ في الجوارِ؛ رفعَ رأسَه فهالَهُ ما أبصرَ..
رآها غير بعيدٍ على الشطِّ الثاني، تتجرّدُ من ملابسها الواحد تلو الآخر؛ أغلقَ الكتابَ وغضَّ البصر.
خالهَا جنيَّةَ الغروبِ؛ همَّ بالقيامِ مهرولًا تجاه البلدةِ. استوقفه نداؤها وصياحها باسمه؛ دقَّ قلبًه واهتاجَ عقلُه.
خاطبَه قلبُه اللاهثُ: عسى أن تكونَ في ورطةٍ.. هيَّا اقتربْ.. اعبرْ المانعَ!
صاحَ به عقلُه الثائرُ: إنَّها فتنةٌ .. هيَّا ابتعدْ!
جذبه القلبُ: استفتني! إنَّها مُضطَرَّةٌ، وتستجيرُ بكَ.
بعدَ التشتتِ، انتصرَ القلبُ المُتقدُ على العقلِ الراشدِ. اجتازَ الترعةَ، فتحتْ له ذراعيها، وقد توهّج منها الوجه ونفرت العروقُ. انتفضَ الجسدانِ المُتعانقانِ، قالَ لها مُتلعثمًا: ماذا بكِ؟ وما بُغيتُكِ؟!
ردَّتْ شفتاها القرمزيتّانِ في شبه انهيارٍ:
- أريدَ.. يدكَ.. أنتَ.
- أنا.. أنا.. لكن!
- نعم! أنتَ لي وكلُّ حياتي.
حاولَ التملُّصَ منها؛ لكنّ كلَّ أعضائه وجوارحه ثارتْ ضدَّه. حملها بينَ ذراعيه، وهي تنظرُ إليه ضاحكةً بعينينِ كاحلتين وثغر باسمٍ أفلجَ الأسنانِ، تعبثُ بأناملها الرشيقة في شعيراتِ ذقنه الخفيفة.
من خلف أشجارٍ عاليَّةٍ، انبلجَ قصرٌ مشيدٌ يعجُّ بالخدمِ والحشمِ المُحتفين:
- مرحبًا سيدنا، تفضلا على الرحب والسعةِ!
ولجَ حاملًا غنيمته إلى إحدى الغرفِ المُعدَّة بسريرٍ وثيرٍ، أنزلها برفقٍ، مال ناحيتها، شبَّكتْ يديها حول رقبته وتمازجا، ذابا في عسل الحُبِّ. فُضَّ الغشاءُ فارتعدَ وشعرَ بثقلِ الخطيئةِ...
فجأةً تفجَّرتْ من تحتِ الأقدامِ العيونُ المُتدفِّقَةُ كأنما كانت ترقبهما من زمنٍ حتّى مجيءِ اللحظة الحاسمة.
هرولا إلى الخارجِ تتبعهما العيون الجاريّةَُ، توقّفتْ، أسرعَ بمفردِهِ بأقصى قوّتَِه، وهي تتابعُ وثباته وتخبطاته.
انهمر المطرُ مدرارًا، حينما وصل إلى الترعةِ الّتي صارتْ خضمًا عظيمًا. تذكَّرَ الطوفانَ وسفينة نوح دون وجودٍ لجبلٍ يعصمه من الماء أو أثرٍ لسفنٍ. جالَ بخاطره موسى وعصاتَه؛ لكن أين هو من موسى؟!
واصلَ هروبَه حتّى سقطَ في جُبٍّ عميقٍ؛ صاحَ مؤنبًا نفسه: أين أنتَ يا يوسف الصدِّيق؟!
رآها تقف فوق البئر المعطَّلة تضحكُ طارحةً رأسها للخلفِ وشعرها العاصفُ يغطي وجهها فتدفعه للوراء ضاربةً كفًّا بكفٍّ ولم تزل تقهقه. مرَّ بذهنه الشيطانُ وآدمُ عاري الجسم يخصف عليه من ورق الجنَّةِ وسط سخرية زعيم الجِنَّةِ الشامتة.
هبَّ من نومه مذعورًا، طفقَ يستجير ويستعيذُ بالله قارئًا آية الكرسيّ، وانطلقَ قرآنُ الفجر من المسجد المجاورِ؛ قام فاغتسلَ وسارَ إلى المسجدِ للصلاةِ...
فكَّرَ في حلم الليلةِ، تذكَّرَ الفتاةَ التي واقعها، أدركَ أنَّها عذراءُ القرية ذاتَ الخُلقِ المُباركِ والجمالِ الخارقِ.
تقدَّمَ لها الكثيرون فنالوا الرفضَ والإعراضَ دون استثناءٍ.
تذكَّرَ أنَّه أطالَ النظرَ إليها بالأمسِ فتبسَّمتْ؛ لكنَّه استعاذ بالله ساعتها على الرغم من أن خيالها لم يفارق عينيه. أدركَ أنَّه الوحيدُ الذي لم يتقدَّمْ لها وقد توفتْ امرأته بعد زواجٍ قصيرٍ نتيجة مرضٍ لم يدمْ طويلًا.
سألَ نفسه: لم لا أنال شرف المحاولة؟ هل ستقبلُ أرملَ؟!
صلّى ركعتَىّ الاستخارةِ فَهُدِيَ إلى خطبتها.
ارتدى حلة جديدة وتعطر، وخرج يحث الخطى، يدفعه شوقه إلى حيث منزل والدها في أقصى البلدة...
استوقفه صراخ وعويل، استعاذ من الشيطان الرجيم، وانطلق مندفعا إلى مصدرهما ليجد نفسه أمام بيتها الذي تأكله النار، والناس تتآزر لإخماد الحريق.
دفع الباب المشتعل، وجد النار تحاصرها من كل جانب. خلع حلته وألقاها عليها كاتما اللهب، حملها بين ذراعيه منتحبا.
تحركت شفتاها المحترقتان باسمه باسمة:
_ لقد تأخرت كثيرا، فلنلتقي إذن في جنة الخلد عند مليك مقتدر!
ثم لفظت أنفاسها الأخيرة.
"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
عاشور زكي وهبة / مصر
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏لحية‏‏

صدى السراب بقلم / علاء العتابي الولايات المتحدة الاميركية

 


صدى السراب

بقلم / علاء العتابي
الولايات المتحدة الاميركية
جلس يحدث نفسه بصوت شجي ونسمع آهاته تمزجها حرارة الدمع.
ولدي الوحيد البكر، كان كل شيءٍ لي، لابي، لزوجتي وأمي.
تتسارع حركاته مع عقرب ساعتي الصغير، وينام ويغفو على صوت عقربها الكبير!
مرت الفصول الأربعة مرتين وضحى عمره سنتين وفصل خريفه لم يسدل ستائره إلا بأسبوعين وخمسة أيام وعقارب ساعتي دب سمها في أرقام ساعتي ؛ جمدتها بين ضحِيَ وظهيره يومي.
عَلاَ صوت البكاء بفقدان ولدي!
ذب الذعر فينا، لم يذكر لنا مكان لم نفتش به!
حدائق الجيران …. بيوت الحارة وأزقتها…. دكاكين الأسواق! نسأل المارة في الطرقات ونوقف السيارات وأصواتنا تضخمها سماعات الجوامع وهي تبحث عنه في ما تبقى مِن أزقة الشوارع والساحات!
مضت أيامنا حزينه وأمست لياليها سوداء؛ حتى عدت الشهرين والنصف منها مسحوقة ببؤس أحلامي!
لعل طارقًا يطرق الباب ويبشرني بوجود ولدي؛ أو شرطيًا يبلغني مكان اختفائه!
أمنيات بعيدة المنال عن حلمي والخيال.
أستيقظ يا أبني قالها لي والدي: إلا تذهب لعملك وتشق طريق صمتك بتحريك ركود يومك.
شجعتني أمي بحلمها وصبرها والدمعه تترقرق في عينيها: بني بيتنا فرغ من كل شيء وعلبة سجائر أبيك قد نفذ دخانها، أخاف إن أبيع علب حليب أبن ولدي!
هزتني كلماتها وقلبت كياني دمعاتها ودق بابي عوز والدي!
شددت من إزري، نهضت من جلستي، نزعت ثياب الكسل ولبست ثياب العمل!
التقطت عدتي خلف فناء داري، ما إن ألتفت ورتبت نفسي؛ حتى حركت الريح كرة قدمه الصفراء الصغيرة كان يلعب بها؛ دحرجتها بالقرب مِن سدادة فتحة تصريف المياة!
رفعتها وقبلتها، مسحت بكمي دموعي من عليها!
لفت نظري إرتفاع غطاء سدادة الفتحة عن مكانها ب سنتمترين أثنتين ؛ دفعتها بقدمي! ما إن ارفعها تعاود صعودًا برفق!
خفت منها؛ كررت المحاولة قدمي بلا وعي مني فصعدت بقوة؛ إنقلبت على ظهرها فبان ظهر أبني منتفخا!
سمعت صرختي عند مسجد الجامع البعيد؛ أبني مات…….. مات……. مات!
مأذنة الجامع ترد صدى صوت بخشوع: جاء ليلعب على سدادة مقلقلة مكانها أسقطته بفتحتها؛ سدت غطائها فوق رأسه.
علاء العتابي
الولايات المتحدة الاميركية
قد تكون صورة ‏‏‏٣‏ أشخاص‏ و‏ناطحة سحاب‏‏

مرارةُ قلب بقلم / فلسطين/ العراق


 مرارةُ قلب
بقلم / فلسطين/ العراق

كان كل يوم يجلسُ على مقهىً شعبي وقد غزى شعرهُ الشيّب، وبين طيات وجههُ تعب الأيام، وبيدهُ المرتعشة( أستكان الشاي) هذا ما يطلق عليه العراقيين على كوب الشاي. وينظرُ في وجوه المارّة؛ كأنهُ ينتظرُ شخص ما، وآخر النهار يدفع ثمن عدد استكانات الشاي التي يشربها ويغادر دون أن ينطق كلمةُ واحدة، وهو على هذه الحالة من سنين طويلة.
وجدوه ميتاً بعد أن أفتقدهُ صاحب المقهى ليومين متتاليين، في غرفتهِ المزرية المستأجرة القريبة من المقهى، التي كانت فيها بعض بقايا طعام وأواني متسخة، وصورة قديمة لأبنهُ؛ معلقّةُ على جدرانِ الغرفة المتآكلة الوانها، وروحُ هرمةُ عائمةُ تفاصيلها ما بين طراز الأشياء القديمة؛ بعد أن أقنعهُ ابنهُ ببيع بيتهِ؛ ليقبض ثمنهُ ويبني مستقبلهُ ويكمل مشوار حياتهُ.
كان ينتظرُ وفاءً لعهدٍ، قطعهُ ابنه من عشرِ سنواتٍ انهُ سيأتي يوم ما؛ ليأخذه بعد أن تستقر أمورهُ في بلاد الغرب.
أستهلكت خزائن الصبر وتكسرّت سدود الإطمئنان
وهو ينادي من منبرِ قلبه!.. ابني.
زهرة خليل حبيب
فلسطين/ العراق

(حتى الجنيّ طفش) (1) بقلم / سامي نعسان أغا - سورية


 (حتى الجنيّ طفش) (1)
بقلم / سامي نعسان أغا - سورية

لم يعد في عصر الموبايل والإنترنت، والصعود إلى المريخ، لم يعد مقبولاً ولا عملياً المصباح والجنيّ الذي يخرج لك منه ويقول (شبيك لبيك عبدك بين يديك،) فتطلب منه ما تشاء ليحضره إليك بالحال. صار تقديم طلباتك أكثر حداثةً، عن طريق النت. بما يعني أن جنيّ هذه الأيام أشبه بصبي (الدلفري).
على حدود الوطن أُلقي القبض على مجموعة متسللين من طالبي اللجوء إلى سوريا، ثلاثة من ألمانيا، وأسرة من خمسة أشخاص من فرنسا بينها طفلان، وواحد من النمسا وواحد ادعى أنه جنيّ مصباح علاء الدين حضر لإيصال الطلبات.
تم وضع الجميع في أحد مخيمات اللجوء، عدا ذلك الذي ادعى أنه جنيّ. وجدوا معه كرتونةً، مما يوضع فيها الأحذية لبيعها في المحلات، محشوة بالدولارات، كان أن طلبها منه موظفٌ سوريٌ يعمل في إحدى المؤسسات الحكومية، أحضرها الجنيّ له، لكنه لدى دخوله حدود الوطن تم القبض عليه.
أثناء التحقيق مع الموظف راح يشرح للقاضي وضعه والأسباب التي اضطرته إلى اللجوء لجهات أجنبية طلباً للمساعدة.
- أنا يا سيدي القاضي أعمل لدى الحكومة منذ خمسة وثلاثين سنة وراتبي خمسة وأربعون ألف ليرة سورية، عندي ثلاث بنات في المدارس وأنا وزوجتي وبيتي بالإيجار، كل سنة يطالبني صاحب الشقة بزيادة في مبلغ الإيجار حتى عجزت عن السداد، كم تمنيت لو رزقني الله صبياً لكنت خصصته للوقوف على باب الفرن لشراء الخبز، وعلى باب المؤسسة لشراء اللوازم الأخرى المدعومة، ولكنت تفرغت أنا لعمل ثانٍ يسد الرمق. الله وكيلك وصلنا للرمق الأخير يا سيدي القاضي. فأنا موظفٌ شريفٌ لا أسرق ولا أرتشي، لم يبقَ أمامي سوى الاستعانة بمصباح علاء الدين السحري عن طريق النت وطلبت من الجنيّ مبلغا ًيعينني على الغلاء وارتفاع الأسعار ولسداد آجار بيتي المتأخر وقد هددني مالك الشقة بالطرد، لم أعلم أنه سيلبي طلبي بالدولار.
اقتنع القاضي بما قاله الموظف، لأنه يشعر بشعوره ويعاني معاناته، فأطلق سراحه بضمان راتبه. غادر الموظف وهو يردد بسرّه: (إيش يحصل الريح من البلاط، قال بضمان راتبه قال.)
بعد يومين من التوسع في التحقيق مع الجنيّ في القبو، اعترف بما نُسب إليه. اختار المحقق من بين مجموعة من التهم الموجودة لديه ما يتناسب مع حالة هذا الدعيّ. وُجهت إليه التهم التالية:
- دخول الأراضي السورية بطريقة غير مشروعة.
- عدم حمله وثائق تثبت شخصيته، بطاقة هوية، أو جواز سفر، أو البطاقة الذكية، أو حتى المصباح السحري.
- انتحال صفة جنيّ مصباح علاء الدين ولم يكن بحوزته مصباحٌ،
- حيازته على كمية كبيرة من الدولارات بقصد المضاربة على الليرة السورية، وهي في قمة مجدها، وتخريب اقتصاد الوطن.
تم الحكم على الجنيّ بالسجن مدة خمسة عشر سنة مع الشغل والنفاذ، ومصادرة المبلغ الموجود بحوزته لصالح خزينة الوطن، وتغريمه ضعف المبلغ.
ولأنه جنيّ ابن جنيّ والعياذ بالله، استطاع الهرب مغادراً الوطن بنفس الطريقة التي حضر بها، متسللاً عبر الحدود. تقدّم بطلب لجوء إلى ألمانيا، وقرر عدم العودة إلى سوريا أو تلبية طلبات السوريين.
حتى الجنيّ طفش من سوريا.
• سامي نعسان آغا، سوريا 17/2/2021
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏منظر داخلي‏‏

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة