مطاردة السراب ...
بقلم
لحرار سعيد...المغرب
لم يكن الفصل صيفا ولا حارا،ولم يكن المكان صحراء ولا فلاة ،ليظهر السراب في آخر الطريق ،حيث يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا. وتكون للحرارة لوحاتها الخاصة التي تحكي معانيها ،بل توقفت عجلة حياتي بغتة وكأنها تبحث عن راحة ما في محطة متأخرة من عمري، راحة عاطفية بامتياز ،تحمل كل معاني الحب و الهيام والإلهام ، وذلك بعد حوارات تحسيسية خفيفة متباعدة ،ليس فيها بوح بما في الفؤاد إلا من لمحات عابرة ، عبر منصة التواصل الإجتماعي ،كانت وفية والوفاء شيمة الأتقياء ،و هي من احتلت زماني احتلالا ، وقضت مضجع مكاني ،واهتز لها كياني ،حتى ملكت أعماقي و وجداني ،نعم أحببتها حب الهائم المتيم ،الذي وجد ضالته المنشودة ،والتي ستغير وجهته الغائبة ،أحببتها وكأني أعرفها منذ زمن ، أحسست بجمالها و بكل مفاتنها ولو من بعيد ،و بطبيعتها ،نعم حتى أنني سميتها بكل الأسماء التي يصدح بها العشاق ويتغنى بها المغرمون ،فقد كان لحبها وقع كبير في حياتي ،حسبت نفسي وكأني أعيش فترة مراهقة متأخرة ،كانت بعيدة عني ،هناك وراء البحار ،وراء الأفق ،وراء حيث لا أدري ،وقد جمعني بها هذا الأثير الحديث وهذا التواصل المعاصر و الذي بكل أسف لم يوصلني إليها كواقع ملموس ،و أنا لا جناح لي كي أحلق في سماءها وأسبح في فضاءها ،حتى تلتقي عيني بعينيها ،وأنتشي ببسمة ثغرها ، نعم تواصل تركني أطارد شبح حبها بلا هوادة ،أبحث عنها في كل شئ أصادفه ، سكنت في جميع الليالي التي أعيشها على نغمات إسمها ،خاصة حينما استلقي على سريري طلبا لقسط من الراحة قبل النوم ،وأنى للنوم أن يزورني وطيفها أطارده ويطاردني في غفوة وعلى الهواء في حضرتي وفي خضم وهم رحابي ...نعم لكل إنسان قصة حياة حب ،قد تتشابه البدايات و كثيرا ما تختلف النهايات ،وبينهما أحداث وأحداث ،تتنوع بين ظروف الزمان ومواقع المكان ،قصة صفحاتها تتقلب تقلبات الأيام ،وتقلبات الليل والنهار، وتقلبات الفصول في مسار الزمان ،فقد كانت زيارتها ليلا في صفحة حسابها الخاصة تأخذني الى عالم من الخيال الغرامي لا محدود ،أعيش مع هواها بكل طاقتي و بما يحمله فكري وما يدور في فلكه، و بحروفي وما تخطه أناملي من إلهام أدبي وشعري ،و كم كنت أناجي سراب حب لم أجد له طعما ملموسا، و من المعلوم أن ناشئة الليل هي أشد وطأ و أقوم قيلا ،و في الليل هدوء وسكون،وأحيانا يتعثر أمام هيبة هبة الرياح والعواصف والقواصف والأمطار ،الليل قبر النائم ،ومتاهة الهائم ،وما يبتغيه الحالم ،وما يخفيه الآثم ، ولليل مهابة وقدسية للمؤمن القائم ،وفي الليل جنون كوابيس وظنون ، وبين هذا كله كانت تتوزع أفكاري و هكذا كنت سجين هواجس هواي، أبحث عنها في متاهة الليل،أكتب بلا توقف ،ولا أشعر بمرور الساعات ، وكأني أبحث عن كنز مفقود .تأتي لحظات الإنتظار وإطلالتها المعهودة بين العتمة لتخط كلمات ذات صلة بما أشعر به ، تصلني كهمسات أتصفحها في الهاتف ، ولا أثر لخطواتها ولا صدى أسمع فيه طقطقات نعالها ،وتمتد روحي في قراءة تلك الهمسات الخفية والمتسترة وراء نور الهاتف وضوئه لتعيش في رحاب القدر والمكتوب ، وهذا الحب البعيد المنال ،والنفس تسعى سابحة سارحة سائحة عشوائية لهذا المبتغى ، وعيني التي ترى في الليل ما لم تره في ضوء النهار ، وكل بعيد لا يقترب ،ويدي تمتد وتمتد ولا تصل إليها و الى أي شئ ألمسه منها ،حتى طيفها يهرب مني ، عاشقا في ليل بلا بدر ،والفكر يلهو ويلعب ويرتشف مما يحمله الوجدان وعمقه ،والجسد يتقلب بين راحة على ذات اليمين وأخرى على ذات الشمال ،ومابينهما يعيش الأرق والسمر والسهر و الهذيان ،تتقطع الحروف إربا إربا و تحترق الكلمات سطورا و بلا صفحات،وتلوح الجراح مؤلمة بلا دم ولا أنين، تطارد السراب و تنتظرإطلالة الهزيع الأخير من الليل وتباشير الفجر القادم .
لحرار سعيد...المغرب
