Translate

الجمعة، 17 فبراير 2023

بلا ذاكرة للكاتبة المبدعة / سيدة بن جارية تونس

 بلا ذاكرة

للكاتبة المبدعة / سيدة بن جارية 

تونس

كانت سماؤنا صافية،و شمسنا مشرقة وهاجة حين رن جرس هاتفي، ارتجفت لرنينه الصادم و استعذت بالله.
آه، صديقتي مريم المرحة تدعوني لاحتساء كأس شاي معها، لم أمانع فأنا احتاج هذا اللقاء لتقليص كم التوتر الذي أعيشه هذه الأيام، بحثت عن معطفي وحقيبتي اليدوية وضعتهما بسرعة فائقة،لكنني لم أجد مفتاح سيارتي، بحثت و بحثت في كل ركن من الشقة لكن دون جدوى حتى الشرفة بحثت في أرجائها ، ربما يكون بعض المشي مفيدا لي هذا اليوم .
ترجلت المسافة فالقاعة غير بعيدة عن المبنى.
التقينا دون تأخير، بدت وجوهنا شاحبة وقد خيم البؤس على محيانا،ضحكت مني رفيقتي على الرغم من مظهرها السخيف
سارعت بالاستفسار : مابك على غير عادتك؟
لا شيء! لست بمزاج جيد هذا اليوم حتى أتجمل، أشعر أن يدا خفية تطردني، تدفعني إلى الخارج، تصوري خنقتني العبرة و أنا أغادر آخر درج!
_ مثلك أنا، مهمومة ولم يسعني أي مكان، فكرت بك فروحك الخفيفة ستزيل همومي كالعادة، لا أخفيك سرا أردت سرقة بعض الطاقة الايجابية منك كالعادة صديقتي العزيزة .
_ ليتني أقدر... يلازمني شعور مريب، و لولا التطير حرام لربطت الأمر بظهور تلك البومة كل مساء بشرفتي.
تبادلنا النكت و الأخبار كعادتنا ، سرقنا الوقت فتذكرت موعد العودة بالأطفال من الحضانة و شراء وجبة الغداء جاهزة من المطعم المفضل بالحي فالصغار قد اشتهوا شطائر اللحم اللذيذة و بعض المقرمشات.
قبل أن تودعني مريم رن الهاتف و تتالت الاتصالات من الأجوار وبعض الأهل، كل هذه الأرقام تتصل في نفس الوقت تسارعت دقات قلبي وتصفد العرق من جبيني باردا بيدين مرتعشتين أجبت :
ما المشكل؟! ماذا جرى؟! هل من مصيبة؟
لم أتبين من يخاطبني بالضبط لكن السؤال الملح أين أنت؟
هل كنت بالشقة مع الأطفال ؟!
أجبت في انفعال شديد: غادرت المبنى منذ أكثر من ساعة سأعود حالا ، حالا ! بعد أن اصطحب الأولاد.
تبين لي أنه صوت زوجي وسط ضوضاء يحمد الله على سلامتي، أغلقت الخط، وخرجت كالمخبولة أسرع الخطى نحو العمارة، كانت تفصلني عنها مسافة كيلومتر واحد أو أقل، لم أفهم ما الذي يدفعني و ما المشاعر التي انتابتني، الكل كان يسارع في نفس الاتجاه بعضهم يتدافع، اشتممت رائحة كارثة عظمى عبق الكافور لفني وأشباح الموت تتراقص ، تصدعت أذناي بطنين حاد و كأن خبرا عظيما سيزلزلني،
اقتربت أكثر من المكان ، بيد أنني لم أعثر على ملامحه المعهودة، هل أخطأت الشارع؟! هل فقدت الذاكرة؟
لم أجدها، لم أجد الشجرة الكبيرة الوارفة، لم أعثر على سيارتي المركونة تحت ذات الشجرة، ذهلت للوهلة الأولى. أأصبحت بلا ذاكرة،جزء عظيم ارتج من كياني بل صدمت، ماهذا الركام؟ أين جيراني و أحبابي؟ حشد كبير يعاين المصيبة، لطمت، صرخت حتى انقطع مني الصوت، تذكرت لوهلة أطفالي توجهت إلى الحضانة مسرعة أطوي الأرض طيا حتى تشققت أقدامي بعد أن ألقيت حذائي وسط الطريق و أكملت حافية ، لاح لي المكان هادئا ساكنا اقتحمته كالمسعورة ولم أهدأ إلا حين احتضنت صغاري. حمدت الله و الأقدار، لم أنبس ببنت شفة و غادرتهم في ذهول.
أخذتهم بين يدي وعدت إلى عمارتي، أقصد ركامي المشتت، لمحت زوجي ينبش المكان مع الجميع يلتهم الحصى مغموسا بالأسى ، فأخذت أنبش معهم و أتشمم رائحة أجواري وقد دفنوا أحياء، بعض الأصوات تطلب النجدة و بعضهم يتأوه في حرقة، أه يازمن كيف سنعيد لم شتات أربعين عائلة، صولتك جائرة لم تمهلني لحظة وداع أيها الزلزلال.
مرت ساعات اليوم و دقائقه ثقالا على صدري تكاد تفتته حتى التقيت جارتي" وعد "منهارة صاحت بي : كلها عشر دقائق بعد مغادرتك المينى، عشر دقائق غيرت حياتي، آه! يا لوعتي، لقد اقتفيت أثرك كي أمدك بمفتاح سيارتك قد نسيته على الطاولة عندما زرتني صباحا ، لمحتك من الشرفة تبحثين عن شيء ما، ناديتك بأعلى صوتي ، لم تسمعي النداء، فنزلت السلم لأجلك مسرعة،ابتعدت عن العمارة قليلا بضعة ثوان كانت ركاما، تركت زوجي و أبنائي هناك، لولا المفتاح لكنت الآن تحت الأنقاض، ليتني لم أغادرهم، ليتني ما خرجت... انهارت المسكينة بين يدي المنقذين،غصت في صمتي و الألم يقطع أوصالي و يغرس سكينا في نسغي
و هذه الحيرة القاتلة تغتالني و الإرهاص الخانق يذبحني، تذكرت للحظة صديقتي مريم منقذتي من براثن القدر الغادر لم تتصل و لم أرها وسط الجموع الغفيرة فاتصلت بها على عجل، لم أفهم ما تلفظت به غير كلمات : دمار،خراب، لم يجد الزلزال غير شققنا ليدمرها، آه فقدتهم جميعا، أصبحت دون عائلة،دون شقة دون أمل ...
،تشتت كبير نشب براثنه مزق جسدي انهرت مكلومة صرخت في نواح و نديب كيف للموت أن يسرقهم مني كلهم، كيف؟ ليتني لم أغادر المبنى، ليتني مت معهم... يا الله رحماك، يالله للمنكوبين، يا لله للمساكين يا الله، وا محمداه وا.....
اتشحّ قلبي بالسواد ، لم أجد كلمات أواسي بها أحد .
غصت أنبش بأظافري أبحث عن أحبابي حتى حل الظلام فالتأم شملنا في العراء نتدفأ متحلقين حول نار أوقدها لنا صاحب المبنى، لم نتعش ليلتها، لم يخزنا البرد و لكن خيم علينا الحزن و الأسى.
سيدة بن جارية تونس
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏حجاب‏‏

طائر وخشّاب للكاتب المبدع / ابيه بظاك المغرب

 طائر وخشّاب

للكاتب المبدع / ابيه بظاك

 المغرب
أخذت الشجرة تتزعزع، وصوت قوي يُسمع، لبدت في عشي من الهلع، فإذا بالشجرة تميل وأنينها يطوق المكان، وقعتْ بعنف شديد، قُذفتُ بعيدا، فإذا بخشّاب ممسك بمحرك لا يزال يزأر، انهمك يفصل ما بقي عالقا من جسد الشجرة عن عنقها، تمدد الجسد مترنحا، وبقي العنق مشرئبا للسماء.
مكثتُ قليلا حيث وقعت أداري وقع الارتطام، وبما أن جناحيّ لم يعرفا الطيران بعد، أخذت أسير بعيدا عن يدي الاجثثات، وأنا أرمي الخطوات طمعا في النجاة تسلل من ورائي طفل الخشاب، فجثا على ركبتيه، وخر بيديه علي، أمسكني والفرح يكاد يمزق صدره وعيناه سارحة تتملى ألواني البراقة والمرتبة في تناغم جذاب، خاطب أباه وعيناه إلي مشدودتان بحبل من الغبطة:
- فرخ! فرخ!
أمره:
- أحكم يديك عليه وإلا انفلت.
غدوت لعبة بين يديه، أسرع بي إلى قفص، أحكم إغلاقه، تزحزحت خطواته قليلا، وعاد ليتفقد الإغلاق، ثم ذهب نشوان يتمخطر وسكاكين الحسرة تقطع نياط قلبي.
كنت في الأعالي والشجر يناغي السحاب، أبتسم لترانيميه، وحفيف أوراقه يعزف على مزمار الأفق، لكن أيادي الأعادي جرتني والشجرة للأرض.
لم أضع بحسباني أن أفواه الأفران تلتهم حتى الأشجار الخضراء المثمرة، كما كنت أستبعد أن أنفس الخشابين خبيثة إلى درجة نزع الحياة.
أُسقط كبرياء الشجرة أرضا، وسقطتُ صيدا في يد قصت جناحي، وكبلت إرادتي. أخذتُ أبحث عن منفذ يخلصني، تجوب عيناي القفص بحثا عن كوة للنجاة، لكن قضبانه كانت محكمة الصياغة.
تركني، وعاد ليتصيد عصافير أخرى، وحينما ينتهى سيعود ليتسلى بي وأنا في زنزانتي. لم يتأخر كما ظننت، عاد توا يحمل حبات قمح ضامرة وقطرات ماء. وضعها في المكان المخصص، وابتعد قليلا يراقبني، يتمنى أن أهتم بطعامه، ليشكر نفسه على حسن صنيعه، لكنني امتنعت، تأملني قليلا وانصرف، ناسيا أن شهوة البطن وليدة روق المزاج، وأن شهيتي لا تستسيغ أَكْلَ الممنون.
قاطعت الطعام والماء، ولو باستطاعتي مقاطعة الهواء لقاطعته، تمنيت أن يتوقف تدفقه إلى جسدي، كما توقف الزمن. فكل ما بالقفص مُر.
اعتاد كل صباح على مواربة القفص بحذر، مسليا نفسه بتمرير يده على ريشي الذي غدا باهتا منفوشا. تخز أصابعه عظامي كأنها إبر، أترنح مبتعدا، فتتبعني يده...
مر شهر كأنه سنة، وذات صباح، وهو منهمك في ممارسة طقسه اليومي جاءه صوت أمه حادا، من خارج البيت يتلولب في الفراغ، مخترقا الجدران، هازا طبلة أذني بقوة. أسند الباب، وعلى غير العادة لم يمرر المزلاج، وانصراف ملبيا.
سرت أدفع الباب بجناحي الأيمن، لكن قوتي قد خارت، صخرة صار. تمنيت لو لم تُستنفد قوتي، لكن هيهات ثم هيهات، فلا نفع للحسرة على ما فات. خِلت الجناح الأيسر أقوى، جربته، فخيب ظني، استلقيت أعزيني على تضييع الفرصة، فباب السماء صار مفتوحا، لكن لا طاقة لي على بلوغه.
استجمعت قوتي وصرت أدفع بظهري ورجلاي ملتصقتان بأرضية القفص، بينما أدفع يزداد قوة، كدت أستسلم. حبست أنفاسي ودفعت، استجاب لحركتي، وانسحب، طالقا إياي للأرض، سقطت، فقدت وعيي لِحين. انفتحت عيناي فإذا بي خارج القفص. حاولت ألا أئن، فلا وقت للأنين. وقفتُ، حركتُ جناحي فاقدا الأمل، فاستجابا توقا للحرية، حملاني إلى الخارج، اعتليت شجرة مبتعدا عن متناول يده، وجلست أستحث قوتي لأصل العلا، وهواء طري يداعب ريشي، يجتاح جسدي، ينعش روحي، انفتحت شهيتي، فمنحتني الشجرة إجاصة طازجة، التهمتها كاملة، فإذا بالنشاط ينتابني، ورئتاي تمتلئان حرية.
انطرد هواء القفص الذي كان يدخل جسمي على مضض، هواء مشبع بالأسى. أخذت أزقزق مبتسما، قاده اللحن إلي، فإذا به أسفلي، رافعا عينيه والشرر يتطاير منهما، تكادان تأكلانني، أتممت النشيد، ورفرفت سابحا في الفضاء.
الاسم: ابيه بظاك
البلد: المغرب

قصة الشبح الطفل القتيل للكاتب المبدع / سامي سادات السودان

 قصة الشبح الطفل القتيل

للكاتب المبدع / سامي سادات 

 السودان
سُعاد تَسْكُنُ فِي إِحْدَى القُرَى الرِيفِيَّةِ فِي إِحْدَى الدُوَلِ العَرَبِيَّةِ ، فِي يَوْمٍ مِنْ الأَيّامِ ذَهَبْتُ لِزِيارَةِ لِعَمِّها وَكانَ يَبْدُو عَلَى وَجْهِهِ عَلاماتُ الغَضَبِ الشَدِيدِ ، قالَ والِدِي : ماذا بِكَ يا أَخِي لِماذا أَنْتَ غاضِبٌ هٰكَذا ؟ ، قالَ عَمِّي : لَقَدْ كانَ مِنْ المُفْتَرَضِ أَنْ أَقُومَ بِنَقْلِ بِضاعَتِي مِنْ القَرْيَةِ لِأَنَّ مَتْجَراً فِي العاصِمَةِ قَدْ فَرَغَ تَماماً مِنْ البِضاعَةِ وَلٰكِنْ هُناكَ حادِثَةٌ عَلَى الطَرِيقِ وَلا يُمْكِنُ لِلعَرَباتِ أَنْ تَسِيرَ عَلَى الطَرِيقِ حَتَّى يَوْمِ الغَدِ تَقْرِيباً ، قالَ والِدِي : حَسَناً لا تَحْزَنْ يا أَخِي اُمْكُثْ مَعَنا اللَيْلَةَ وَفِي صَباحِ يَوْمِ غَدٍ سَوْفَ تَتَمَكَّنُ مِنْ نَقْلِ بِضاعَتِكَ بِإِذْنِ اللّٰهِ.
مَعَ حُلُولِ مُنْتَصَفِ اللَيْلِ كانَتْ الجَدَّةُ فِي المَنْزِلِ تَقِفُ فِي الطابَقِ الأَوَّلِ تَنْظُرُ مِنْ النافِذَةِ بِاِتِّجاهِ الطَرِيقِ الَّذِي يَقَعُ مُباشَرَةً أَمامَ مَنْزِلِنا ، فَجْأَةً سَمِعْنا الجَدَّةَ تَصْرُخُ وَهِيَ فِي حالَةٍ مِنْ الصَدْمَةِ وَالفَزَعِ ، اِسْتَيْقَظَ جَمِيعُ مَنْ فِي المَنْزِلِ وَاِتَّجَهْنا مُسْرِعَيْنِ لِنَرَى ماذا حَدَثَ لِلجَدَّةِ فَكانَتْ الصَدْمَةُ ، كانَتْ الجَدَّةُ تَقُولُ : يَشْهَدُ اللّٰهُ إِنِّي رَأَيْتُ عَرَبَةً يَجُرُّها حِمارٌ وَخَلْفَها مَجْمُوعَةٌ مِنْ الكِلابِ ، قالَ والِدِي : وَما المُشْكِلَةُ يا أُمِّي فَهٰذا يَحْدُثُ دائِماً ، نَظَرَتْ الجَدَّةُ إِلَى والِدَيْ نَظَراتٍ مَلِيئَةٍ بِالرُعْبِ وَقالَتْ : العَرَبَةُ لا يَقُودُها أَحَدٌ بَلْ هِيَ تَسِيرُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِها ، شَعَرَ الجَمِيعُ بِالدَهْشَةِ مِنْ قَوْلِ الجَدَّةِ وَبَدا الأَمْرُ لَنا غَيْرَ مَعْقُولٍ تَماماً
أُرِيدُ التَوْضِيحَ هٰذِهِ قِصَّةً خالِيَةً وَأُحِبُّهُ كِتابَةَ قِصَصِ رُعْبٍ وَلِذٰلِكَ قُلْتُ فِي مُخَيِّلَتِي : رُبَّما تَكُونُ هٰذِهِ العَرَبَةُ حَقِيقِيَّةً وَالَّذِي يَقُودُها هُوَ شَبَحُ الطِفْلِ الَّذِي تُوُفِّيَ عَلَى الطَرِيقِ اليَوْمَ ، بِالرَغْمِ مِنْ ذٰلِكَ لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنْ التَحَدُّثِ مَعَ أَيِّ أَحَدٍ حَوْلَ هٰذا الأَمْرِ ، فِي اليَوْمِ التالِي وَمَعَ حُلُولِ مُنْتَصَفِ اللَيْلِ أَيْضاً حَدَثَ أَمْرٌ عَجِيبٌ آخَرُ ، كُنْتُ أَنْظُرُ مِنْ نافِذَةِ غُرْفَتِي فَرَأَيْتُ شَيْئاً جَمَّدَ الدَمَ فِي عُرُوقِي ، رَأَيْتُ كَلْباً مُعَلَّقاً فِي الهَواءِ مِنْ قَدَمَيْهِ الخَلْفِيَّتَيْنِ وَكَأَنَّ هُناكَ مَنْ يُمْسِكُ بِهِ ، حَوْلَ هٰذا الكَلْبِ المُعَلَّقِ هُناكَ ما يَزِيدُ عَنْ 13 كَلْباً يَنْبَحُونَ بِقُوَّةٍ وَكَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ شَيْئاً وَلٰكِنَّهُمْ خائِفُونَ مِنْهُ وَعاجِزِينَ عَنْ مُهاجَمَتِهِ
كانَ هٰذا فِي اللَيْلَةِ الثانِيَةِ مِنْ حادِثِ الفَتَى الصَغِيرِ ، بَدَأَتُ شُكُوكِي حَوْلَ هٰذا الشَبَحِ تَزْدادُ خُطْوَةً خُطْوَةً ، فِي اللَيْلَةِ الثالِثَةِ كُنْتُ خائِفَةً جِدّاً مِنْ حُدُوثِ أَمْرٍ مُرْعِبٍ ، وَهٰذا ما حَدَثَ بِالفِعْلِ حَيْثُ فَجْأَةً رَأَيْتُ وابِلاً مِنْ الحَصَى الصَغِيرِ وَالرِمالِ تَتَصاعَدُ مِنْ الشارِعِ إِلَيَّ زُجاجُ نافِذَتِي ، خِفْتُ جِدّاً وَقُمْتُ بِالرَكْضِ مُتَّجِهَةً إِلَى غُرْفَةِ والِدِي لِأُخْبِرَهُ بِما رَأَيْتُهُ ، اِسْتَجابَ لِي والِدِي وَعِنْدَما عُدْتُ مِنْ جَدِيدٍ لِغُرْفَتِي وَمَعِي والِدِي كانَ كُلُّ شَيْءٍ قَدْ اِخْتَفَى ، فِي الواقِعِ ظَنَنْتُ أَنَّهُ لا يُوجَدُ أَيُّ أَحَدٍ فِي المَنْزِلِ قَدْ رَأَى ما رَأَيْتُهُ بِاِسْتِثْناءِ جَدَّتِي ، مُجَدَّداً أَتَى والِدِي إِلَى غُرْفَتِي وَلٰكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ أَيَّ شَيْءٍ غَرِيباً
بَدَأَتْ الأُمُورُ الغَرِيبَةُ تَحْدُثُ فِي كُلِّ مَكانٍ مِنْ أَنْحاءِ القَرْيَةِ تَقْرِيباً ، أَصْبَحَتْ العائِلاتُ تَتَداوَلُ الكَثِيرَ مِنْ القِصَصِ وَالأَحْداثِ الغامِضَةِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي القَرْيَةِ ، بَدَأَتْ العائِلاتُ تَشْعُرُ بِالخَوْفِ مِنْ هَوْلِ ما تَراهُ كُلَّ لَيْلَةٍ ، قَرَّرَتْ الكَثِيرَ مِنْ العائِلاتِ تَرْكَ القَرْيَةِ وَالهِجْرَةِ مِنْها بِسَبَبِ هٰذِهِ الأَحْداثِ ، فِي الواقِعِ والِدِي أَيْضاً فَكَّرْ فِي الرَحِيلِ ، عَلَى الرَغْمِ مِنْ أَنَّ عائِلَتِي بِالكامِلِ كانَتْ مُعارِضَةً لِفِكْرَةِ الرَحِيلِ مِنْ القَرْيَةِ إِلّا أَنَّنا لَمْ نَكُنْ نَمْلِكُ خِياراً آخَرَ ، فِي نِهايَةِ المَطافِ تَرَكْنا مَنْزِلَنا بَعْدَ أَنْ اِزْدادَتْ هٰذِهِ الأَحْداثُ لِتَتَحَوَّلَ القَرْيَةُ بَعْدَها إِلَى قَرْيَةِ أَشْباحٍ فَالقَرْيَةُ تَقْرِيباً أَصْبَحَتْ خالِيَةً مِنْ ساكِنِيها.
سامي سادات 
 السودان
قد تكون صورة مقربة لـ ‏‏شخص واحد‏ و‏طفل‏‏

التمرد… للكاتبة المبدعة / نوال حسن حمش سوريا…..

 التمرد…

للكاتبة المبدعة / نوال حسن حمش
سوريا…..
مشطت شعرها الذهبي المجعد عدّة مرات ….كانت أسنان المشط تنغرس فيه بصعوبة لتخرج منه بصعوبة أكبر ….
كان شعرها كسنابل قمحٍ ذهبيةٍ تنوء من حملها فتسقط متهالكةً إلى ما تحت متنيها….
كان حقل قمحها عشقٌ لهُ يحبهُ بضفيرةٍ طويلة….
حركت رأسها يُمنةً ويُسرى فتراقصت خصلاتٌ ذهبيةٌ مجعدة معانقةً نسماتٍ تسللت خلسةً كحبيبٍ عاشق من نافذتها المفتوحة على دندنات أغنيةٍ كانت ترددها بصوتٍ خافت ….
كان صوتها العذب ينتشر كرائحة الياسمين في أرجاء غرفتها…
خُيل لها للحظةٍ أن كل ما فيها يُنصت لغنائها ويتمايل طرباً على الرغم من صوتها الخافت وارتجالها لبضع كلماتٍ من الأغنية…!
سرت القشعريرةُ في يدها الممسكة بمشط خشبي لتنتقل إلى كل جزءٍ من جسدها النحيل ….توقف كل شيء عن الرقص فجأة.…وأطبق السكون….
تسمرت في مكانها لدقائق طويلة لم تقو فيها عيناها على حبس دموعٍ حطمت قضبان سجنها فانهالت كأمطارٍ تشرين…
لم تشعر برغبة كبيرة في البكاء كهذا اليوم،بكت بشكل هستيري مرعب زلزل أركان غرفتها…..
هزت رأسها يمنة ويسرى فودعت خصلات شعرها الذهبي المجعد شريكها في الرقص ليفر كلصٍ هارب من نافذتها المفتوحة..
اجهشت بالبكاء والنحيب حتى قد يُخيل لمن يسمعها أنهاتبكي عزيزاً قد واراه التراب.
تتالت تأوهات عديدة بالخروج كصافرةِ قطارٍ من صدرها ،
خذلها جسدها النحيل وخذلتها سنابل القمح الذهبية فتهاوت على الأرض والتفت على نفسها كجنين في رحم أمه،
بدأت بلمس جسدها بأصابعها النحيلة المرتجفة مفتشةً عن شروخٍ ظنت أنها أصابتها في كل مسام جسدها…كيف لا!!!وهي تشعر أن قلبها تحطم وانتشرت شظاياه في كل مكان .
لم تتخيل أنها ستكون بالنسبة له مجرد دميةٍ بضفيرةٍ ذهبية يحركها بخيوطٍ ربطها بإحكام حتى كادت أن تخنقها …
أُجبرت على حفظ وتكرار ما لقنها به من جملٍ ومعتقداتٍ…
ورسم لها حدوداً كبلادٍ مُستعمرة!!!!
وأثقل كاهلها بمعاجمَ لتفسيرِ دساتير قد وضعها.
كيف لفرسٍ أصيلةٍ بضفائرَ ذهبيةٍ مجعدة أن تقبل اللجام ؟؟؟؟؟
هي لم تُخلق لتُوأد …ظنت أنهما معاً سيجعلان المستحيل خرافةً….وأنها وُجدت لتكمله ويُكملها ويكونا معاً كدفتي كتابٍ لحياةٍ يدونا تفاصيلها …
أتقبع في شرنقةٍ وهي التي شرعت أجنحتها لتطير معه في سماء الحياة؟؟؟؟؟!!!!!
أتغوص في رماله المتحركة؟؟؟؟؟
أتكون تلك الدمية الجميلة بضفيرتها الذهبية المجعدة ؟؟؟؟
علت زوبعة أفكار في رأسها المتعب ظنت أن الزوبعة ستقتلع جذورها وتفتتها لتحيلها لكومةِ أغصانٍ مُكسرة.
ساد السكون فجأة للمرة الثانية وأطبق بإحكامٍ على كل شيء
كانت لحظاتُ سكونٍ طويلة بطول ضفيرتها وشعرها الذهبي المجعد ..
لم يقطع ذاك السكون سوى صوت مقصٍ يرتجف بارتجاف أصابعها النحيلة ليحصد سنابل شعرها الذهبي المجعد…وصوتها الذي شق الصمت بنصله وهي تقول بثقةٍ ….لم أعد ذات الضفيرة……..
نوال حسن حمش
سوريا…..
قد يكون فن ‏زهرة‏

الثلاثاء، 14 فبراير 2023

مكلومٌ يا ولدي للكاتب المبدع / داود سلمان عجاج العراق

 مكلومٌ يا ولدي

للكاتب المبدع / داود سلمان عجاج
العراق
مضتْ ثلاثُ ليالٍ ولم يذقْ طعمَ النومَ فيها، منذ السبتُ المجنون، ذلك اليومُ الذي بدأ منذ صباحه الباكر تُنسجُ خيوطُ الكفنِ الأبيض، ليسرقَ الموتُ منه فلذةَ كبدهِ، موتٌ مجاني بسلسلةٍ متواليةٍ قد لا تتوقف، رغم عدم تصديقه بلحظةِ الرحيل، لكن هي الناسَ تتحركُ من حوله، تواسيه، تحاولُ أن تُخرجَ بعضا من تلك الأحزان التي أخذت تجثمُ على صدره، والاستغرابُ يجعله يقفُ بذاتِ الدهشةِ من المواساةِ المتكررةِ بين الحين والآخر، وأصواتٌ تتسابقُ في دواخله، تسأله بشكلٍ متتابع.
- هل رحلَ مصطفى؟
يحدقُ في سقفِ الغرفة، يصيبه الرعبُ، وناقوسٌ حزينٌ يدقُ في رأسه بضجيجٍ صاخب، يتحولُ على شكلِ ضرباتِ فأسِ متتالية.
- لا, لا يمكنه أن يرحلَ بهذه السرعة.
تحضرُ التفاصيلُ كلُّها، كيف لا يتناولُ طعامه قبل أن يمدَ والده يده، لا يرفعُ نظره بوجهه، لذا بدأ يشعر بالإختناق، صخرةٌ تقفُ على الصدر، فالأحزانُ والآهاتُ تكتمُ الأنفاس، ليقفَ الزمنُ، والروحُ تدخلُ في سديمٍ بعيد المدى، والليلُ حالكٌ كالحقد، ومراسيمُ عزاءٍ يراها تمتدُ لمسافات، كراسي بالوانٍ حمرٍ كلونِ الدم، الماء، القهوة.
- ترى ما الذي حدث؟
تتوسعُ الفاجعةُ في دواخله، تتحرك، تلامسُ قلبه، تدمع عيونه، يزدادُ هلعه، يصرخُ باسمه.
- اين ذهب مصطفى؟
بين دروبِ الفقدِ تاه، رمى الفؤادُ أجزاءه بشكلِ شظايا متفحمة، والفكرُ أَخْذ يشتكي، يجوبُ الكونَ، يرتعش، تتعالى الرياح، الأصوات، نواحٌ يخلعُ نياطَ القلوب، عاصفةٌ من الصراخِ تهبُ تملأ مساحةَ باحة الحوش الواسعة، ليبدأ الغولُ يغرسُ أنيابه بين الثنايا، وأخذ الرعبُ يدورُ دورته، مع إيمانه بالقدر، بأنه سيقودُ الجميعَ إلى ذلك الأجلِ المحتوم، والأحجارُ تحزُ الوجدانَ، يسأله حفيده.
- أين أبي؟
تتناثرُ الأحلامُ كشظايا الزجاجِ المتكسرة، وتغيبُ النجومُ من الليل، والسماءُ أخذت تكتسي لون الرماد في وضح النهار والشمسُ في كبدها، والأقدارُ وضعته أمام اختبار الخيارِ الأوحد من دون إنذارٍ مسبقٍ، وطائرُ البومِ ينوح، يناغي طائرَ الموتِ، لذا أخذ يركضُ وراء سرابٍ مجهول، يبحثُ عن شيءٍ لا يعرفُ سره.
يواسيه زميلٌ له يجلسُ بالقربِ منه.
- الصبرُ, الصبرُ, انما الصبرُ عند الصدمةِ الأولى.
يحاولُ أن يجيب, إلا أن كلماته تبقى مسجاة على مقصلةِ الانتظار, لذا أخذ يوشرُ إلى قلبه والدموع تنهمرُ من عينيه.
- جمرةٌ هنا تتحرك.
فأجهشَ ذلك الزميلُ على بكائه.
ما كان يَظُنُ أن ترميه سهامُ المنايا، ليتقاسمَ طعمُ الرحيل، لذا بدأت الحروفُ تهربُ منه خجلة، تسكنه الحيرة، وتتسللُ ألوان لدموعه قبل أن يجيب، والنبضُ يُوخِزُ صدره من الألم، فتخرجُ مرارةَ الرحيلِ، بعدما يداهمه شبحُ الغياب، فتنمحي ما ظل من لون عينيه، ويهشمُ الموتُ بقايا العمر.
- اتكفي الدموع؟ وحروفُ الكلماتِ تمتصُ ذاكرةَ الحنين.
كيف سَيُبْحِرُ بموجه الغادر؟ وإن عاشَ، فسيبقى بقلبٍ متفحمٍ، يتشظى بعطره، والرحيلُ الماكرُ ينامُ على الأرصفةِ الدامية، يصحو ولا فجر يستقبله، سوى بقايا خريفٍ يهدده شتاتُ النهايات، وستدومُ مواسمُ النواحِ وتمطرُ النوائبُ، لتسقي وجدَها أزهارا سودا بلونِ كبده، ويشتعلُ في أوجِ الكلمات.
- مكلومٌ أنا يا ولدي.
فتُقتَلُ الروح، يتعاطى السبات، ويناجي الموتَ بِكُلِّ لحظةٍ، بعدما ملّته السكرات.
داود سلمان عجاج
العراق
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏لحية‏‏

الإناء المثقوب للكاتب المبدع / محمد خيرالله مصر

 الإناء المثقوب

للكاتب المبدع / محمد خيرالله

 مصر

يجلس مسندا ظهره على سريره الموروث من جده صاحب السمو والأراضي الممتدة في بلدتهم المسماة بلقب عائلته، ناظراً إلى عقارب الساعة التي طالما لسعتهُ فقتلته مراتٍ عديدة، يخالجه شعور الحزن، أنفاسه تتلاحق في صورة زفرات تشق سكون الليل المطبق أجفانه على ذلك المشهد الذي لايبارح وجدانه، عندما عُقِدَ قِرانهُ على تلك الفتاة الريفية ذات الجسم البضِ والتي وافقت بالإرتباط به مقابل حِفْنة من مالٍ دسها في جلباب أبيهاالمهلهل المزارع الفقير أبٌ لدى الكثير من الفتيات حتى صارت زوجته إلاَّ أنَّ فارقَ السنِ كان مزمارَ العُرسِ الذي جلبَّ ثعابينَ الجحورِ من مضاجعها السحيقة وجلبها إلى غرفة نومه حيثُ فشلت غُرةُ شعره الأبيض المتدلية في اِشباع شبق عروسه، ينتظرُ طويلاً ، يترقَّبُ هلالاً تلو الآخر؛ فيخيبُ أملهُ؛ عندما يرى
اِنسلاخ جدار بطانة الرحم محدثاً قطرات دم تخالطها دموعه الآخذة في البحث حثيثا عن وريثهِ المُنتظر
ثمَّ يَذهبُ بعيداً حيث مقبرة عائلته
ليروي نبتة الصبّار المعمرة ويقصُ مآل حاله إلى تلك الروح الساكنة بين هذه الصخور الصلبة
يرمقهُ حارس المقبرة، يقترب منه، وبفراستهِ المعهودة ينصحهُ أن يقدم النذور لصاحب المقام، هذا الشيخ الذي يهيم في فضاءات الليل ويعود مع قدوم الفجر محملاً بالنسائم والتبريكات لراغبي الذكور والبنات، قائلاً أنَّ له أجرٌ مع قدوم البُشرى، يبتسمُ الزوجُ العجوزُ سليلُ العائلةالبهوية، الأماني تلوحُ له في عينيه كعناقيد الياسمين، مسرعاً أحضر الكبش الأملح وذبحهُ تحت تلك القبة الخضراء غامسا يديه بدمه، ثم ركض إلى حسنائه ليصبغَ خديها بالحمرة، لكنّه لم يجدها، سآل عنها هؤلاء الفتيات اللواتي يلعبنَّ بالقرب من البيت، فأشارت إحداهن إلى الطريق الطويل الموصل إلى خارج القرية، قائلة أنها رأتها برفقة الشاب الذي طالما كان يداعبُ لها خصلاتِ شعرها في صباها، لاحقهما سريعاً في الطريق ذي الأشجار العالية وغيرالمُعبَّد، لكن الركض خلفهما أنهكه، فتهالك على الأرض بيدين جفتا من آثار دم المذبوح
تلفَّتَ بحسرة، لم يجد إلاَّ ماتبقى من زمنٍ قليلٍ وساقين منخورتي العظم يَتْكئُ عليهما، واِتجه إلى ذلك القبو الكائن بجوار المقام المُهدَّم؛ ليدفنَّ كل آماله المُنقضية هناك.
محمد خيرالله، مصر
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، و‏وقوف‏‏ و‏منظر داخلي‏‏

أمي مذنبة للكاتب المبدع / عمار عباس العراق

 أمي مذنبة

 للكاتب المبدع /  عمار عباس 

 العراق

عندما نقوم بزيارةٍ الى بيت جدنا كنا نلعب مع ابناء عمومتي كثيرا وفي كل مرة تأتي امي لتنهاني عن اللعب بقولها تعال سيأذونك تعال واجلس بقربي وهذا انما يدل على اني لم العب في شارعٍ قط
كنت اتالم في داخلي ويأخذني التفكير هل لأني ضعيف !؟ هل غيري افضل مني كل الاطفال تستطيع ان تهتم بأموره اله انا
وفي يوم ما قررت ان اعصي اوامر امي واخرج لألعب في الشارع وفي ذاك اليوم لعبت كثيرا واذا بي قد اغمي عليَّ فنقلوني حينها الى المستشفى وهناك علمت بوجود فتحة في قلبي
وكانت امي تعلم لهذا كانت تخاف عليّ من المجهود الزائد عندها علمت اني انا المذنب عندما ظننت امي المذنبة
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، و‏‏لحية‏، و‏جلوس‏‏‏ و‏منظر داخلي‏‏

بطانة المدير للكاتب المبدع / طلعت مصطفى العواد دمياط - مصر

 بطانة المدير

للكاتب المبدع / طلعت مصطفى العواد

دمياط - مصر

وقف المدير فاردا قامته . فى وسط الطابور الصباحى . التقط مايك الميكرفون . وكعادته ظل يخطب بكلمات رنانة عن الامانة والخلق القويم وعدم الكذب . لما لا . فالكلام صنعته يزينه كما يزين شعرات رأسه بالكريم . ويهتم ببدلته الزاهية ذات رباط العنق الوردى. ومنظر التلاميذ يزيد الموقف جلالا فهم واقفون فى انتباه تام فى مربع ناقص ضلع . والمعلمون على رأس كل صف . والمدير مسترسل فى حديثه والكل منتبه فجأة أطلق من فيه كلمات كالرصاص صوب وتجاه الاستاذ / طه . واصفا إياه بعدم الأمانة وأنه لا يصلح أن يكون معلما . كل ذلك على مرأى ومسمع مايزيد عن مائة معلم والف تلميذ. صعق المعلم من كلامه . ولم يعرف السبب لكل ذلك . عمله يؤديه على أكمل وجه. بالإضافة أن تلاميذ فصله ممتازين . كما أنه أعلى مؤهلا ومستوى ثقافى . كلام المدير الشديد ألجم فم الأستاذ على الرد . ظل يفكر الاستاذ طه ما سبب ذلك الهجوم . أخيرا تذكر أنه الوحيد الذى لم يدخل دكان المدير . المدير يملك محلا كبيرا الأقمشة والملابس . ويشترى منه .
هنا أدرك المعلم السبب. فى صباح اليوم التالى كتب الاستاذ طه مذكرة إلى مدير الإدارة يريد إنصافه وأخذ حقه و رد اعتباره أمام تلاميذه . على الفور أتى أكثر من محقق . لأن الإهانة كانت أمام مائة معلم وتلاميذ المدرسة . المحققون يطلبون المعلمون واحدا تلو الأخر . وقبل أن يدخل المعلم تراه يمر على غرفة المدير . ثم بعد ذلك يصرح له بالدخول . مايزيد على مائة ورقة تم كتابتها . والآن جاء دور الاستاذ طه فى التحقيق . دخل وكله ثقة أن زملاءه سيؤيدون صدق كلامه لأن الاهانة كانت أمام الجميع فى طابور الصباح . وفى منتصف الاستجواب كانت المفاجأة . المائة معلم كلهم أنكروا الإهانة وقالوا لم نسمع الإهانة . بل مدحوا فى خلق المدير خطيب المنابر ذو لحية طويلة . كلامهم كان صدمة كبيرة . كيف يحدث ذلك . كل الزملاء كذبوا من أجل إرضاء المدير . إذا أطلب شهادة العمال فهم الأمل الوحيد . بعد خيبة أملى فى رفقائى وجلسائى. ومن أقض كل الوقت معهم . إذا من فضلك أيها المحقق استجوب العمال . وبالفعل كان واحدا منهم ذو ضمير فتحى . هنا ارتاح صدر المعلم طه . وردت له ثقته بنفسه . لكن ماذا تفعل شهادة واحد . أمام مائة شهادة ضدها . قلب المعلم يمتلىء غيظا . كيف لمن يدعى الفضيلة ويدعوا إليها يكون إماما الكذب .
أفكارا متضاربة كثيرة تراود عقل الاستاذ . لكن فى النهاية أنه أقر أمرا سيكون مفاجأة للجميع وفى طابور الصباح وأمام الجميع .
كان الاستاذ طه ذو لحية أيضا يتمسك بالخلق والامانة. لكنه قال سأخالف المدير .بعد إنتظم طابور الصباح وحضر المعلمون جميعهم . دخل الاستاذ طه الطابور والكل ينظر إليه . لقد تغير شكله وأزاح لحيته . وعندما رأه المدير إندهش لم يستطع أن ينظر فى عين الاستاذ طه ونظر إلى أسفل إلى الأرض.
طلعت مصطفى العواد

شُرْم بُرُم و قرقباش * للكاتب المبدع / خضر إمواس فلسطين

 خُرافة جدّي

قصّ عليّ جدّي حكايةً في صغري وهي
شُرْم بُرُم و قرقباش *
للكاتب المبدع / خضر إمواس
 فلسطين 
إفتتح جدّي روايته بقوله : كانت للحيوانات - يا بني - فيما مضى ، ألقاب تُلصق فيها حسب ألوانها و مهامها ومكانتها ، فهذا التيس الأصبح وهذه الدجاجة الرقّادة وهذا القط دلّول ، و قصتنا اليوم عن الكلاب و الجراء ، فهذا الكلب سمّور وذاك الحامي وآخر عزّوز ، و بطل حكايتنا كلب اسمه نبّاح . هذه الفصيلة النادرة من الكلاب تخص شيخ المشايخ شرم برم وهو ( الحفيد المئة لأسرة الجبابرة ) ويمتلكها كذلك أحباؤه !! ويثير هذا الجنس من الكلاب العجب العجاب ، هيأتها وقوامها هيّاب وصوتها جلجال ، في حين أنها عاجزة عن حماية نفسها !! تجدها تتلصلص بين خيام عائلات فرعه و فرعه و فرعه و ... و بعض بطون عشيرة فرعونه .
تعيش هذه القبائل في قرقباش ممتد في فلاة مترامية الأطراف ... و هذا النوع من الكلاب يمثل الحكمة القائلة : " أسمع جعجةً ولا أرى طحناً "، وعند مضارب الحي يعكس القول الشعبي" العيار اللّي ما بصيب بِدوّش -- يصم الآذان -- ". جمّ العشيرة محروم وممنوع عليها إقتنائها ؟ وقد يستنبحها الشيخ للإعتداء والإستيلاء على حرمات و ممتلكات القوم الأقل حولاً !! مصادر أرزاقها ومالكيها متوافرة ، فمحلّة قرقباش محاطة بواحات تمدّها بالماء والتمر و العلف .
وكلاب الشيخ وشلّته * تصيت و تضوج إن رأت ظلاً ، خيالاً أو فزّاعة ، و تعوي و تبول على أعقابها إن عدا على الحي ضاريّاً ...وكنت فيما أذكر ، أقطع على جدّي الخَرِف إسترساله فأقول : " أووف و لكن" ... وكان جدي ينتفض بحزم ويكمل : اسمع يا ولد بدون - و لكن - لن أدلّك على زمان و مكان هذه المخلوقات !! ثم ...ثم أستسلم و أنصرف من جلسة جدّي الحكيم بحكمةٍ مجزوءةٍ ، و أحادث نفسي : ما هذا الفيلسوف الغامض المحيّر ، أتراه كان يُسليني ، يُلهيني أم يعبث فيّ ؟!
---------------------------------------
* قرقباش : كلمة عامية( لهجة فلسطينية ) تعني أرض لا هي خصبة و لا جدباء و أميل إلى البيئة الصحراوية .
* شلة : جماعة .
* خضر إمواس / فلسطين .
قد تكون صورة ‏‏شخص واحد‏ و‏لحية‏‏

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة