Translate

الثلاثاء، 14 فبراير 2023

الدرويش وأهل القرية للكاتب المبدع / عبد العزيز عميمر الجزائر

 الدرويش وأهل القرية

للكاتب المبدع / عبد العزيز عميمر

 الجزائر

يسير بسرعة،وينظر للأفق البعيد،طويل القامة، لباسه تعلقت به الأوساخ،أمّا شعره فطويل،يتدلّى على كتفيه،خصلة تلو الأخرى،شبيهة بالضفائر، ضفائر لفّها الدهر،وزادتها الأتربة التصاقا،شعره لم يعرف الماء منذ مدّة، أما المشط فيخاف على اسنانه،لذا لم يزره، ، يبدو شعر كعش اللقلق الذي يفضّل الأعمدة الطويلة ليعشش، ويرعى صغاره.
من حين لآخر يتطوّع واحد من أهل القرية فيأخذ الدرويش لمصبّ ماء شبيه بالشلاّل،موجود في منحدر الوادي،لكنّه صعب المسالك ،لا تجد أين تضع قدميك لكثرة الحجارة والأشواك والتوائه وكأنه ممر ثعبان حفره أثناء زحفه ، يغتسل الدرويش ويتبرد،فيتحوّل إلى صفّ الآدميين، ويتلاشى خوف الأطفال، وتطفو شجاعتهم على صفحة الطمأنينة.
السّكان لا يعرفون الكثير عن الدرويش،نهضوا ذات صباح وفتحوا أعينهم فكان أمامهم ،هو لطيف ومهادن لا يؤذي الناس،لا يتكلم إلا نادرا،حتى ظنّ الكثير أنه أبكم، وإذا تكلّم يرمي مفردات وجملا بالمعاني ،تحتاج للشرح والتفسير،كما يقول أهل القرية، لذلك يحسنون إليه، فيطعمونه .
أثر الدرويش في بعضهم بتنبؤاته لأنها تصدق أحيانا،ويمدهم بقوة العزيمة والطاقة الإيجابية،صار طالعهم ومبشرهم بالخير، : هذا العام ،هو عام الخير ،عام القمح مع الشعير،وعام الخرفان والحليب ،وإذا رأى امرأة حاملا : يعيش ويأتي ومعه رزقه، وبيده مفتاح .
الفقر لم يترك لهم شيئا ، لذلك فكلام الدرويش مسحة حنان، وبريق نجدة، فتمتدّ أعينهم وينزع عنها الحجاب ، ويدخلون ( مغارة علي بابا) فيغنمون على عجل مالذّ وطاب، ويمتطون أحصنة بيضاء مجنّحة،يطوفون بها في البراري ويرون مدفونهم يخرج من اللاشعور خلسة عن الأنا المراقب، فيحسون بأنه يتحقق فيعيشون لحظات سعادة وحبور مسروقة من الزمن، ويغرسون شجرة امتدادهم في التقدير الذاتي.
فتحت قلوب أهل القرية للدرويش،فإذا غاب سألوا عنه،لا يرغبون في غياب فألهم وطالعهم،لقد أنبأهم ذات مرة بمجيئ عواصف رعدية وسيول،ومادامت لغته بالمعاني لم يفهمه إلا القليل،في تلك الليلة اكفهرت السماء واسودت وانفجرت الرعود بقوة القنابل فارتجفت واقتلعت قلوب أهل القرية ، هولا وفزعا، وحملت الفيضانات ما حملت ! وهدمت بعض البيوت ،وأخذت فلسهم المدخر،كان قبلها الدرويش قد أشار وهو يصيح : أهربوا! أهربوا! جاءت كرة مكوّمة سوداء،تأخذ الشجر والحجر ! أهربوا!. الفوق،الفوق،غطوا رؤوسكم ،يارحيم غطينا بجناحك.
مدة من الزمن وخيط المودة قائما بين الدرويش وأهل القرية،إلا أن جاء ذلك اليوم حينما أمسك بعض الشباب الدرويش وكتّفوا يديه، بغية محاكمته،لكفره وادعائه معرفة الغيب،وميل الناس إليه دونهم،وهبّ القرويون لساحة الزيتونة،كبيرهم وصغيرهم،وقد اختمر غضبهم ،واقترب انفجار بركانهم ، وحان تفقيس بيضهم، إنه بيض الديناصور،عازمين على نصرة حلمهم خوفا من سقوطه، لأن ذلك يدمي قلوبهم ،ويذهب ببريق أملهم ،هي فرصة لنصرة حلمهم ،وسحق خوفهم ، وحماية درويشهم ،إن تعرّض لأذى من قبل هذه المجموعة التي يسميها أهل القرية بالفرقة الضالة التي فهمت الدين بالمقلوب، وأعطت ظهرها للحب وخاصمته ،وقذفت التسامح،وتصالحت مع ( دراكيلا ).
قرئت لائحة الإدانة والتهم ضد الدرويش والكلّ ساخص بأعين مسمّرة ،وتوقفت عقارب الزمن عن الدوران ،وساد هدوء رهيب حذر،حتى الأنفاس انقطعت، قلوب مرتعدة ،وممغنطة بوجه الدرويش وهو صامت،حتى الأطفال صاروا ينادونه: عمي الدرويش! بعدما كانوا يخافونه ويهربون،كلام الأطفال كان حقنة تمرّد لأهل القرية دفعت الحناجرللصياح: اطلقوه حالا،فهو مظلوم! واعطيت الكلمة للدرويش ليدافع عن نفسه،وبعد صمت وإلحاح من السكان الذين دفعوه دفعا ليتكلم قال :
أحبكم كلكم بطباعم كما أنتم،وأغطيكم ببرنسي،لم ارتكب ذنبا سوى أنني ساعدتكم على سقي بذرة الخير،وإخراج أحلامكم من الدهاليز لترى النور،اشتقتم للبسمة فأهديتها لكم وتعطشتم لحياة أفضل،فمنيتكم،فشعرتم بدفء الحياة، وبنمو غرسكم،ولم يتمم الدرويش حديثه حتى قفز فرد من الفرقة،وبيده خنجر ! يلوح به مرددا : سأريك يا مجنون! يا مهبول ! ياكافر ! ويعلو الصياح، وتعمّ الفوضى،وفي هذا الوقت بالضبط تهتزّ الأرض ويخرج دخان كثيف ،وزوبعة تراب ،دوامة حجبت الرؤية! واقفلت العيون بستار رموشها،لكن الدرويش ،يحجب عن الأنظار،يختفي ،وكأن الأرض ابتلعته،لا أثر له،ربّما رفع، يندهش ويتعجب أهل القرية! فاتحين أفواههم ،وعيونهم جاحظة لهول المعجزة الخارقة! أمّا أفراد الفرقة فيهرولون، ويغادرون القرية ، دون رجعة،خوفا من أهلها،ومن انتقامهم .
وتمضي مدّة على هذه الحادثة، ويقول الكثيرون بأنهم رأوا الدرويش في الليل متكئا على جذع الزيتونة ، ووجهه جميل مضيئ وهو يبتسم ،وبيده مصباح صغير بألوان مختلفة.
ومن يومها صارت ساحة الزيتونة رمزا ومعلما للاجتماع وفكّ الخلاف وإصلاح ذات البين،والغريب أن المظلوم والمطارد صار يلجأ للزيتونة ليستجير بها، فلا يجرؤ أحد على الا قتراب منه.
وازدانت القرية بسوار أخضر من شجيرات الزيتون فكانت حزاما يحرس القرية وأهلها .
عبد العزيز عميمر من الجزائر.
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏وقوف‏‏

أوراق منسية للكاتبة المبدعة / سمية جمعة سورية

 أوراق منسية

للكاتبة المبدعة / سمية جمعة 

سورية

تكاثف الليل بنثاره الأسود فوق فراشي طاويا الغياب ، فلملمت متناثر أوراقي المرتمية هنا وهناك ، واستعدت تهيؤات ورؤى راحت تراودني كل حين ، كانت غير ذكرى تلح على مخيلتي حادة ضاغطة وملحة ، فأدرت وجهي إلى الجانب الآخر ، حتى أفر من ضراعة الخذلان ، ورحت أتلو المعوذات والسور القصار ، إلى أن وصلت إلى والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ! فتنزلت من المقلتين دمعة عزيزة
، ثم إن نوما متقطعا استأثر بجسدي واللب ، تناهبه صوت أمي وهي تنادي! يا الله .. ألم تر إلى المطر الغزير يغرق الحوش بالبلل ؟!! ماذا لو انزلقت قدمها وانداحت على الأرضية المغسولة بماء المطر ؟! هكذا راح الصوت يعود تارة ويختفي ، وبسرعة نزلت عن السرير لأطمئن عليها !
لا تخافي .. تعالي ننظف البيت ، ! يا الله .. إنها أمي .. حضورها في ذاكرتي ما زال يربك في النبض ، ويبقيني قيد حيرة !
أأنا واهمة ، أم أن الشوق يعيدها إلى دارة الحضور كلما تأجج ؟! وتظل أمي مواسم فرح وسط سخط المراكب وتهاويلها .. أو انبثاق شمس في عتمة الأيام ! غير أن غفوة قصيرة لصتني ثانية من ذاتي .. لتربت يد على كتفي ، كانت الطبيعة قد افصحت عن وجهها المربد ، وعلى الأرض انداح ثلج متدثر ببياضه الناصع ، عملت أمي على جمعنا مرة أخرى ، فيما راحت عيناها تقصان علينا مرثية انحباس المطر ، فرحين بها عكست وجوهنا بشرا لا حدود له ، وتشبثت يدها الطاعنة في السن بيدي ، لكن لسانها لم يسعفها بما تود أن تسر به إلينا ، كانت عيناها معلقة بسقف الغرفة ، كمن تحصي برهات حضورها ، وسارعنا إلى لملمة شعثنا والاشياء ، لقد استعادت ذاكرتها لمرة أخرى ، بيد أني على غفلة نسيت أن أوثق آخر رفة عين لها !
سمية جمعة سورية
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏حجاب‏‏

ذكرى تحترق للكاتبة المبدعة / أميرة صارم سوريا

 ذكرى تحترق

للكاتبة المبدعة / أميرة صارم

 سوريا

أوراقي مبعثرة هنا وهناك، أكتب بعض الكلمات وأمحوها إذا لم تعجبني. أوه! الله! ماذا يحدث؟ تعبت يدي. لم أجد صياغة القصة. أحدهم يناديني. شتت أفكاري. أرسم عصفورا. لكني لا أجيد الرسم. ربما أحب الغناء أكثر. صوتي جميل بعض الشيء.
عدت إلى قلمي أكتب عن نفسي. لكني لم أدون سوى بضع كلمات. أثنان وخمسون عاما. ماذا أكتب عنها؟ كيف أرتب الجمل؟ هل من السهل أن أدون عذابات تلك السنوات بأسطر.
كان صوت البائع المتجول في الحي يعلو فوق فكري. أحيانا أحبر الكلمات التي ينادي بها وأنسى ما أريد أن أكتب. دأبت على المسابرة. رغم كل الأصوات
في الطابق العلوي أيضا. أولاد الجيران دائمو الحركة والصراخ.
حافظت على سباتي. قررت أن أكتب شيئا عن تمردي على معلمي في المرحلة الابتدائية بصمت. كيف يكون التمرد صمتا ألا تحني رأسك. كان مستفزا غريب الأطوار يعاقبي دون سبب لا أحمل عنه ذكرى جميلة ابدا. كانت عصاه غليظة. كم مرة طلب مني أن أرفع يدي وأقف على رجل واحدة ووجهي إلى الحائط طوال الحصة. مع هذا كنت الأذكى بين أقراني. لكني فقدت الثقة بنفسي، أصبح الخوف كظلي أتلعثم،رسمت الكلمات تلك على الورقة.
كانت دموع الذكرى تسبق اليراع. خاطبت ظلي القديم:" كيف تمضي الحياة كأنها علامات استفهام وتعجب.
أميرة صارم سوريا
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏وقوف‏‏

صراع في المهجر للكاتب المبدع / عبد المجيد بنداش المغرب

 صراع في المهجر

للكاتب المبدع / عبد المجيد بنداش

المغرب

التقت ليلى برجل فرنسي في سن مبكرة ، عندما كانت في الثامنة عشر من عمرها ، وقعت في قصة حب تشبه قصة روميو وجولييت.
كانت عائلتها من الريف المغربي ،
محافظة على القيم العائلية وتتميز بالتواضع والحشمة ، كان احترام الوالدين أمرا مقدسا ، حيث يقدس الرهبان لكونه يوزع صكوك الغفران. أما دور المرأة فكان يقتصر على شؤون البيت من الأكل والشرب وخدمة الزوج ، فكلمة الرجل هي العليا، كلامه وحسب اعتقاده حقيقة مطلقة، يصعب إقناعه عندما يركن في زاوية العناد، يعتبر نفسه من العارفين على الرغم من أنه لم تطأ قدماه أبواب المدرسة.
هاجرت الأسرة إلى فرنسا بحثا عن لقمة العيش والهروب من الفقر المدقع الذي حل بالقرية بسبب سنوات الجفاف المتتالية. هاجر معظم السكان إلى المدن الكبرى من البلاد ، يعمل بعضهم في الحقول الزراعية تحت وطأة استغلال البرجوازية التي تقاسمت الكعكة مباشرة بعد الاستقلال، وبدون أدنى حقوق اجتماعية. أصبح معظمهم من الباعة الجائلين في الأزقة ، يدفعون عرباتهم بشقة الأنفس ، وأحيانا يهربون من تهديد قوات الأمن في أثناء حملات تطهير الطرق من الازدحام ، ويهتفون بصوت عالٍ بنوع وسعر بضائعهم.
منذ أن اكتشف والدها المأساة التي أصابته كالصاعقة ، مأساة خطوبة ابنته بالفرنسي، انفجر مثل البركان بسبب شدة الصدمة فكيف تتزوج المسلمة مع نصراني؟
كان يكرر صباح مساء ، شبه مجنون ،
- \ "ما يا رومي أذ يرشل زيلي؟ \".
إن شدة الكارثة التي حلت به أشعلت في داخله مشاعر الانتقام ، بدأ يتساءل كيف يتخلص من وصمة العار التي كانت ليلى من ورائها، ليلى من سلالته ودمه.
أما الأم فاطمة فتعاني في صمت رهيب، كانت امرأة عاجزة عن التعبير عن رأيها ، خاضعة تركع لعرش زوجها، علاقة تقترب من العبودية ، اتخذت موقفاً غامضا، خائفة من تعسف زوجها وتمرده ، فلا مجال للحوار معه.
\ "معزة ولو طارت\"
أقسم أن يطرد ليلى من المنزل ولو كلفه ذلك السجن والقيل والقال.
منذ الصيف الماضي ، كانت الأم تتوقع أن تتزوج ابنتها ليلى من ابن أخيها سعيد ، الحاصل على شهادة جامعية في إحدى الجامعات التي تنتج العاطلين عن العمل ، عسى أن تنقذه من براثن البطالة ، أو الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت، أو الانتظار في محطة تنقله إلى صحراء قاحلة يسميها البعض الموت البطيء.
في غضون أيام قليلة ، تدخلت مساعدة اجتماعية لإنقاذ ليلى من تهديد والدها بالقتل حيث رفعت هذه الأخيرة دعوى قضائية ضد الأب بموافقة ليلى، غرابة الأمر، فتاة تعرض أباها إلى القضاء،
قررت المحكمة الفرنسية بمنع الأب من التواصل مع ابنته ، وإلا وضع في السجن ، مما جعله يتراجع عن قراره بالانتقام وإجبارها الدخول إلى المغرب مع زوجته فاطمة ، ثم تمزيق أوراق إقامتها حتى لا تطأ قدمها فرنسا مجددا.
كان ارتباط ليلى برجل غير مسلم إهانة وضربة قاتلة في معركة الحفاظ على سمعة وشرف الأب ، ولا سيما أمام أنظار الجيران.
منذ تلك اللحظة، انتشرت الفضيحة كالنار في الهشيم في المسجد الذي كان الأب يؤدي فيه الصلوات الخمس ، أصيب بالاكتئاب الحاد ، فأصبح مدمنا على تناول الأدوية،
أما بعض الجيران من أصل فرنسي ذوي الميول العنصري ، نشروا شائعات زادت الطين بلة ، كانوا يرددون في حانات النبيذ أن والد ليلى إرهابي وسلفي يريد فرض الحجاب على ابنته،
حاول الوالد منعها من الزواج لكن دون جدوى.
تمكنت ليلى من تحقيق حلمها رغم أنف واستنكار والدها. احتفلت بزواجها حسب الطقوس المسيحية وحدها بين أهل زوجها، ليلى كانت عنيدة كأنها ورثت هذا الجين من أبيها، لا تتراجع إلى الوراء، ولو أدى بها الأمر إلى الخسارة.
قضت السنوات الأولى تحت سقف الحب مع الأمير الساحر، تذوقت طعم الحرية التي كانت تؤمن به ، تلك الحرية المزيفة ، تعلمت التدخين ، شربت الخمر مع زوجها ميشيل ، أمضت الليالي في الرقص وتتناول المخدرات والكحول من الويسكي إلى البيرة في النوادي الليلية في عطلة نهاية الأسبوع، أجبرته على تغيير اسمه ميشيل بعيسى كي تتظاهر أمام أنظار الناس بأنها متزوجة من رجل فرنسي اعتنق الإسلام.
سافرت رفقته إلى تركيا ، وإسبانيا ، ومراكش ، والشواطئ الرملية الذهبية بالمغرب ، تزدحم بدورها بالمهاجرين المغاربة أصحاب السيارات الفاخرة واللباس لأكبر العلامات التجارية ، بحثا عن سمرة طبيعية تتباهى بها أمام رفيقاتها في العمل، مرتدية ثوبًا خيطيا شفافا ، على عكس والدها الذي كان يزور قريته وعائلته سنويا ويقدم الهدايا للفقراء ويحتفل بوعده الولي الصالح المدفون في قمة الجبل ، لم تطأ يوما قدمه الشاطئ قط ، على الرغم من أنه يبعد مسكنه ببضعة كيلومترات قلائل عن البحر.
مرت الأيام ، كبرت ليلى ، ودخلت عامها الثلاثين ، لم تعد تلك المراهقة التي تقبل كل ما هب ودب من تصرفات وجنون زوجها. بدأت العلاقة الزوجية تأخذ منعطفًا ، إذ لم تكن قادرة على الاندماج مع هذا العالم الجديد ، العالم الذي يغري الكثير من الشباب. يشبه تلك المرأة التي تبدو أنيقة وجميلة وراء الماكياج، لكن تتغير ملامحها في الصباح كوردة ذبلت،
تكتشف ليلى يوما بعد يوم الاختلاف في الثقافات والتقاليد ، تعيش مع زوج مدمن على الكحول ، وأكثر من ذلك ، يكبرها سنا بعشرين عاما ،
انتهت سنوات الرومانسية
والحب الأعمى ، حان وقت السنوات العجاف ، بدأ الزوجان يعيشان في صراعات لا تنتهي ، فتعارضت و تطاحنت ثقافة الزوجين ، يحاول كل منهما فرض قيمه على الآخر ، خاصة في تربية الأبناء ، كان الزوج يحتفل بالأعياد المسيحية ، والجدة تذهب كل أحد إلى الكنيسة رفقة الطفلتين، لكن ليلى ، رغم أنها لا تطبق الشريعة الإسلامية ، فهي لا تتحمل استحواذ وسيطرة الأب على البنات.
تحول انجذاب وغرام ليلى المراهقة لميشيل(عيسى) إلى عداء وكراهية. بدأت ليلى تشعر بالندم على المغامرة التي قادتها إلى طريق مسدود، قطعت الحبل وصلة الرحم مع والدها ووالدتها منذ ما يقرب من عشر سنوات منذ تدخل المحكمة ، الأمر الذي عزز وعبد طريقها الغرامي مع الفرنسي.
بعد صراع طويل ، انتهت مغامرة ليلى بالطلاق ، فوجدت نفسها وحيدة في غياب أهلها وأصدقائها المسلمين الذين كانوا يخشون زيارتها بسبب سمعتها القبيحة.
في أحد الأيام ، قررت ليلى زيارة والدها ، كانت تتوقع منه العتاب، أرادت أن تطلب منه السماح وتخبره بأنها مطلقة وتريد التوبة والعودة إلى المنزل.
عند وصولها ، وجدته جالسا على كرسي بالقرب من العمارة الذي كان يعيش فيه في حي مكتظ بالمهاجرين من مدينة باريس، هذا الحي معروف بالانحراف إنه حي بارباس ، وأطفالا صغارا يدورون حوله ويسخرون من أقواله، بدا متعبا على وجهه ، وابيض شعره ، وكثير من تجاعيد الوجه من ثقل العار وفقدان ابنته في المهجر، اقتربت منه بخطى ثقيلة ومترددة ، قبلته على رأسه ، ابتسم والدها وعانقها بحرارة ، تفاجئت لردة فعله غمرتها الفرحة،
أسرعت إلى المنزل نحو صالة الضيوف ثم باتجاه المطبخ، فجأة ، قفزت والدتها دون أن تدرك عندما رأتها امتزجت الدموع بالفرحة في آن واحد، بدأت في تقبيلها عشرات المرات. ثم طلبت منها الجلوس في صالة الضيوف مع بناتها لتحضير الشاي.
قبل أن تتوجه ليلى إلى صالة الضيافة ، سألت أمها مندهشة:
- هل سامحني والدي لقد قبلني بحرارة عندما استقبلني؟
فأجابت الأم بحزن:
- ابنتي والدك يعاني من مرض ألزهايمر، فقد ذاكرته ولا يتذكر عن ما يدور حوله، سقطت ليلى وأغمي عنها عند سماع الخبر،
أخرجت الأم بسرعة الضوء علبة من عطر الورد ومفتاح كبير، عطرت ابنتها في حضور الفتاتين اللتين كانتا ترتجفان من قسوة المشهد ثم وضعت المفتاح في يدها اليمنى، بعد نصف ساعة من الانتظار والدعاء ، استيقظت لكن وجهها ظهرت عليه أعراض جلطة ، حيث تجد صعوبة في النطق وتحريك يدها وساقها اليسرى،
في غضون دقائق قليلة، وصلت سيارة الإسعاف وخدمات الطوارئ ، ثم نقلتها مروحية إلى أقرب مستشفى لتلقي العناية المركزة.
وتبين من خلال الفحوصات الطبية الأولية أنها تعاني من الضغط الدموي وتوتر عصبي، كما عثر الأطباء بعد تفتيش ملفها الصحي أنها قامت بمحاولة انتحار منذ ما يقرب من سنة،
في حين بقي الأب على حاله جالسا على جانب الرصيف فوق الكرسي الحديدي ، تحت مراقبة الأطفال الذي يمزحون معه،
لم ينتبه لصرع ليلى، ومازال يبتسم ويبتسم كعادته كطفل صغير منذ أن أصيب بمرض ألزهايمر اللعين،
لن يستعيد ذاكرته، ولن يتذكر ليلى وزواجها ...

فتاة الغموض بقلم الكاتب المبدع / الحسن سنداني المملكة المغربية

 فتاة الغموض

بقلم الكاتب المبدع /  الحسن سنداني
المملكة المغربية
أظنني جننت، جمال هذه الفتاة أوقعني وأكيد سأعاني.
كانت معتادة القدوم إلى المقهى كل مساء، تنزوي في ركن بعيد عن ضجيج العامة، تضع أمامها كومة كتب، تحتسي قهوتها بنشوة ،فتحسبها تقبل كل قطرة منها،كأنها تمارس طقس خلوة بين الذات ووحي العقل، عجيبة تلك الفتاة !تبدو من عالم آخر، شاردة دوما، صامتة ونظراتها تنم عن حزن دفين.
رغم قصرها، تمتلك جل مقومات الجمال، شعر سبسب حريري، عينان كبيرتان ينبعث منهما شعاع الإغراء ، جذابة تسر الناظرين، قوية متحصنة يصعب اختراقها من المتربصين، تقطر أنوثة يحرسها عنفوان الكاريزميين،وأظنها لا تميل إلى منطق القلب و تحكّم منطق العقل، فلا تبدو عليها صفات المحبين المغرمين ،الحب و الغرام يولدان دفق أحاسيس ترسم معالمَ على الوجوه و تفضحها حركات.
بعد تردد طويل ،اقتربت منها في رهبة خوفا من ردة فعلها.
أقرأتها السلام، ردته علي باقتضاب ،نظرت إلي ،فغرقت في لجة عينيها..
أردت أن أقول لها كم هي جميلة لكني نطقت:
- آنستي هل ترغبين في كوب قهوة ثانً؟
بخجل و سرعة شكرتني على لطفي.
وساد الصمت بيننا، حولت نظراتها إلى دفاترها المبسوطة أمامها، التقطت قلما
وبدأت تكتب شيئا.
تماديت في جرأتي ولم أستسلم، سألتها عن اسمها.
أجابت وهي مطرقة:
- هدى.
- إسم رائع آنستي الجميلة!
أصابها إطرائي بارتباك، احمر وجهها خجلا واحتدت نظراتها.
انتهى الكلام بينا بابتسامة مكسورة و نظرة مبثورة و تمتمات متقطعة و تحية وداع ، عدت إلى مكاني، أستعيد الشريط القصير الذي دار بيننا ،وأنصبت نفسي بطله ،تذكرت اسمها وغموضها، تزاحمت اللقطات مع الكلمات في مخيلتي ، استيقظ الشاعر التاوي بين ضلوعي ، فهمست شفتاي :
قالت اسمها هدى و سكتت يا ما أحلى لحظة بهدى أشرقت!
نهضت لتنصرف فتبعتها، وددت فقط أن أتنفس بعض الهواء الذي يحيط بها ويحمل لي أريج عطرها..
توقفت فجأة فتوقفْت، خفق قلبي وظننتها استشعرت وقع خطواتي.. أخرجت من حقيبتها ثوبا أسودَ وأسدلته على الجينز والتي شيرت، وعلى رأسها وضعت طرحة..وعند ناصية أول شارع كانت هناك سيارة اجرة صغيرة ينتظرها !
بقلم الحسن سنداني
المملكة المغربية
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، و‏كتاب‏‏ و‏منظر داخلي‏‏

وَجْبَةٌ شَهِيَّةٌ وكأسُ نبيذٍ- قصّة قصيرة للكاتب المبدع / عامر عودة فلسطين

 وَجْبَةٌ شَهِيَّةٌ وكأسُ نبيذٍ- 

قصّة قصيرة

للكاتب المبدع / عامر عودة

 فلسطين

أَفْرِدُ الكتبَ الّتي اقتنيتُها أَمامي على الطّاولة. كِتابٌ بجانب الآخر. أنظر إليها بمتعة وكأنّي أنظر إلى وَجبات شهيّة بِنَهَمٍ. كم هو جميل أنْ تَتَنَوّع وجباتك، وأنْ لا تقتصر على نوع واحد فقط. فهذه فرنسيّة، وتلك روسيّة، أَمّا هذه فأمريكيّة جنوبيّة، وتلك بكلِّ فخر عربيّة.
أَقف محتارًا في أيِّ وجبة أَبدأ. فأنا في المُدَّةِ الأخيرة شَرِهٌ، ألْتَهِمُ الوجبات واحدة وراء الأخرى بِنَزْوَةٍ دون شعور بالشّبع. بَلْ على العكس، فَكُلَّما انتهيت منِ الْتِهام وجبة تزداد شهيّتي لوجبة أخرى!
أحيانًا أبدأ باجترار ما أَكلْتُ! بعض الحيوانات تَجْتَرُّ ما أَكَلَتْهُ من طعام، أمّا أنا فاجترُّ ما قَرَأْتُهُ من قصص وحكايات. هُم يَجْتَرّون من مِعَدِهم وجهازهم الهضمي، أمّا أنا فأجترُّ من وعاء ذاكرتي. هذا هو الفرق بيننا كبشر وبين تلك الحيوانات. هم يأكلون ليعيشوا فقط، ويجترّون ما أكلوا لأنَّ كلَّ همهم هو الأكل ثمّ الأكل. أمّا نحنُ البشر، فنأكل لا لنعيش فقط، بل لنستطيع أنْ نُفَكِّر ونَعمل ونُبدع ونَخترع. ألَمْ يقولون أنَّ الحاجة أُمُّ الاختراع؟ القوّة الجسمانية تراجعت أهمّيتها كثيرًا أمام العقل الّذي استطعنا بواسطته أنْ نسيطر على العالم. لذا أصبحتِ العلوم والثقافة من مميّزاتنا. وكما قالَ الفيلسوفُ الفرنسي ديكارت "أنا أفكِّر إذًا أنا موجود".
أتركُ ديكارت وفلسفته وأعودُ إلى وجباتي. فما زلتُ محتارًا بأيّ وجبة أبدأ. الأدبُ الفرنسي له طعمُ النّبيذِ المعتّق منذُ الثّورة الفرنسيّة وكومونتها الشّجاعة. أمّا الرّوسيّ فهو مُعَطَّر بِعَرَقِ الفلّاحين الكولخوزيّين الثّائرين على قيصرهم ونظامه الإقطاعي، مُغَيّرينَ وجهَ العالم بإرادة وتصميم لا مثيل لهما. وهذا الأمريكيّ الجنوبيّ له رائحةُ السّيجارِ الكوبيّ، الّذي انتصر على أقوى دولة في العالم. قصصهم لها طعمُ الانتصارات في جميعِ المجالات. أمّا الأدبُ العربيّ فكان وما زال ذا نكهة مُحَبَّبة خاصّة، رغم أنّه عالق منذ فترة طويلة بين مطرقةِ الحُكّام وسَدّان الظّلاميّين. لكن أولئكَ الّذين يَتَحَدّونَ الظَّلام ويضيئونه بشموع فكرهمِ النًّيِّر، هُم هُم مَنِ استطاعوا الحفاظ على أصالته ونكهتهِ القديمةِ الطّيّبة.
بما أَبدأ إذًا؟ كلّ كِتاب منَ الكتبِ الّتي اقتنيتُها له طعمهُ الخاص. زِد على ذلك أنّها من تأليف كبارِ الكُتّاب والرّوائيّين المشهورين الّذين يُغَذّونَ الرّوح بأجملِ الكلمات، ويرفعونَ الوعي لأعلى الدّرجات.
تجوس عيناي بين تلكَ الكتب مَرّة أُخرى، لعلَّ إحداها يكون مرفأ لقراري، لكنّهما تدوران كغريق وسط حوامة بَحْرِيّة...
تُخرجني من حَوّامتي نقراتٌ لحبّاتِ مطرٍ على شبّاكي... أقوم من مكاني متّجهًا إلى النّافذة لِاسْتَقْبِلها بترحاب وحُبور. إنّها تدعوني لِأستمع إلى "كونسِرت" موسيقاها الّتي تؤلّفها وقع قطراتها على النّافذة. وأجد نفسي لا شعوريًّا أُغنّي معها أُغنية فيروز الّتي أَلَّفها الأخوان رحباني على لحن إحدى سيمفونياتِ الموسيقارِ موتسارت:
"يا أنا يا أنا أَنا ويّاك
صرنا القصص الغريبة
يا أنا يا أنا أنا ويّاك
وانسرقت مكاتيبي
وعرفوا إنّك حبيبي
وعرفوا إنّك حبيبي..."
أعود لِحَوّامتي وأَنا أُدندن تلكَ الأغنيةَ الجميلة، وإذا بديكارد يُطلُّ عليَّ ِمن بينَ الكتب، وبيده كأس نبيذ فرنسيٍّ مُعَتَّق، يدعوني بأَنْ أَشرب وإياه كأَسًا مع أَبطال إحدى الرّوايات الفرنسيّة...
(عامر عودة- فلسطين)
قد تكون صورة ‏شخص واحد‏

أنين الناي للكاتب المبدع / زاهر سليمان أبو موسى سوريا

 أنين الناي

للكاتب المبدع / زاهر سليمان أبو موسى 

سوريا

في مكان ما من هذا العالم المتناقض أعلنت الدايه أم حسن رحمها الله ولادة طفل اسمه عبد الله وهي تضعه على طبق من القش بلطف كانت قد أتمت عمله أم عبد الله قبل ساعات قليله من الولاده لأغراض أخرى كانت صرخات عبد الله تشق جدران الدار الطيني لتصل إلى باقي الديار القريبه والناس حوله يباركون وينتقون له بعض الأسماء فمنهم يقول أسموه على اسم جده ومنهم يقول أسموه أحمد وأخر يقول فلان لقد كان عبد الله الطفل البكر في العائله يعتقد أن حدود الدنيا لا تتجاوز مساحة المحيط الذي يسكن فيه مع عائلته وبعض الأشخاص اللذين يأتون بقصد الزياره أو يمرون بجانب المكان وان هؤلاء الأشخاص لا يتغيرون في الشكل أوالمضمون أو العمر لكن صوت المذياع كان بوحي إليه بأن العالم أكبر مما يتخيل وإن صوت فيروز أن عندي حنين ما بعرف لمين دليل أن هناك أشخاص غير اللذين يعرفهم وأن والده الذي كان يغيب عن المنزل أيام طويله بقصد العمل كان في ذاك المكان الذي يسمى لبنان ليس بقريب لقد كان عبد الله يدرك بالفطره أن الأشياء التي حوله قد تؤلمه إن لم يحسن التعامل معها لكنه لم يعلم أن هناك أشخاص أيضا كذلك عندما أراد والده أن يعلمه الأحرف الأبجدية بعصا الرمان البري عن طريق العد في العده الثالثه كان قد شرخ إحدى أذنيه من مكانها اتسعت مساحات العالم وكبر عبد الله قبل صبيان الحي وأصبح راعي العنز الوحيد في مكان يبعد عن رفاق الحي الذي كان يقطنه قبل نصف عقد من الزمن المشار إليه وبالرغم أن رعاية الماعز كانت شبه مستحيلة بين تلك الصخور المعلقه التي تسمى قلع الضبعه و شقيف الكبير إلا انها كانت تعلمه رياضة القفز بدون مدرب
لم تكن أحلام عبد الله كبيره جدا في تلك الفتره الزمنية كبقية الفتيه كان حلمه الوحيد هو ترك رعية الماعز أو العثور على رفيق درب في ذلك المكان الموحش وكان فارق السن بينه وبين أخاه الأصغر يقف عائقا أمام ذلك الحلم
وفي أحد الأيام سمع عبد الله صوت من خلفه يقطع السكون البائس سيك سيك سيك بالرغم أن تلك الكلمه إن سجلت بتاريخ عبد الله ستكون الأكثر ذكر حتى يومنا هذا إلا أنها في ذلك الوقت كانت تخرج من فم ابن الجيران كأجمل لحن تعرفه الأرض و الحساسين و الآلات الموسيقية إنه لحن الأنس
زاهر سليمان أبو موسى سوريا
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏

الحُبُّ الصّامتُ ... بقلم الكاتب المبدع / فريد المصباحي المغرب

 الحُبُّ الصّامتُ ...

بقلم الكاتب المبدع / فريد المصباحي
 المغرب
تسلّلتُ خُفيةً إلى بيتِ والدي لأكتشفَ معالمَ مجهولةً ...
مكانٌ ضيّقٌ فيه كثيرٌ من الكتُبِ ، كان يُبهرني والدي بسرْدِ بعض الحكاياتِ وكنتُ أظنُّها جزء من حياته ، يَحكيها وهو في غايةٍ من السعادةِ ، يفتحُ عيناهُ أحياناً ، ويغمضُهما أحياناً ، يرى ذاتَهُ فيها ، يوحي إليَّ أنها مُدوّنةٌ في مُخيلتهِ ، ويحاولُ أن نستمعَ إليه ، خوفاً من أن يطالَها النّسيانُ ...
متعةُ التخيُّل لتفاصيلَ ما يَحكيهِ ، جعلتْني أدخلُ عالمَهُ الخاصّ لأُزيلَ عنهُ غبارَ الأيامِ ، وأقتحمَ تلك الكنوز ...
أول عبارة صادفتْني عبارة " لا يمَسّه إلاّ المطهّرون" ، تراجعتُ قليلاً ، تجنّبتُ الكتابَ ، فمدَدتُ يدي إلى كتابٍ لم يُطبَعْ بطريقة عصرية ، بل هو مخطوطٌ باليدِ ، تصفّحتُهُ فوقعَت عينايَ على عنوانٍ بارزٍ كُتِبَ بالمدادِ الأحمرِ (طرائف ونوادر) ، تأبطتُهُ فخرجتُ مُسرعاً ...
جاذبيةٌ لم أكدْ أقاومُها ، حبّبَ إليَّ والدي بطريقةِ سردِهِ لمغامراتِ أبطالِ قصصِهِ القراءةَ إلى درجةِ العِشقِ ، لمّا أدخُل عالمَ الكتبِ تراني كرائدِ فضاءٍ ، أحلّق في الأجواءِ ، فرحةً وٱستكشافاً ، يستولي عليّ نَهمُ القراءةِ ...
أعمارُنا الصغيرة كانت مع المجلاّتِ المصوّرةِ ...
كانت تلكَ المجلاتُ مشوّقةً ، مثيرةً للإهتمامِ ...
ولاحقاً تنوّعت قراءاتي أكثرَ ومضيتُ نحو القراءةِ المحترفةِ ...
كنتُ في وقتٍ ما أقرأ أربعُ ساعاتٍ يومياً ، اليومُ الذي لا يُسعفني فيه الوقتُ أعوّضُه بالليلِ ...
كنتُ أجالسُ صديقاً لي يشاركني القراءةَ ، قلتُ له يوماً :
" تذكّر يا محمّد سيأتي يومٌ لن نجدَ هذا الفراغَ الذي نحنُ فيه ، والظُّروفَ التي نتمتّعُ بها ، فلْنغتَنِم هذه النّعمة في القراءةِ والإستفادَةِ ..."
كنتُ أقرأ الكتابَ والسعادةُ تغمُرني ولا أبدأ في الآخر حتى أكملَ الأوّل وبعد الإنتهاء منه أرتاحُ يوماً أو يومين لأستشعرَ المُتعةَ التي عشتُها أثناء قراءتي لهُ ، خارجاً منهُ بخلاصةٍ مفيدةٍ ما زالتْ تلكَ الكُراساتِ بحوزتي ...
فالكتاب عالمٌ نُحيطهُ ومحيطُهُ لهُ شاطىءٌ تنتهي إليه سُفنُنا ، لنأخذَ قسطاً من الراحةِ ، والتزوّد بالمؤونةِ لٱستكمال المسير وإكمال الرحلة في القراءة وٱكتشاف المعرفة ...
لقوة حُبّي المجنون للقراءة كنتُ أقرأ حرفاً حرفاً كُتب على جريدة ما ...
أجمعُ الصفحاتِ مِن على جنباتِ الطريقِ وأمسحُ الجُزءَ المُتَّسِخَ منها وأحتفظُ بالنظيفِ لأقرأهُ لاحقاً ، عزّ الكتابُ ونادراً ما نجدُهُ لنقرأهُ ...
أما الآن وقدِ ٱستحوذتِ الأجهزةُ الإلكترونيةُ الحديثةُ على الناسِ ، لم نعُد نرى أحداً يحملُ كتاباً ، وهَمَ مَن ظنّ أنّهُ يقرأ من الأنترنيت ...
وكذِب مَنِ إدّعى أنهُ يقرأ كتاباً على شاشة الكمبيوتر أو الهاتف ...
توهّمَ من ظنّ أن صيغة PDF للقراءة ، هي خزانةٌ وليستْ كتاباً ..!
عالم الأنترنيت عالمٌ وبحرٌ لا شاطىء لهُ ، يحتَوينا ولا نحتويهِ ، يجمعنا ولا نجمعُه ، يستحوذُ علينا ولا نكادُ نَستوعبُه ...
يؤدّي بنا لعوالمَ لا نكاد نعودُ منها ، نتيهُ في عوالمِه ، أقفاصٌ من حديدٍ ، وأوهامٌ كبيتِ العنكبوت ، إرتفعت جهودُنا وقلّت معرفتُنا ...
عالمٌ أبعدنا عن الحقيقةِ ، كثُرت الحقائقُ فضاعتِ الحقيقةُ ، سادَ فيه التّافهُ ، وتاهَ فيه ذو المبادىء وغابتِ الكرامةُ ، وعُزِلتِ الأُسرُ عن بعضِها ، وغابت فيه العِزة والرجولةُ والشهامةُ ، ماتت فيه الضمائرُ والقلوبُ ، وكثرتِ فيه المذاهبُ والآراء والتعصّب لها ، حتى حارَ فيها اللّبيبُ والحكيمُ ...
عالمُ الأنترنيت رغمَ فوائدِه ، قضى على ما تبقّى من الحياءِ ، فلم تعُد الأنثى تخجلُ من مُبارزة الذّكرِ وجهاً لوجهٍ ...
تُخاطبهُ بكلمات الغَزلِ والمجاملةِ وكلماتِ العشقِ والغرامِ وبدون خجلٍ ولا وجلٍ ...
وتجرّأَ التّافهُ في الإنتقادِ والتنقيصِ من شأن الأنبياء والأولياء والعُلماء ...
والهجومُ على القرآن وكتبِ الأوّلين والآخرين صارَ ديدَنَ الأصاغِر ...
بقلم : فريد المصباحي/ المغرب
قد تكون صورة ‏شخص واحد‏

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة