Translate

الاثنين، 25 يوليو 2022

صرصور قصة قصيرة بقلم الكاتب / عصام الدين محمد أحمد


 صرصور

بقلم الكاتب / عصام الدين محمد أحمد

الجو حار، مشبع بالرطوبة.
الكل نيام؛وكالعادة أنفرد بنفسي.
أتأمل الفراغ،أستعذب التوهان،تحيط بي كراسات وأجندات ودوريات وقلم وأوراق فارغة.
لم يبق لجسدي سوى هذا الحيز الضئيل الذي تجدني فيه.
على الحائط المواجه صرصور يتأرجح.
أقلّب الأوراق،أستحضر الذكريات،تأبى الذكريات المثول فالتعويذة غير ناجعة.
كهف الذكريات مازال مغلقا.
اللعبة لا تستهويني كثيرا،ولكنني ألتزم بطقوسها.
تبدل الجدار مرتعا للصراصير.
أرنو إليها،أدنو منها،ظلالي المهولة تكسو البقعة المحصورة بين حافة المكتب اليمنى ونتوء الحائط.
أرسم باللون الأحمر خطين متوازيين على الجدار.
تمرق الصراصير فارة من همس احتكاك الفرشاة بالحائط.
أعود إلى ورشة الورق،أستقطع الحروف،أصور السديم.
تعاود الصراصير التبختر.
قصصت في الأوراق:
"غررت بالصغير ليرافقني،نركب سيارة نصف نقل،حيرة ودموع متحجرة:
هل سيأتي المحامي في ميعاده؟
الزحام على كوبري أمبابة يسلحف كل المركبات،السائق يجابه الحديد والنفوس؛ناقلات،كارو،تاكسيات،دراجات،ميكروباصات،ناس،وناس،وناس.
أتخيل المشهد في مخيلتي المنفجرة:
تزنق زوجتي على السلم،تصفعها مرة ومرة.
تستغيث.
ما من مجيب!
تخطف منها الطفل،تلقيه في يد ابنتها.
تركلها.
تتوعدها بالمزيد أن لم تترك الشقة.
يصرخ السائق في قائد السيارة التي تزاحمه المرور:
افتراء."
يرفل طابور الصراصير.
أطفئ النور،أومض شمعة صغيرة،أكتم أنفاسي.
أترقب قرون الاستشعار الصائلة في شتى الاتجاهات.
زوغان وزغللة وعدة للأوراق:
"زوجتي سقيمة،هزيلة.
بيدها صغيرها.
تتجلد،تطاردها الكدمات،تنهمر الدموع.
في ذهنها شبح الفارس،سيثأر حتما.
تزيق السيارة،يتقذف السائق للأمام والخلف،زئيره يرجني."
انتحرت الشمعة.
ألتف طابور الصراصير دائرا حول ورقتي.
أنفخ،أرتل حروف الغضب.
ينشطون.
أمسكت الصراصير القلم،تشيد بالوعة.
فاحت الروائح العطنة.
أتأفف بصوت منطو.
أهتدي إلى حيلة؛أجلب مئات الأوراق،أكوم التلال منها.
الصراصير لا تلتفت إلى صنيعي.
أضئ النور،أقرأ بقايا الأوراق:
أهدئ من روع السائق،استغرقتنا ساعة لعبور الكوبري.
انحرفنا من شارع لحارة،دلفنا زقاقا ضيقا.
ارتكنت السيارة أسفل الشقة،قفز الصغير فوق صندوقها.
أناوله الأثاث من النافذة.
أضناني التعب والأرهاق والتحميل.
يفرغ المحامي من التفاوض.
يفسخ عقد الايجار،ويتنازل عن مبلغ التأمين."
أصطفت الصراصير مكونة أشكالا هندسية.
يبنون من أوراقي جسرا.
ينزلقون داخل فمي،يدوسون البلعوم،ينتشرون في أرجاء الحوف.
يتراشقون بالأطعمة،دبيب الحركة يزعجني.
امتشقت النبال.
انسالت المقذوفات تلاحق الفلول الشارة.
دقات الساعة تعلن السادسة.
أغسل وجهي،تتذمر زوجتي من رقادي وكوابيسي.
أستحلب بقايا فنجان الشاي.
تمت بحمد الله
عصام الدين محمد أحمد

تائه بقلم الكاتبة / هدى المغربي

 


تائه
بقلم الكاتبة / هدى المغربي

طفق بحثا عن الحقيقة، لم يجد سوى أباطيل تسكن أمكنة الضمائر .. بعد مسيرة دهر؛ عثر على حقائق مقيدة (مصفدة) بحبال طويلة أوثقتها أكاذيب الألسنة.

السبت، 23 يوليو 2022

جنرال ........... مروان زلط - مصر

 جنرال

مروان زلط 
 مصر
في زمن ما وقف القائد خلف نافذته يتأمل الطقس الغائم المعتاد لليالي الشتاء الحزينة.. تهطل الامطار كالخيوط الشاحبة في صدر الظلام .. من غزارتها خُيّلُ إليه أنها رِماح من كبد السماء تنغرز في قلب الجو المكفهر، فتنفجر البرودة معممة على الجو سيادتها. يدقق النظر في الأشجار المصطفة حول المنزل.. تتوسطها بساتين من أزهار مختلفة الأنواع ، يشعر بارتجاف وُريقات الشجر تحت ضربات النسيم المتلاحقة.. يسمع دبيب الحياة الخافت الهارب من عنفوان المطر ، وحفيف أثواب الواقع المُلطخَة بدماء الأحلام. تعزف السماء ألحان الموت على وتر الوجود الشفاف.. فتصل إلى أذنه أنغامها الحزينة وسيمفونياتها المُبكية. تسري الرعشة عبر فقرات جسده الفاني فيبتسم مُردداً كلمات لا يدري لها من المعنى شئ.
عدل القائد من وضع سترته وداعب الأوسمة المُعلقة على صدره فاهتزت أساريره ضاحكة في فخر. سمع صوت أقدام من خلفه فالتفت ليجد الجنرال واقفاً أمام الباب ينتظر الإذن بالدخول. أَذِن له فدخل وأدى التحية في صرامة.
تساءل القائد وهو ينظر إلى الجنرال بعينيه البنيتين القاسيتين :
- ما الأمر أيها الجنرال ؟
- ‏لقد جئتك بأخبار ربما تود أن تسمعها حضرة القائد.
- تكلم.
- لقد اندسست بينهم كما أمرتني.. وقد عرفت الكثير من الأمور التي ربما قد تسعدك.
- عظيم.. فلتخبرني بكل ما عرفت ، فأنا أشعر شعور مَن استيقظ بغتة مِن بعد غيبوبة استمرت لعقود.
- لقد وصلت الأمور إلى الحضيض سيدي القائد.. أصبح البحث عن الطعام كالبحث عن السماء السابعة ، لم يعُد هنالك عمل.. لا عمل لا مال لا طعام.
أشعل القائد سيجارة ثم أشار للجنرال بأن يكمل:
- العمل الوحيد المتوفر الآن هو جمع الفضلات والقمامة ، لقد دُمرت مياه الصرف منذ أن وقعت الواقعة. ولا سبيل للحصول على هذا العمل دون التسجيل والتقدم للوظيفة في المصنع. من يتم قبوله يحصل على عربة صغيرة يدور بها في الشوارع لجمع القاذورات واستبدالها من المصنع بقوت اليوم. ومن يعمل دون التسجيل في المصنع والحصول على بطاقة العمل يتم ذبحه فوراً. هنالك بعض المحتالين الذين يقتلون العمال ويستحوذون على بطاقاتهم الخاصة. ولكن أولئك يتم كشفهم سريعاً ويقتلون بأبشع الطرق؛ كي يكونوا عبرة لمن يفكر في مثل ذلك الأمر.
- وكيف يقتلونهم ؟ - تساءل القائد -
- يتم سلخهم وتعليقهم في الشوارع لكي يتعظ الباقون. ولكنهم لا يبقون على حالهم تلك كثيراً ، فبمجرد أن يُنفذ عليهم الحد؛ حتى تُسرق جثثهم ويتقاتل على التهامها الناس. إنها أثمن وجبة يمكنهم الحصول عليها في حياتهم. هنالك أيضاً الذين ما إن يموتوا في بيوتهم حتى يُصلي عليهم أهلهم ثم يشرعون في التهامهم. وهكذا تجري الأمور في الأنحاء كلها.
- وهل لدى الجميع بيوتٌ يسكنونها ؟
- بالطبع لا سيدي القائد.. إذا استثنينا البيوت التي حُرقت وهُدمت ومات أهلها. فهنالك بيوت يتم التناوب علي السكن فيها. وأما من يمتنعون عن التناوب فأولئك يؤكلون وهم نيام. لقد حضرني موقف شبيه عندما امتنعت عائلة عن الخروج من بيتها بحجة أنهم سكانه الأصليون من قبل حدوث الواقعة. كانوا خمسة. أب وأم وابن وابنتين. فليرحم الرب روحهم . لقد صعد إليهم في الليل لصوص فاغتصبوا النساء أمام رجالهم ثم أداروا فيهم الذبح وباعوا لحومهم مقابل مبلغ زهيد من المال. وهنالك جرائم عديدة مثل هذه وأبشع تعج الشوارع بها والبيوت. إن استباحة النساء واغتصابهن قد صار أمراً عادياً في كل ركن وزاوية.. وكذلك القتل. هناك أناس رفضوا فكرة التهام لحم البشر فالتهموا قاذوراتهم حتى ماتوا متسممين.
ضحك القائد ضحكة صاخبة وصاح :
- من الجيد سماع هذا. إن فناءهم هو ما نحن إليه ساعون. وأعتقد أننا في ذلك ناجحون حتى الآن.
- هذا ما أراه سيدي القائد.
- أكمل يا جنرال.
- إنهم لفي بؤرة سيدي القائد.. بل هم البؤرة في حد ذاتها. يمثلون المأساة الخام للوجود البشري. لقد أصبح العدم وجودهم يعيشون فيه ويمتثلون له في ذل ومهانة. عندما تنظر إلى وجه أحدهم ترى .. ترى الموت سيدي. أموات يحيون في الموت !! يهطل البؤس والشقاء عليهم مدراراً فيبتسمون لهما في ودٍ وترحيب. إن الضياع ليؤجج التيه ويعمي الإدراك ويُغرق النفس فيما ائتلت عن تغاضيه. إنهم لضائعون سيدي. بل هم الضياع في حد ذاته.
- وما الأنسب لهم من مصير في رأيك ؟
- مصير !؟ هؤلاء لا مصير لهم سيدي.. المصير نتيجة تترتب على ما تحدثه في حياتك فينتج هو عنها. أما أولئك فليس لهم من حياة مقدار ما للحياة من موت. وأفضل خدمة يسدونها لأنفسهم هي أن يرحلوا عن مسار الدنيا. يستمرون في عذابهم حتى يفنوا. بل وهذا أكثر مما يستحقون سيدي.
جلس القائد على كرسيه مولياً ظهره للجنرال.. خلع قبعته عن رأسه وجلس ينظر عبر النافذة في وجوم ثم قال :
- ‏حسناً فعلت يا جنرال. فلتنصرف الآن وفي الصباح لنا من الحديث بقية.
أدى الجنرال التحية وخرج مسرعا وهو يحك كعبي حذائه بالأرض. بينما القائد على مقعده جالس، يجول ببصره في الأفق المظلم ويتأمل حلكة السماء. غير منتبه لذلك الضوء الذي مرق من الظلام فجأة
فغشى عينيه.
مروان زلط 
 مصر

قصر السعادة بالخليدية .............................. كمال المبروك - تونس

 


قصر السعادة بالخليدية
كمال المبروك
تونس
مساء الخميس 2 ماي 2019
أوقف سيارته. فتح الباب الخلفي للسيارة حيث يضع السلال: غلال، خضر ومواد غذائية أخرى.... لا يرغب في الخروج من المنزل... يقتني كل ما يستحقه من المغازة ولا يحرم نفسه.. . " الطبيب نفسه لا يستطيع منعي من شيء. عش حياتك كما تشاء "
" لحم الخروف تجنبه، لا تفرط في الاكل " " يريد ان يقتلني شرًّا" (1)
" لا افراط ولا تفريط " " لن أفرّط في لحظة واحدة تسعدني ما .حييت... دكتور أريد الأدوية اللازمة و انا اعدك أن لا أتخلى عن العقاقير المانحة للصحة و الشباب... ألا تقضي العقاقير على اي عقار يمكن ان يصيبنا، ألا يخشى المرض الطبيب و المال... بالمال فقط يمكن أن تعرف راحة البال و السكينة. لا حاجة لي لجار ولا لصاحب ولا للعائلة. كل العائلة تنتظر ثروتي. ولا أحد يصرح بذلك، لا أحد يجرؤ على مخالفتي خشية غضبي. فالويل كل الويل لمن يتحداني سأحرمه الميراث... أو لربما سأكتب وصيتي لجمعية الرفق بالحيوان.. لم لا؟ سأكتب وصيتي و أقرؤها عليهم في القريب العاجل و اقول لهم : موتوا بغيظكم... فلا يزال أمامي عديد المشاريع... المزيد من الثروة... المزيد من السعادة...
….. فلا يزال في العمر وقت للتفكير في مثل هذه الأمور...
* * * فتح الباب. دلف منزله. قصر السعادة كما يحلو له تسميته. حاملا كل تلك السلال و لم ينتبه للباب الخلفي للسيارة الذي نسيه مفتوحا... الأمور على أحسن ما يرام. هو اليوم ثري، ثري جداً. يملك قصورا و اراضي شاسعة و منازل في أهم المدن :سوسة، قرطاج، الحمامات، البحيرة، جربة... أراضي هي في الأصل ملك أجانب و لم يسوي ساكنيها وضعيتها القانونية و تسجيلها. فأوحى له أحد المحامين بفكرة لا تخطر على بال شيطان <<يمكن تسوية وضعية هذه العقارات بالتفاهم مع أصحابها الأجانب دون علم ساكنيها "الغافلين" وهكذا تصبح "أنت" الصاحب الفعلي لها بعد أن تتم كل الإجراءات القانونية و تسجلها في دفتر خانه... حصل على العقار الأول فالثاني فالثالث و بعد أن تتلمذ على يدي أستاذ القانون "عبد الباقي ملاك" استغنى عن خدماته. ولم يعد في حاجة لمن يساعده في شق طريقه نحو القمة و المجد والثروة... من يومها لم يعرف معنى اليأس. كل الطرق تؤدي إلى "التحيل"... عرف المحاكم و الحكام و الكتاب والحجاب بالمحاكم و أصحاب القضاة من أهل و محامين فالغاية تبرر "الرشوة"و الرشوة في سبيل الرزق الجاهلة أصحابه بقيمته حلال مصفى... بالمال يمكن أن تفتح طريقا وسط البحر... يمكن أن تشتري شهودا... تزور عقودا بالقانون...
* * * *
بمنزله قصر السعادة بالخليدية. على الطاولة الرخامية بقاعة الاستقبال. الى جانب رقعة الشطرنج الفضية النادرة بطرازها الروماني. تذكر الظرف المرسل من المحكمة. حيث تركه ولم يطلع على محتواه....
* * * *
<< حين أريد أن اتنزه يرافقني "فوكس" في تجوالي. لا حاجة لصديق في هذا الزمن. يهابني الجميع ويخشون نباح "فوكس". من يدري لعلي أسمح له بالهجوم على أحدهم!!! >>مع شروده... حواره مع خصومه و خصوماته التي يخطط لها جيدا خصومات ألفها أ ادمنها... تخاصم مع الجميع.. بات ليلته يتأهب لقضايا رفعها ضد خلق كثير.. وقضايا رفعت ضده تطعن في بعض الأحكام الصادرة لصالحه. هذا الظرف امامه فتحه، قرأه. أعاد قراءته للمرة الثانية، الثالثة، الرابعة....
* * * *
الجمعة 3 ماي 2019
في الخارج وأمام قصر السعادة بالخليدية. الباب الخلفي للسيارة مفتوح، يوحي بأن صاحبها قريب ولن يتاخر لذا لم يغلقه...
الحركة بدأت تعج والحياة بدأت تدب و الشمس أشرقت بصباح جديد. عمت الحركة الطريق، الشارع. المحلات فتحت ابوابها... الروضة تستقبل وفود الأطفال و تودع الآباء. المدرسة ازدانت بصخب التلاميذ و هرجهم قبل الدخول الأقسام.
* * * *
<< نعلمكم أنه تحدد تاريخ 2 ماي 2019 موعد جلسة بخصوص العقارات الكائنة بقرطاج. لذا ينبغي الحضور لدحض الطعون المقدمة من لدن المحامي "عبد الباقي ملاك" أو القبول بها.... إن غيابكم عن الجلسة أو عدم الاعتراض قبل الجلسة يعني تخليكم عن هذه العقارات والقبول بما جاء في الشكوى المقدمة ضدكم>>
تاريخ الجلسة 2 ماي واليوم 3 ماي. الجلسة اليوم الثاني من ماي، واليوم ثلاثة، ثلاثة،...كانت آخر ما لفظه....ولفظ أنفاسه الأخيرة…
******
الهامش
(1)يقصد بالشرّ الجوع الشديد. مصطلح يستعمل في العامية.
كمال المبروك
تونس

القيامة بعد قليل سماح سعد مصر

 القيامة بعد قليل

سماح سعد
مصر
ينكسر الوهج على حواف الظلام فتنعكس الومضات بسرعة، كطعنات تمزق جسد الدُجى.
أضغاث أحلام. أم أضغاث وقائع؟!
أحبك.. ترن في أذنه كأنما تُقال الآن. مرت سنين مذ سمع هذه الكلمة آخر مرة.. أحبك.. أكانت إدعاء أم حلمٌ جميل؟
اليوم صارت الكلمة هباء.. وصارت المعاني ألغاز..
أيكذب عينه أم يكذب قلبه؟. أيُعاب الزمان؟ أتُنسى الذكريات؟ أم تراها تُستنكر؟ لعلها تُستنكر. أذكر ماضيك ما شئت فما فات قد فات والطريق واحد بلا رجعة.
أتذكر عينيها؟ تلك المكحولتين المزججتين بالجوى. وذاك الفم ... أرض المعارك والسلام.
أتراك تنسى..؟ لعلك تنسى..!
في الأيام الموعودة وبعد سنين الكد والشقاء عاد من الغربة تفحمه الوحشة والذكريات. يتلهف إلى البيت ووقت اللقى. حين تلتقي الأعين وتهتف الأفواه وتلتطم الأجساد في أحضان يغمرها الشوق والفرح.
أتذكر تلك الأيام؟ أيام ما كنت تشتاق العودة. تشتاق لدفء المنزل. تشتاق لدفء الأحضان. تشتاق لعينيّ زوجك والجلوس بين أطفالك. تلك الأنفس الطاهرة.. والنظرات البريئة العاشقة.
ولكن لماذا لم ترَ هذا؟ لماذا لم تلتقِ به؟ لماذا صار الحلم هشيماً تذروه الرياح.. وتتنفس به الذكريات.
ما أضنى الإشاعات حين تتنكر كحقائق.!
نازعته الشكوك في أمر زوجه. وترامت إليه الأنباء عن لقاءات خفية وطلعات مجهول . أتخدعه زوجه بعد كل هذا؟ ألراحة من كان يكد إذن؟ ألمن كان يتيه في الغربة ليحيا هو في الأنس؟ أكان يعبث؟ أكان يذرف الألم والساعات المرة ليُخان؟ أهكذا يا زوجي؟ أهكذا يا حبي؟
راح القال وذاع القيل.. وما شاع قد ثبت وما ثبت قد شاع. وها هو اليوم يُخان.! في البدء لم يصدق.. حاول نبذ الشكوك وتجاهل الاقاويل.. نازعته في الشك نفسه وتقاسم الحيرة معها في ثبات وتأني. حتى رأى.. ويا ليته لم يرى.
جالسة هناك والغريب أمامها.. ولا يفصلهما عن بعض سوى منضدة يعلوها كوبان. أحقيقة هذه؟ حقيقة ولا مراء فيها. ها هو الجسد الحبيب يُسقى العصير .. تاركاً إياه يتساقى بالألم والعذاب.
حاول تكذيب عينيه.. ولكن الدليل ينهي المرافعة.. لا تكذيب ولا تصديق.. لا دفاع ولا محلفين.. ولا مراد من أمر القضاء. وقد حكم القاضي وأمر بالانتقام.
لا تلين اللادن إلا مع الضغطة... وها هي الضغطة وقد أطلقته. كفر الليل بظلامه.. وكفر الحبيب بحبيبه.. ولم يبقَ من الحب سوى الخيبات. لا يعصم العقل عن الرغبة سوى الرغبة. إذا أراد نفذ.. وإذا أعرض اعتصم.
آفة العقل الهوى.. وآفة الحياة الخيانة.!
وما آفتي سوى الشك.. ودون الشك لما تأكدت. إذن فالصلاح في الآفة.. وفي الآفة الصلاح.
أتراك تنسى؟ لعلك تنسى..!
تمخض الليل عن النهار.. وكان آخر الليل قرار وأول النهار تنفيذ. بين الغيرة والشك شعرة. وبين الحب والراحة فدان.
غابت الشمس كالهاربة وراء السحب الكثيفة .. وكأنما تخشى ما ترى. تخشى ما يعتمر من هول في داخل تلك الظلمات. المليئة بالأشواك المتشابكة والنيران الجامحة. تلك النفس الواهمة الموهومة.
وكان منه أول ما رآها أن اختبأ خلف إحدى العربات.. انتظر حتى تدور مع العطفة وتخوض في الزقاق الذي يلوي التنفيذ فيه. يشعر بالاضطراب مع كل خطوة تقرّبه من اللقى. العرق يبلل قذاله .. وينسدل عبر سلسلة ظهره نقطة .. نقطة. ارتعش السكين في يده.
أتعوزك الحاجة عند الحاجة؟ أتخاف الآن وأنت عند المفترق؟ اتتساءل من أين المفر؟ اذهب فالطريق بلا عودة .. ومن يذهب لا يعود ابداً.
سقطت الثانية من عبّ الزمان وصار التقاطها مستحيلاً.
اعترض طريقها وحدق نظراته بين عينيها. كشفت أول ما كشفت عن بسمة لا يعتريها الخوف ولا يشوبها الندم.
امتدت الثانية حتى صارت أبدية .. لا مأوى للذاهب ولا رجعة للعائد.
أغمد السكين وكان من لحظتها أن اعترته الرجفة. اهتزت البسمة أول ما اهتزت.. قبل أن يعقبها اهتزازات ورجفات لا حد لها. تجمدت قبضته على السكين وكأنما تلك اليد قد قُدت من حجر.
أما هي فما كان منها سوى أن تهاوت.. وبين النظرات جحف الشوق وبرزت الحيرة. ولا يخرج من العينين سوى سؤال واحد : لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟
همد الجسد على الأرض. وهمدت معه حماسته. غمره هدوء غريب لم يعهده من قبل.
ما نتيجة كوي النار بالنار؟
انتشل حقيبتها من على الأرض وجعل ينقب هنا وهناك. حتى احتوت يده عل شئ مستطيل.. يطوى إذا شد ويرتخي إذا ترك. سحبه وأدرك ماهيته.. رفع الكارت أمام ناظريه وقرأ بصوتٍ عالٍ:
د. أسعد وهبي.. إستشاري الأمراض النفسية.
قلب الكارت في يده ورأى الصورة المطبوعة عليه من الخلف.. صورة الرجل الغريب الذي رآه البارحة.
ألقى بالكارت بعيداً واسند ظهره إلى العربة وهو يغالب نفسه عن الضحك.. أخرج من جيبه علبة السجائر وأشعل واحدة.. وطفق يفكر بينما الدخان يغمر رئتيه.
أتراك تنسى .. لعلك تنسى؟
وظل واقفاً هكذا ينتظر سماع السارينة..
بلا مبالاة .. بلا مبالاة .. بلا مبالاة ..
سماح سعد
مصر

الجمعة، 22 يوليو 2022

قطرات الندى وفاءعبدالحفيظ مصر

 



قطرات الندى
وفاءعبدالحفيظ 
 مصر
كلما استيقظ مبكرًا ومازالت غبشة الظلام تحيط الكون يظل داعيًا المولى إلى أن ينبلج الفجر، وتشرق الدنيا، يستقبل يومه بالأماني التي تخذله كثيرًا ، ذهب إلى الرصيف الذي دامت بينهما العشرة طويلًا يقدم إليه التحية كل صباح حتى تأتي البشارة ويقبل الغيم مستقبلًا قطرات الندى التي تسدالرمق ، يجلس بجانب صديقه من العمال (عم على) من رفقاء الفقر حين تضن عليهم دنياهم ويكون الحظ متخاصمًا معهم، جلس يشكو همه الذي جعله منكسر النفس أمام أسرته وابنته المريضة منذ ولادتها وهي في النازل، حتى لاحت من بعيد سيارة قادمة تهللت أساريره مستقبلًا إياها، نزل السيد أشار إلى عم على وأخذه معه ومر مسرعًا انكفأت رأسه واضعًا يده بين رأسه حزينًا تراءت له صورة ابنته المريضة وهي تصارع ضراوة المرض وهو عاجزٌ عن تقديم العون لها ثم فجأة يدرك أنها ستفارق الحياة ، اغرورقت عيناه وإذا بسيارة تقتل الطريق وتقف أمامه فزع منها وإذا بالرجل يربت على كتفه وأخبره بأن( عم على) أبى أن يعمل حتى تأتي معه، ركب السيارة احتضن عم صابر على وبكي على صدره.
وفاءعبدالحفيظ / مصر

ضفة أخرى ......................... قحطان عدنان السوداني بغداد_العراق

 



ضفة أخرى
قحطان عدنان السوداني
بغداد_العراق

سلفا كان القرار متخذا ، لكن التنفيذ قيد الدرس.هو لم يأت
بجديد ولا مستغرب ،وكل ما سيقال من بعده..من شابه أباه فما ظلم..وحتى من شابه أخاه الأكبر ايضا.سابقتان في نفس البيت تجعلان الأمر طبيعيا، و هو لايعرف معهن هل هي عدوى أم شيء ما ينتقل بالجينات، أو هو نفسه ذاك الموسوس عاد يسكن الدار، ويتربع مساء في حيز من الدماغ زانا حتى لا يفارقه إلا وقد تأكد إن قرار الإنتحار صار متخذا . قبل عشر سنوات كان أباه ،وبعده بخمس أخاه، وهذه الأيام صار الموسوس نديم لياليه،وكلما يتجاذب أطراف الحديث معه يضع سليم يده تارة على رقبته، وتارة يتحسس وريد يده الاخرى، لكنه هو ليس بشجاعة أباه، ولاحتى أخاه، هكذا حدث نفسه ،لذا صار يبحث عن طريقة مثلى أقل عنفا وأهون وجعا،فوجع عقاب الآخرة آت لامحال فعلام أستباق الأوجاع بأوجاع ،لاسيما وقد رأى مقدار ألم الشنق قبل شهرين، حيث أجهز على قطة فقتلها شنقا ، لسرقتها قطعة لحم من قدر طبخهما الذي لم ير اللحم منذ زمان، وإن إستشاطت الأم غضبا، لكنها هدأت مقدرة بأن الجوع قد يجعل حتى الأنسان يسرق،لكن سليم أصدر القرار والقى القبض ونفذ. أما صورة بركة الدم التي توسطها أخاه ، وشكل وريده النافض لم تفارق مخيلته، لذا صار يدرس طرائق أخرى.
أحست أم سليم بدوائر تدور بالبيت بعدما صارت خبيرة في تشخيص هكذا حالات، فجحوظ العينين، وأصفرار الوجه، وتناول قليل من الأكل،وعدم الثبات في مكان،وإصطناع ضحكات لأمر لا يستوجب، والأكثار من الحديث عن الشجاعة،كل هذه الأعراض تكفيها لتشخص إن الدوائر تدور، ومغازل الزمان تحوك، لكن كيف لها أن تشتت الدوائر ، وتنقض غزل مصيبة ثالثة ستحل.
عند مساء قررت الأم المفجوعة أن لا تسمح لمزيد من الفواجع، فما عاد في قوس صبرها منزع،وأرادت أن تحتفظ بأخر نبل في كنانتها، لذا صارت نديمة ليله حتى لا تترك الوسواس
يأخذ أبنها الى ما لا يحمد عقباه، وراحت تمازحه، متدخلة في شؤون قلبه علها تجد من تسكنه وبها تستطيع طرد مايسكن عقله،بعدما تقنعه بالزواج،لاسيما وقد تخرج من كليته بتقدير عال.
سألته مباغته ..ألم يدق قلبك لزميلة لك؟ ضحك ولم تعرف معها هل هي ضحكة مستغرب للسؤال، أم ضحكة مغبون قد خرج من رحلة الأربع سنوات خالي الوفاض.. راح بخياله ناظرا للسقف ثم أجاب..نعم يا أم سليم فقد دق قلبي لهن جميعا حتى صار كالدمام..لكنهن كصويحبات السياب، يأخذن مايحتاجنه مني ثم أُهمل.غربت عيون الأم نشف ريقها ، فهي تعرف الحقيقة لكنه بعينها هو كالغزال ..أرادت أن تقطع دابر حكاية مثخنة بجراح وعُقد حملها معه سليم منذ الطفولة..لكنه أراد أن يواصل مفضفضا، بعدما كان يدور كل ذلك في خلده صامتا. تركت أمه لعيون همومه أن تنضح ألما، وتركت لعيونها تنضح دمعا.. نظرت اليه ،أرادت أن توقف نضوح كوامنه، فقالت:ياسليم لايعيب الرجل شكله. نظر لها وكأنه معاتبا ، فهي أحدى عناصر خطيئة الأتيان به،ثم قال:
لو عوضه عن ذلك جيبه، لكني والحمد لله يتيم الشكل والجيب. هنا أرادت أم سليم أن تجبر له ما كسرته الأقدار فقالت: لكن لك أن تفخر عليهم بتفوقك ..أجابها إني إتخذت من التفوق سلاحا أصب به جام غضبي عليهم جميعا ،لا حبا بالتفوق.. وأردف مواصلا ..لكن بالمحصلة لهم كتب النصر وإن كانوا بدون سلاح.. وقال بحسرة المغلوب ..كانت معركة غير متكافئة بيننا يا أماه.. هونت عليه وأستأذنته لتصلي صلاة الفجر، لكنه فجر ولا كل فجر ، فما أن رفعت يديها للسماء..سمعت وكأن هاتفا قد جاءها بحل مستعجل ..ذهبت مسرعة اليه وبصوت ممتزج ما بين الفرحة والحزن قالت : ياسليم أنك قد خسرت معركة ولم تخسر الحرب بعد، فهناك جبهات سيكتب لك بها أنتصار..تفاجيء سليم لحديثها وهي المرأة متوسطة التعليم فقال معلقا
أن حروب البلاد المتواصلة علمتك تتكلمين كقائد عسكري على مايبدو..لكن على أية حال أي جبهة تريدني هذه المرة أن أقاتل.. قالت جبهة الهجرة مثل كثير من الشباب. لمعت عيون سليم وقف مذهولا لفكرة لم تخطر له ببال.. نزلت دمعة ساخنة وقال: وأنت.
قالت لاعليك .. أختك وزوجها سيعيشان معي.
نام ذاك الصباح ملء جفونه ،بعدما رمت له أمه بطوق نجاة سيأخذه الى ضفة بلا وسواس ،وبعد سنتين من العبور، أرسل لأمه صورة أمل ،أبنته البكر ذات العيون الزرقاء.
قحطان عدنان السوداني
بغداد_العراق

"لا آخرَ للجراح" .......... حميد محمد الهاشم/ العراق


 "لا آخرَ للجراح"

حميد محمد الهاشم/ العراق

في اللحظة تلك، تلك التي لا تطيق الوصف ولا الوصف يطيقها ، وقعت عيناي عليها، كنت مسلتقياً على ظهري، بل مرمياً ، أوجاع الندوب تصرخ في قفاي ، اختلط ما رأته عيناي مع صراخها، بعض الدماء تلطخ أنفي ، وما زالت بعض فقاعاته الساخنة تقرقر من فمي، كدمة قوية جعلت حاجبي يهبط منتفخا على عيني اليسرى.
التفت مائلا برأسي المُلقى على الأرض نحوها، بينما رفعتُ يدي مرتعشة؛ لتمسح دمي.
الزنزانة رطبة الجدران ،والبلاط مغبرو بارد ،غفوتُ في إلتفاتتي،في تساؤلي وفحيح أوجاعي ،أطبقتُ عيني بهدوء؛ لأدخل في نصف غيبوبة.
قبل خمسة عشر عاما كنت قد قرأت " الجراح والملح" ، لأكون صادقا ،فصلين فقط قرأتهما. أخذتني إلى الجراح ولم تُعِدني منها. لا ملح أبداً أخذتني إليه، الحق أقول أنني لم أصل إلى طينهِ ،فيما بعد عرفتُ أن آخر فصل هو من سيتحول فيه الطين إلى الملح.وفي العشر صفحات ما قبل الأخير يكون الجرح قد توسط ما بين الطين وما سيؤول إليه.لم أكمل إلاّ فصلين إذ جيء بجثمان صديقي، من حرب حصلتْ عبثا أو سهوا.
مقطوع الساقين، وشظية أو حزمة شظايا غُرِستْ في أحشائه.
فأيّ جرح وأيّ ملح سأقرأ، ركلتُ الرواية بقدمي وتناثرت كل الفصول.
الحلم أحيانا يخدم جلالة الذات ، ينتفخ كإمرأة حبلى ، والوليد لا يعرف متى يغادر مشيمة الوهم، ربما شهور، ربماسنوات ، ربما تتغير الحياة فلا نوراً يرى،فيظل المرء يحمل ذاتا مكّورة تحمل جنينا لا يريد أن يأتي ، أو يريد لكنه لا يستطيع.
_ ماذا تقول يا حسّان..بالله عليك كُفّ عن هذا الهراء ، في الجامعة كنت تهذي، نحن في الجيش الآن ،الجيش لا يناسبه هذا الهذيان ، أيامنا مثل البارود ، لا ندري متى تنفجر فينا أو علينا.
أنا حسّان بالطبع ،وهذا صديقي ،يلسع وعيي بنصائحه البالغة الرشد.
_ هل عدتَ الى هذه الرواية...ألم تقل إنك تكرهها،منذ إن جِيء بصديقك مقطوع الساقين ، فكيف عدت لهذا الهراء مرة أخرى.
في شتاء قارس البرد ومجنون المطر ، طفحتْ بالماء حفرتي المحشور فيها_ الخندق العسكري_ ، طفت أوراقها أمامي، كنت قد أكملت نصف جراحها وملحها، لملمتها ووضعتها قُبالتي على الطين ،على حافة الموقع،قرب فوهة بندقيتي،و التي كانت برفقتي في ذلك الفجر ،مرة أنظر إلى فوهة القتل، ومرة أنظر إلى الأوراق المسجاة ،تغطيهما السكينة الباردة المبللة.
فوهة وأوراق متجاورتان معا.
كنتُ قد تناسيتُ كراهيتي.
هكذا، إني تناسيت، فالتهمتُ نصفها قبل المطر، وبعد المطر كنت عازما أن أصل إلى خاتمتها، خاتمتها فيّ، أو خاتمتي فيها.
وشُيتُ بهذا من قبل مُخبر سريّ،" حسان يترك البندقية وينشغل بالملح".
_ " سيدي هذا كذب.. أصلا أنني أكرهها..لكن الفراغ....".
قلتُ هذا لضابط التحقيق.
أي فراغ هذا؟!
الفراغ كان كاملا ليومين في سجن الوحدة العسكرية، " هَدْنِي بلاش".
لكن تُمَنعُ إجازته لثلاثين يوما.
أووففف.
مرة أخرى ركلتها، ومرة أخرى سحقتها بقدمي، حتى دفنتها في الطين، حتى كأني أسمع أنين أبطالها.
تجاوزتْ الوشاية الأولى سنتها الخامسة ، ليدخلني مُخبر آخر وشاية ثانية. وشاية مدنية، أنا بأنفي وفمي وحاجب عيني وخرائط ظهري شيء من تفاصيلها الآن.
حسان _ والذي للأسف هو أنا_ قال مرة:
أن رأس الأمة حين يعشعش فيه قمل الجبروت ،فان تلك الأمة لن تكون لها أقدام قادرة على السير بها..وعاجلا أو آجلاً، أنها ستفقد رأسها وأقدامها معا ،ولن يبقى إلاّ القمل.
لا أتذكر أن هذه الكلمات لي، لكنها وضُعِتْ لي.. أو ربما من هذيان لي في غير خلوته،والتي أحياناً تلتهبُ فيها قريحتي.
خرائط قفاي ايقظتني، عيناي تنفتحان بألم ونعاس شبه مطبق، أنسللتُ من قيلولة الإغماء الاضطراري.
يختلط الأنين لعشرة من سكان هذه الزنزانة الموبوءة بتلك الجراح مع نظراتهم لي.
زحفتُ صوب الزاوية ،العشرة مع أناتهم يحدقون، ، عيونهم تتساءلُ عن مقصد زحفي، " ماذا يفعل هذا المعتقل المدمى".
اقتربت منها..، هي..هي..!!
آخر فصل لم يكتمل.
كيف جاءت هذه الرواية إلى هنا ؟!
لا تفسير أقنعني أو سيقنعني بوجود هذا الصديق والعدو في زنزانتي هذه.
ولا تفسير أقنعني أو سيقنعني،..لماذا هذه تلاحقني ؟! أم أنني الذي الاحقها ؟
مليئة هذه المرة ببقع صفراء ،وبثور سوداء، قضت الجرذان والفئران وربما المعتقلون حاجتهم على أوراق صديقتي المزمنة.
كل ما في الزنزانة اللعينة من اللعنة واللعناء منشدّين نحوي.
دهشة..ارتياب.. علامات استفهام وتعجب، بينما رحتُ أتلمس وأقلّب بهدوء تلك الأوراق مع خرائها، وبيدي الأخرى المرتعشة أكرف الدم المتجمد بين أنفي وفمي،ممزوجا بمخاط أولعاب معه، وكأنني أتهيأ لإتخاذ قرار ما.
ماالحكمة من حياةٍ تبدأ من الطين..ثم الملح..ثم الجرح، لتنتهِ إلى القمل والخراء.؟!
لابد أن أعرف.. أن أعرف ما تبقى. ضحكت مع نفسي وأنا أسمع نفسي:" الوقت مناسباً جداً لإكمال الفصل الأخير."
انتهت.
حميد محمد الهاشم/ العراق

الأرجوحة .................. كاملة الصعيدي/ سوريا


 الأرجوحة

كاملة الصعيدي/ سوريا

في العيد الذي انتظر فيه عودتها تعطلت أرجوحة المدينة وأخذت بأزهار الياسمين لصنع تاجً يُزين شعرها الأسود الحريري ،وأنسج من الخيوط الشتوية وشاحً وردي يُشبه وجنتيها الذائبة،وأنا في طريقي إلى محطة القطار بعد انتظار ثلاثون سنة ، وقفت في ساحةً واسعة يملؤها العُشاق ،والهواء يخترق زوايا جسدي...
ها أنا اشتم رائحة عطرها الحيوية بدأت أشعر بالدفء! أناملها تلامس معطفي، التفت إليها والحنين يآكل داخلي ومُقلتي..
ترنمت قائلة: كيف حال الأرجوحة، هل ما زالت صامدة كاشتياق قلبي لعينك وقوة انتمائي إلى حضنة بين ذراعيك؟
نظرت إليها والخجل يطوق ملامح وجهها الطفولي رغم التجاعيد التي تحيط عينيها وكأنني اسكن بين طياتها...
ثم رددت قائلا: أرجوحة الحب المُعمرة بيننا لا زالت تنتظر خصركِ النحيل وخصلات شعركِ الطويل ،في سبيل حُبنا شهدت الأرجوحة على الوعد الصادق.
كاملة الصعيدي/ سوريا

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة