Translate

الثلاثاء، 7 يونيو 2022

بَرْزَخ قصة قصيرة بقلم : خالد الرقب - الأردن


 بَرْزَخ

تَحْتَ أذيالِ الدُّجَى ، أظهرً أحْاسِيسَهُ وعواطِفَة في رَعَشَاتِ ريْشَتِه ، وهو ينقلُ صُورةَ أُمِّهِ المَيْتَةِ حديثاً ، أمْسَكَ خَيالُه بلحظةِ التقاءِ الفَنّانِ بالعالم الذي تَسْتَقرُّ فيْهٍ صَاحبةُ الّلوحةِ ، وفي فعلٍ أُسْطُورِيٍّ تجاوزَ معنى الحياةِ والموتٍ .
كانت عقدةُ الصِرّاعِ بين الحياة والموت في الواقع ولكنها في سياق الأسطورة هي قطعية بينَ ما هو شعوريٌّ وما هو لا شعوريّ " ، هكذا قرأً في الأساطيرِ العراقيّةِ القديمةِ " العالمُ السُفليِّ مكانٌ مظلّمٌ لكنِّ الشّمسَ كانت تقضي الّليلَ هناكَ ، وأنَّ القَمَرَ يَنْحدرُ إليه في كلٍّ شهرٍ ." هذا التَضادُ عَمِلَ على فَسْخٍه؛ ليستقرَ هو في جانبٍ مِن جوانبِه ، أوغلً في فضاءٍ كَونيٍّ لايمثلُّ ماهو محسوسٌ فحسب بل محسوسٌ وروحيّ ، وصورةُ والدتُه مختزلَةٌ في شكلٍ مُحَوّرٍ عنْ الشَكْلِ الطبيعيِّ ، بِناءٌ مرئيٌّ ولا مرئيّ في الوقتِ نفسِه نزوليٌّ - تصاعديٌّ .
من صُلبِ التناقض ِتَولًّدَ الانْسجامُ الذي يحققُ الطَمأنينةَ بدتْ الّلوْحةُ التي رسمها سطحاً تصويريّاً ، وبُقْعةً لونيَّةً تَعْكِسُ مايراهُ وما يفكرُ فيه في آنٍ واحدٍ ( سُرْيالِيَّة ) .
عند النهاية رَسمَ شريطاً أسوداً على زاويتها اليُسرى؛ فالأسود لونُ الموتِ هذا ما دَرَجَت عليه العَادة ُ، أدارَ ظهرَه ؛ داهمَه التِيْه عندما انقدحَ في خاطرِه أنًّ أمَّهُ من أهلِ الصَلاحٍ والتَقوى؛ فهي حيَّة في الجنة .
تناول ريشتَه ورسَمَ على الزاويةِ العلويَّةِ اليُمنى شريطاً أبيضاً ، كرمزٍ
للحياةِ وعلى الزاويتينِ السفليتينِ رسمَ شريطينِ أحدهما أزرقٌ لازورديِّ ؛ رمزاً لتكاملِ الدورةِ بينَ الحياة ِوالموتِ بجذورهما اللاواعيَّةِ للفكر ِ الدينيّ ورمزاً للهواءِ وللماءِ والقِوى الطبيعيَّةِ والآخرُ أخضرٌ رمزاً للجنّةِ .
أنهى لوحتَه برسمِ قلادةٍ ذهبيَّةٍ مُحمَرَّةٍ حولِ عُنقها رمزاً لشمس ِ أمِّه التي لنْ تغيبَ تأمَّل الّلوحةَ طويلاً رأى فيها الحَركةَ والسُكون ، َرمى ريْشتَه تاركاً للجمهورِ إدارة الحوارِ بين الحَركة ِوالسكونِ ، أما هو فتنكرَّ لذاتِه زاهداً واتجه إلى اللهِ كأنَّما أصبحَ متصوفاً.....
قصة قصيرة بقلم : خالد الرقب - الأردن

بقلم / محمد محمود غدية فتاة الإعلان قصة قصيرة


 قصة قصيرة :

بقلم / محمد محمود غدية
فتاة الإعلان
وجه المدير مليء بالغضب الذى لو وزع على الكون كله‏ يكفى ويفيض‏، وهو يطلب منه ملف زميله حسنى لتحويله للشئون القانونية لغيابه المفاجئ‏ دون تقديم إخطار مسبق بالأجازة‏،
ماذا يفعل حسنى أمام مرض إبنته ؟‏
هل كان يمكن التنبؤ بالمرض قبل وقوعه ؟
تباطأ فى تقديم ملف زميله‏ حتى تهدأ ثورة المدير‏ الذى ما لبث أن إستشاط غضبا، حين لم يجد الملف على مكتبه‏، طالبا تحويله هو الآخر للشئون القانونية‏، ظلم بين‏ لا أحد يجرؤ على مناقشة المدير‏،
فى الظهيرة يتقلص رواد المقهى، إختاره مقعد متهالك مثله ليحتوى حزنه‏، ومنضدة نظفت حديثا‏‏،
أشعل آخر سيجارة فى العلبة التى كومها وألقى بها خارج المقهى،
فى وجه المدير الذى تمنى وجوده فى تلك اللحظة‏،
يحدق فى فتاة الإعلان، فوق لافتة مواجهة للمقهى، يريد أن يحفظ ملامحها‏، جميلة تبدو عليها آثار النعمة‏ مغسولة من الهموم والأوجاع‏،
تتسكع ذاكرته وتذوب خلف طيات الأيام، ولحظات الزمن المتراكم‏،
أين له بمثل هذا الوجه الأبيض رهيفة الملامح ؟
وذلك الشعر الناعم المنسدل‏، كأنها قادمة من أغلفة المجلات الفنية‏، لابد وأنها واجهت الكثير من إنتقادات ورفض أسرتها‏، لتكون فتاة إعلان أو موديلز‏، فهذه مهن لا يباركها المجتمع‏ لكن شجاعة الفتاة فى إقناع أسرتها‏، وإقتحامها ذلك المجال‏، جرأة تحمد عليها‏ لم يعد يراها‏، أحاطت به هالة من ضباب مصفر غير صاف‏، حين باغته وجه المدير الذى غطى مساحة الإعلان، مئات الحشرات الصغيرة‏ تفترس روحه اللينة‏، موجة عاتية قذفت به نحو رمال شاطئ مجهول‏، إنتبه لصوت النادل وهو يصب القهوة فى الفنجان‏، غامت المنضدة وما فوقها،
شاركته القهوة السكون المطبق المقبض‏،
قرر مواجهة المدير‏ : إنه لايقل شجاعة عن فتاة الإعلان‏، كان لابد أن يأخذ بالأعذار،
تحويله وزميله للشئون القانونية ظلم بين‏ !
لا وجود لقلعة تتعرض للهجوم يوميا‏، مهما كانت حصينة، إلا وتنتهى إلى السقوط يوما‏، لا يهم أن يكون الأول فى بدء الهجوم‏، المهم المواجهة‏، الإستسلام للظلم‏ مهانة أشد‏،
أحس وهو يغادر المقهى، بأن الأحزان بدأت تفارق قلبه شيئا فشيئا‏، لم ينس أن يلوح بيديه لفتاة الإعلان التى بادلته الإبتسام، بعد أن ألقت إليه بوشاح الشجاعة‏ .

رجل من الماضي بقلم / ناجح صالح


  رجل من الماضي 
بقلم
ناجح صالح

ان كنت أذكر من عهد الطفولة فأذكر أنها كانت طفولة ممتعة , وأغرب ما فيها مشهد رجل لا يشبه أحدا ولا يشبهه أحد كأنما ولد من رحم غول , عريض المنكبين ممتليء القامة , شعره المخضب بالمشيب ينسدل على كتفيه , له فم واسع وعينان كعيني ذئب مع حاجبين كثيفين . أما لباسه فكان قصيرا لا يعدو الركبتين قاتما مرقعا , بينما بقيت قدماه عاريتين في قيظ وبرد .
لم يكن هذا الوحش سوى متسول يدخل الزقاق قبل الظهيرة وقبل العشاء , يطرق الأبواب طرقات ثقيلة توقظ النيام , ولم تكن له لغة يتحدث بها الا أنه يطلق أصواتا مبهمة .
كانت في يده عصا غليظة على الدوام يتقي بها من يريد ايذائه لكنه نادرا ما يفعل ذلك , ألفه أهل الزقاق فلم يعد يخشاه أحد بيد أنهم كانوا على حذر من المزاح معه خوفا من غضبه , فهو اذا ما غضب لا يقوون عليه مجتمعين .
وحينما يزاول الصبية لعبهم ومرحهم يمر هو من بينهم دون اكتراث من جانبه بينما يكتفون هم بالابتسامة والاشارة دون وجل .
من أين منبته ومن أين جذوره ؟ لا أحد يعرف اذ لم تكن له أسرة ولم تكن له دار , ينام في العراء في مكان مهجور في أقصى المدينة .
ولعل أغرب ما في الصورة أن السن التي كان عليها الرجل تجاوزت الثمانين , هكذا يخيل لمن يراه الا أنه رغم ذلك كانت له قوة غير عادية , يسير بخطوات أشبه بالهرولة , عجبا كيف تسنى له هذه القدرة على البقاء بل الصمود في زمن كان الفقر سمته وطابعه .
وما أذكره عن المتسول الذي يثير العطف والرثاء معا في تلك الطفولة الممتعة اننا كنا نرتاح بمقدمه رغم هيئته البشعة ولعلنا كنا نتعاطف معه وربما أحببناه , اذ أصبح جزءا من مشهد اعتدنا عليه كل يوم , وهو حينما يغادر الزقاق حاملا على كتفه متاعه بل قوته الذي جمعه كنا نهمس بحسرة على بؤسه ووحدته وغربته , أجل كان يراودنا هذا الشعور في ذلك العهد .. شعور بالألم والمرارة نابع من الأعماق .
ولقد أحزننا فيما بعد أننا افتقدنا الرجل أياما متتالية في الوقت الذي لم يغب عنا قبل ذلك يوما طيلة أعوام , ترى فيم غيابه وما الذي استجد , هل أصابته علة وهو القوي ؟
وجاءتنا المفاجأة التي هزت قلوبنا الغضة وأبداننا الطرية , جاءت المفاجأة بموته في العراء وحيدا بائسا مشردا , دون عزاء من أحد , غير أننا نحن صبية ذلك الزقاق افتقدناه وطالما ذكرناه حينما بلغنا مبلغ الرجال .
وما تزال حكايته حكاية نرويها لأحفادنا تسلية وعبرة .

العَجوزُ الشّمطَاءُ ... بقلم : فريد المصباحي/ المغرب


 العَجوزُ الشّمطَاءُ ...

إتّجَهتْ نَحوي تَخطُو خُطوةً وتقِفُ أخرَى ، تَمشي ببُطءٍ ، إحدَى فردَتَيْ نَعليْها مُقطّعةٌ ، نِصفُها ذَهبَ ، تَحملُ كيساً تبدُو عليه أثارُ الإهمالِ والتّمرُّدِ والتّشرّدِ ، شعرُها إلى الشّيبِ مائلٌ ، عَينُها اليُسرى جاحِظةٌ ، وقَفتْ هُنيهةً تتَأمّلُني ، إنتَابَني خوفٌ ملأَ جوارِحي ، إرتعَشتْ رُكبتَايَ ، خفقَ قلبي خَفقانَ الهاربِ من الأسدِ ، خِلتُها سائلةٌ أو عابرةُ سبيلٍ ، وقفتُ وقفةَ جُنديّ يَستَعدّ لأيّ هُجومٍ مِن مسَافةِ صِفرٍ ...
وضعتُ يَدايَ على صَدري أترقّبُ ردّةَ فعلِها بعد أن صارَحتُها أنه ليسَ لديّ ما قد تَطلبُهُ مِن مُساعدةٍ مهما ضؤُلَتْ ، إستَغلّت خَوفِي وتَرقُّبي وتوجُّسي ، لتَنقضّ عليّ بكِلتا يديْها ثمّ شلّتْ قوّتي ، حاولتُ أن أتخلّصَ منها ، لكنّها كانت لي بالمِرصادِ ...
لم أستَطِع الإنفكاكَ منها ، تَمكّنتْ منّي ، وكأنّنِي بين فَكّي كمّاشةٍ ...
حاولتُ جاهداً التَّخلّصَ من قبضَتِها ، زادتْ قوّتُها ، وضعُفت قوايَ ، أحسَستُ وكأنّني فريسَةٌ ، زُرعَ في جِسمي سُمٌّ شَلّ جوارِحي ولم أعُدْ أقدِرُ على الحَركةِ ...
صرخْتُ بأعلى صوتِي ، أستَغيثُ لعلّ أحداً يسمعُ ندائِي في تلكَ اللحظةِ العَصيبةِ، لم يتَجاوزْ صُراخي حُنجُرَتي ، وبدأتُ أتَمتِمُ بكلماتٍ مُتَقطّعاتٍ ، وأتلُو آياتٍ من الذّكرِ الحكيمِ ، فلم يجدِ ذلكَ نفعاً ، توهّمتُ أنّها جِنّيّةٌ ، من عالمٍ آخرَ !
شمَمتُ فيها رائحةً كريهةً لا تَقبَلها طبيعةُ الإنسانِ ، تزكمُ الأنوفَ ...
زادَ صُراخِي ، وهي تعصُرُني ، تجُرّني إلى مكانٍ ضَيِّقٍ شبهُ مظلمٍ ، وبِشِقّ الأنفُسِ ، أخرَجتُ يَديّ من بينِ يَديْها ، خنَقتْني بصَدرِها المُتعَرّقِ ، أمسَكتُ وجهَها أدفعُها لأبعدَها عنّي ، ضغطْتُ على عينِها الجاحظةِ حتى كِدْتُ أفجّرُ مُقلتَها ، فٱبتعَدتْ عني قليلاً ، حينئذٍ شعَرتُ بثِقلِها يَضعُفُ ، بدأتُ أتنفّسُ بيُسرٍ .
وبعدَ لحظةٍ إختَفتْ ولم أجدْ لها أثراً ...
سقطتُ أرضاً ، والعبراتُ تَخنُقني ، وركبتايَ ترتَعشانِ ، وقلبي يدقّ بسرعةٍ وبِصعوبةٍ قمتُ من تِلك الإغماءةِ لأجدَ أُناساً لا أعرفُهم تَحلّقواْ حَولي يَتَحَوْقَلُونَ !!!
بقلم : فريد المصباحي / المغرب

حرب باردة أريج الحمدي تونس

 حرب باردة

في لحظة غير معلومة تنشب حرب من أكثر الحروب دمارا وفتكا قد يمكن أن تصيب الإنسان، حرب مضمرة من الجميع، الجميع كان سببا في تأجيج لهيبها وزيادة سعيرها، كل متورط فيها، لم يكن ذنبه غير أنه تساهل في التعامل مع عالمه الخارجي، لم يأبه قطعا للذئاب المتوحشة التي تعم المكان ولا لأصحاب الأقنعة... كان صديق وسند للجميع، لم يخذل أحدا ولم يهجر أحدا، لم ينقض عهدا، لم يهدم سعي وأحلام أحدهم، كذلك لم يخيّب أمالا، يطل بإشراقيته البهية وعلى ثغره قد ارتسمت ابتسامة جذابة تشد الحشد إليه، بحلوله تعم البهجة المكان، وتسعد الأعين برؤياه، وتعذب الآذان لصوت تلقاه، وتشدو الأصوات بنعيم الحديث، الجميع في تنافس لنيل اعجابه وإثارة انتباهه... وكيف لرجل أعمال متواضع مساعد للجميع محسن لمحيطه أن ينبذ؟ كيف لرجل وسيم مثله أن يكره؟ وإذ كان الحال فيه ضربا من الواقعية فإنه لا يبشر بالخير الباتة، كل ما يتبادله الجميع من أحاديث وأخبار لم تكن توحي للسامع بغير أن ذاك الرجل ملاك يمشي على الأرض، والمعلوم أن الإنسان مهمى بلغ من الزهد مراتبا لن يكون ملاكا وإنما إنسان جيد... انقلبت الموازين فأصبح ملاك الجميع شيطانا كريها، بغيضا، حقودا على يعني جنسه... ليس ما في الأمر غير أنه وقع من العلا في المحيط غير الملائم، فقد ثروته وجاهه بين أناس عملتهم المال، والكثير من المال، وميثاق صداقتهم من وهن قد نسج... فقد الجميع دون ذنب فقط لأنه عادلهم مالا وعلاهم أخلاقا، حقيقة ليس من السهل على الإجتماعي أن يتكيف مع الوحدة مرغما، ولا أن يفقد مكانته بين ليلة وضحاها، كانت فترة من أصعب فترات حياته، شهد فيها الأسى والحزن بألوانه الدامسة، كان يتألم بشدة في شيء من الإستياء، لم ير حلا مناسبا غير مغادرته المدينة، مغادرة العقول الصغيرة، مغادرة وهجر ما يقيده ويكبل سعادته ويمنعها عن الخروج... وما حدث كان خير قرارا، وجد نفسه بعد الإحباط والخوف إنسانا مختلفا تماما، يحركه دافع الشغف والأمل، وجد قوة في باطنه لم يشعر بها من قبل ليس أنه لم يعتد على الكفاح وإنما لأنه كان يجهل قيمة ذاته واِستسلم إلى النمامين وسمح لهم بتدميره، اِكتشف مؤخرا أنه كان من الضروري تغيير نمط حياته، وأن الحياة تستحق المجازفات وبعضا من الجنون، اكتشف أن لكل إنسان محيط خاص يمكنه من النمو والتحليق عاليا والمضي قدما... ليس مهما ما مر به من عثرات بقدر أهمية فوزه على تلك الحرب المضرمة في قلبه، كخطوة جريئة قد أغلق جميع نوافذ الضعف، وقتل الذكريات ببشاعتها، ليس سهلا اخماد نار حرب كاملة بوجود تلك العتبات والعثرات... ليس سهلا إعادة نبض قلب ميت، إعتاد الحزن والكآبة... لكن لابأس، الحياة تستحق المجازفة ببعض الأحاسيس، بعض الأشخاص والكثير من الذكريات، إنما تستحق الجنون وإطلاق العنوان للِاندفاع... لا يعرف نكهة الحياة إلا من جازف وغامر وقلب الموازين لصالحه، وحول الفشل إلى قوة ونجاح، والإحباط إلى أمل، واليأس إلى تفاؤل...
أريج الحمدي
تونس

عمـّو الشرطي سامي نعسان آغا، سوريا


 قصة قصيرة 

عمـّو الشرطي

الشرطي أيام الستينات من القرن الماضي، يختلف بالطبع عن شرطي القرن الواحد والعشرين. ليس فقط في موضوع الـ 25 ليرة، إذ لا فرق كبير إذا وضعنا في الحسبان سعر الصرف في أيامنا هذه، وإنما في مواضيع أهم. كان شرطي الستينات له صولةً وجولةً، وله سطوةً قانونيةً، يهابه الكبار قبل الصغار. في أحد الأيام كانت أم محمد تتجول في سوق الخضار، معها ابنها محمد، بعمر 5 أو 6 سنوات، (حمّودي،) كما تناديه أمّه، مدلل، صبي على 5 بنات، كلمته عند أبيه ما تصير كلمتين، كان يبكي بدموع سخيّة وأنف يسيل، يرفض أن يمشي، مجحرناً، كما نقول في إدلب، يشد ملاءة أمه السوداء ويصيح بها أن تشتري له لعبة. لكن ما تبقى معها من نقود بعد شراء لوازم طبخة اليوم لم تكن كافية. إذ أن أبو حمّودي لم يوفّق اليوم حتى منتصف النهار سوى بنقلتيّ ماء، ينقل الماء على ظهر دابته إلى البيوت في صفائح من تنك، من الحنفيّات العامّة في ساحة البازار، وقد قلّت مؤخراً أعداد زبائنه لأن بعض الناس، كما يردد دائما أبو حمّودي، (ما عاد يعجبهم نقل الماء، صاروا يجيبوه على بيوتهم في بواري حديد). عجزت أم محمد عن إسكات ابنها، ماذا تفعل؟ رأت الشرطي قادما باتجاهها، ببذلته الكاكي ذات الأزرار النحاسية اللمّاعة، وعلى رأسه قبعة من نفس لون البذلة، والمسدس الحكومي على خصره، نظراته صارمة وملامحه جادة. وجدت أم محمد فرصة للاستنجاد بالشرطي من أجل إسكات الصبي. صاحت:
ـ يا عمّو الشرطي تعال خذ حمودي عالحبس لأنه عمّا يعذّب أمه.
التفت الشرطي ونظر باتجاههما، استوعب الموقف، وعلى غير عادته ابتسم في وجه الصبي، هو أيضاً عنده ولداً آخر العنقود، من عمر حمّودي تقريباً، ويعرف كيف يتعامل معه. قال له مداعباً:
ـ ليش يا حبيبي يا حمّودي عمّا تعذّب أمّك؟ مو أنت شاطر وحباب؟
جلس الشرطي القرفصاء، أصبحت عيناه بمستوى عينيّ الصبي، الذي بقي متمسكاً بملاءة أمه السوداء، متمترساً خلفها، ينظر في حيرة ممزوجة بالخوف، يحاول التنبؤ بما سيفعله هذا الشرطي. خلع الشرطي قبعته ووضعها مداعباً على رأس الصغير، ثم نظر إليه وقال:
ـ يا سلام، يلبق لك يا حمودي يا عين عمّك أن تصير أحسن شرطي.. (سكت، فكّر أنه لا يريد لهذا الصبي أن يصبح شرطياً بائساً براتب 180 ليرة سورية، لا تكفيه لإطعام نصف دزّينة أولاد مفاجيع، يأكلون شعر الرأس، مثل أولاده). يلبق لك أن تصير أحسن رئـيس.. (ولم يشأ له أن يصير رئيس مخفر، كان يكره معلّمه لأنه يعامله بفوقيّة، (تعال يا شرطي خذ بابور الكاز من عند المصلّح وديه البيت، وشوف معلّمتك شو لازمها أغراض،) أنا عندي خدمة 20 سنة، ونصف دزينة أولاد، أعمل خادماً لرئيس المخفر!
لثوانٍ تخيّل أنه يخاطب ابنه، آخر العنقود، (لا، لن أقبل لهذا المسكين أن يكون مستقبله في سلك الشرطة). وجد نفسه يقول من غير تركيز:
ـ يلبق لك يا حمّودي يا عين عمّك، أن تصير أحسن رئيس جمهورية وتحكم العالم.
بنفس اللحظة كان، ولسوء حظ عمّو الشرطي، يمرّ بقربهم صدفةً، مُخبرٌ يعمل لصالح الجماعة له خط رقعي جميل، سمع الحديث.
أثناء محاكمة الشرطي، وَجَّه إليه النائب العام العسكري، تهماً لو تمّ تصديقها من الحاكم العسكري، لأدّت إلى الحكم عليه بالإعدام. وُجِّهت إليه تهمة التآمر لقلب نظام الحكم، وتغيير رئيس الجمهورية بالقوّة، وإشاعة الفوضى في البلاد، بمساعدة شركاء له هاربين ويتمّ البحث عنهم، خاصة المدعو حمّودي المجهول الهويّة، كما ورد في محضر اعترافات الشرطي، المدعو محمود محمد الحسين، والدته نزهة، من قرية تل بشمارون، المدوّنة في التقرير المرفق، والموقَّع عليها من قِبَله، أثناء التوسّع معه بالتحقيق في القبو.
ملاحظة: أي تشابه بالأسماء في هذه القصة، يكون محض صدفة، من خيال المؤلف.
سامي نعسان آغا، سوريا
اللاذقية 25 September 2015

الهاربة أحمد المودن - المغرب

 



الهاربة
قالت لي:
- البس ملابسك بسرعة ، وهيا بنا لننصرف قبل أن يعود...
سألتها ببراءة:
- من؟...من سيعود؟...ومن أين سيعود؟
فردت علي وهي تجمع ملابسها على شكل كومة:
- أبوك...علينا أن نخرج قبل عودته من السوق...
استحوذت علامات الإستفهام على مخي البريء، فسألتها من جديد:
- أمي، تبدو المنطقة المحيطة بعينيك زرقاء، رغم الكحل، وكذلك خدك، من ضربك؟...هل ضربك أبي من جديد؟...لماذا يضربك باستمرار؟
تبكي كطفلة صغيرة...ثم تنصرف إلى غرفة أخرى...
أتبعها، وأنا أمسك بتلابيب قفطانها:
- لماذا ضربك يا أمي؟
تتصنع ابتسامة، ثم ترد:
- لا، لم يضربني أبوك...فقط كنا نمزح فأصابني في عيني...ضَرْبُ الخطإ فقط...
- إذا كان الأمر كذلك، فلماذا إذن تستعدين للهرب مرة أخرى من المنزل؟!
- ستعرف كل شيء حينما تكبر يا ولدي...هيا...هيا لنغادر البيت حالا، سنذهب إلى منزل جدك بمدشر آخر بعيد...
طبعا ليست المرة الأولى التي أرافق فيها أمي إلى بيت جدي الذي يبعد عن بيتنا بعشرات الكيلومترات...فأنا تعودت على ذلك بعد كل خصام يحدث بينهما...أبي رجل مرح جدا مع الناس، لكنه عنيف جدا مع أمي، بل حتى معنا أيضا، حينما يريد مداعبتنا يعضُّنا عوض أن يقبِّلنا...فهل هو يعض أمي أيضا؟
تساءلت مع نفسي وأنا أغلق الباب خلفي...
أمي تحمل فوق رأسها قفة مصنوعة من الدوم، تماما كما تفعل عند ذهابها لحضور عرس أو عقيقة أو حفل ختان...أكيد أنها تحاول إخفاء قضية هروبها من المنزل عن سكان المدشر، بدعوى ذهابها لحفل بمدشر أبيها...هذا ما تأكدت منه وأنا أسمع أجوبتها على أسئلة نسوة المدشر...
كان لدي إحساس بالرجولة رغم صغر سني، صحيح أنني لم أتعد السادسة من عمري بعد، ولكنني اليوم حارس أمي، بل مجرد تواجدي إلى جانبها يعطيها إحساسا بالعفة والطهارة، كما يمنحها الشجاعة لقطع الغابة التي تفصل بين المدشرين. وما أوحشها من غابة!
يبدو أنني أصبحت كبيرا في نظر أمي، نعم سأدافع عنها إن اعترض سبيلها لص أو معتدٍ، سأقطعه بشفرة الحلاقة التي أخفيها بجيبي...انا بطل...يجب أن أثبت لأمي أنني أصبحت رجلا...ولم لا؟! ...فقد كسرت أسنان إبن عمي قبل يومين، حينما حاول سلبي ما سرقتُه من بيض للعمة رقية...أنا بطل خطير...نعم يمكنك الإعتماد علي يا أمي...
هكذا كنت أهذي مع نفسي، وأتحدث إليها وأنا أسير خلف أمي.
فجأة تغيرت الأحاسيس، بل ومباشرة بعد التوغل في الغابة...عم السكون، إلا من صوت نعالنا التي تطأ الأرض، أو تغريدة متقطعة لطير...
بدأ الخوف يسيطر علي، خاصة حينما نصحتني أمي قائلة:
- لا تلتفت إلى الخلف، حتى لا يصفعك جني أو عفريت...
كدت أفعلها في سروالي، لولا أنني قاومت...
تذكرت ما حكاه لنا الفقيه يوما عن تواجد قطاع الطرق بالوادي وسط الغابة...تساءلت مع نفسي: كيف سأتصرف لو أن أحدهم حاول اعتراض سبيل أمي، او اغتصابها؟
رسمت خطة: سأقترب منه وأنا أبكي...سأمثل عليه دور من يستعطفه، ثم أجرحه بموس الحلاقة...نعم، حينها فقط سيهرب...ثم سنهرب نحن كذلك....
طريق الغابة طويل جدا، وكأنه لا نهاية له...الخوف يكبر بداخلي...
بحركة خاطفة، مررت أمي بأصبعها على أنفها طالبة مني التزام الصمت، يبدو أنه هناك أصوات لرجال يتحدثون...أنا لم أشاهد أحدا بعد...
فجأة يظهر رجل يحمل على كتفه لفافة بها قنب هندي...ثم يظهر خلفه آخر...بل سرب من المهربين...فقدت السيطرة على جهازي العصبي، فبللت سروالي...
بذكاء ناديت بأعلى صوتي:
- أبي...أبي...الحق بنا بعد قضاء حاجتك...
كان الرجال يحيوننا، وهم يسيرون بشكل متباعد، سألني أحدهم:
- ألم تصادفوا يا ولدي رجال الدرك في الطريق؟
بسرعة أجبته:
- لا يا عم، لم نصادفهم...بل حتى الرجل الذي ستصادفونه في الطريق فهو أبي...لا تخافوا منه...
- خدعتهم بذكائي، ألم أقل لك يا أمي أني رجل ؟!
ابتسمت أمي، وقبلتني...أصبحنا أكثر شجاعة...بل أنها حكت لي عن شجاعة أبي وجدي...
أخيرا ظهرت منازل مغطاة بالقصدير، سألت أمي عنها، فقالت لي:
- ذاك مدشر جدك...لقد اقتربنا...
تساءلت مع نفسي كيف سيكون رد فعل أبي حينما يعود من السوق ولا يجد أمي بالبيت؟ من سيقلي لإخواني السردين؟ من سيحلب البقرة؟...
حينما وصلنا إلى مدشر جدي كانت مفاجأة تنتظرنا هنالك: بهيمتنا مربوطة بشجرة قرب البيت!
أنا لا أصدق عيناي!
كانت الأبواب مفتوحة...دخلناها بعد دق خفيف، لنجد أبي يجلس صحبة خالي على حصيرة وهما يشربان الشاي...
قبلت أمي يد أبي، ثم يد خالي، وكذلك فعلت أنا...
بعد لحظات، اكتشفت أن أبي مر مباشرة من السوق إلى دار جدي، وكأنه كان يعرف نوايا أمي...نعم لقد سبقت شكواه شكواها، فانتصروا له، لنعود في المساء جميعا إلى بيتنا...أبي يركب على البغل، وأنا ملتصق بظهره ، أما أمي فقد كانت تتبعنا ماسكة بذيل البغل...
أحمد المودن - المغرب

هدايا أبي د. ابراهيم مصري النهر مصر

 



هدايا أبي
تعلم أبي في صغره القراءة والكتابة وحفظ السور القصيرة من القرآن الكريم في كتاب القرية بمنزل أبيه، وكان ذلك من حسن حظي فقد صبه في قناتي، ودخلت المدرسة أحفظ الحروف الهجائية وقصار السور والأرقام من واحد إلى مئة، مما جعلني متميزا عن أقراني منذ الصغر...
أذكر في يوم دخلت عليه عند عودتي من المدرسة وأنا ما زلت في الصف الأول الابتدائي، أثناء تتناوله وجبة الغداء مع صاحب له، رحَّب بي وأفسح لي المكان بجانبه على الطبلية؛ تناولنا الغداء، وجلست بجانبهما وهما يحتسيان الشاي منحنيا أكتب الواجب المنزلي، وضع أبي يده على ظهري وقال لي: اقرأ علينا ما تكتب، فقرأت عليهما: لا لا يا حازم، لا تشد ذيل البسبس، بسبس غضبت....
سُرَّ أبي كثيرا وربَّت على ظهري، ووعدني أنه سيشتري لي هدية.
قلت له: أريد ساعة.. كنت قد رأيتها في يد أحد المدرسين بالمدرسة.
قال: سأكتب لك عددا لو قرأته سأشتري لك ساعة، وكتب عددا من أربعة أرقام، وتبسم ابتسامة متحدٍ.
وكانت المفاجأة السارة لأبي أني قرأته من أول مرة ولم أتلجلج أو أتلعثم...
في صباح اليوم التالي ذهبت مبكرا إلى المدرسة، وعند عودتي وجدت أبي ينتظرني أمام البيت ويلوح لي من بعيد بعلبة في يده، نزلت من على ظهر حماري أركض نحوه، تحدوني الفرحة والسعادة وأنا أهلل وأصيح: ساعة، ساعة، أبي اشترى لي ساعة.....
وما أن وصلته إلا ورفعني عاليا وأعطاني العلبة؛ احتضنته، قبَّلته، شكرته، ثم فتحتها؛ إذ بساعة فضية اللون مينتها كزرقة السماء.
لا تدرون كم كانت سعادتي بهذه الساعة، وكم كانت وقودا وزادا لي في مشوار حياتي.....
لبست الساعة في معصمي الأيسر الدقيق بعد أن ضيَّقها لي أبي على مقاسي، وأخذ يعلمني فيها، ووقت العصر ذهبت خلفه منتشيا إلى الغيط مشمرا ذراعي الأيسر، وواضعه على صدري ليرى ساعتي كل من هم في سني من أبناء قريتي...
وفي الصباح لليلة كليلة العيد؛ طويلة قد قُيِّدت نجومها، وتوقفت عقارب ساعتها، صباح انتظرته على أحر من الجمر،
ركبت حماري؛ أهز قدميَّ، أستعجله، أنخسه، أحثه على السير، ألملم كل مشاعر فرحتي، أحبسها في قفص الصدر كي أفرغها عند وصولي الفصل...
وصلت الفصل مزهوَّا مبتهجا والتف حولي كل الفصل؛ منهم من ينظرها، ومنهم من يستأذنني أن يضعها في يده دقيقة، وعندما وصل مدرسنا أخذها وتفحصها وكان مبهورا بها...
في الفسحة خلعتها خوفا عليها لألعب الكرة، ووضعتها في حقيبة كتبي، وبعد انتهاء الفسحة هرولت إلى حقيبتي هرولة المشتاق إلى محبوبته، كانت الصدمة؛ لم أجدها، بحثت عنها في الفناء، سألت الزملاء ولكن دون جدوى!
عدت إلى البيت تملأني الحسرة، أجر أذيال الخيبة، لا أريد للبيت أن يقترب خوفا من عقاب أبي....
وما أن اقتربت من البيت ورأيت أبي إلا وسالت دموعي على وجنتيَّ.
فكانت المفاجأة؛ لم يسألني عمَّا حدث، بل أهداني هدية أخرى أغلى وأثمن من الهدية الأولى آلاف المرات....
عندما مسح دموعي وقال لي: فداك.
د. ابراهيم مصري النهر
مصر

ليلة الجحيم د.سلوى بنموسى / المغرب

 


ليلة الجحيم
مازالت تتذكر ألمها وحزنها وارتباكها ؛ وويلاتها ودموعها وكأن الحادثة قد وقعت للتو ..
يعود بها فلاش باك لليلة حمراء ؟! ضجيجها يشد الآذان ..
وصراخها الداخلي يعلي الأفق ومع ذلك ؛ لا يسمع له لغي أو أثر
لم تستجدي دموعها وتوسلاتها ..
وركوعها ومناجاتها وطلبها ودعواتها ..
لذاك الكائن الجامح المفترس . الغليظ القلب . انها ترتعش بين يديه مسلوبة الإرادة ؛ معنفة وكحقيرة ينهش لحمها ويفض بكارتها ؛ بكل تنمر ووحشية وسب وشتم وضرب تقول : رباه أرحني من هذا العذاب أ أستحق هذا المصير ؟ ولم أنا بالذات ؟
انني غير مستعدة لهذا الرباط الغليظ . لم يستشيروني أهلي ولا أخذوا موافقتي ؛ كلامهم يمشي حد السيف على رقبتي !! ألا سامحهم الله تعالى ؛ بدعوى أنهم يعرفون سعادتي ومستقبلي أحسن مني ؟ وأي مستقبل هذا.. وهذا الغريب يجردني من عفتي وآدميتي وانسانيتي .
ويقفل النوافد والابواب.. ويستهلكني كلقمة سائغة متى اراد الترويح عن نفسه واخراج مكبوتاته الذكورية .
ولا يهمه البتة شعوري يا أنا التي تحس بالخزي والعار وكزانية حقيرة ؛ مهمشة ومضروبة على قفاها ليس بيدها حيلة ؛ حتى ابعاده عن روحها وجسمها الطري. .
تبا للأعراف التي تجعل منها دمية وأضحوكة ! وتنزع عنا لباس الوقار والطيبة والعنفوان
ماذا كان سيحصل ؟ إن تفهمها . ومنحها مزيدا من الوقت . وطمأنها على روحها وحياتها ؟ لا لا قطعا لا فالسي سيد نصب أمره وليا عليها وربما حتى على انفاسها ودررها !؟ تتسائل : اليس هذا اغتصاب حسب المسطرة القضائية لكونها لا تريد ..
ولأنه يأخذ حقه كما يدعي بقسيمة الزواج ؟
واي بند يبيح له ويسمح أن يضرب ويشتم ويزبد ويلعن ؟ آه منك يا زمان ! لو استطاعت الانفلات من قبضته الفولادية وهربت ..وهربت ..
قال : سيعيدها لبيت الزوجية رغم أنفها . فالقانون لصفه ؟! فأي قانون لا يجعل المرأة تكمل دراستها ؛ وتختار هي بنفسها شريك حياتها ؛ يحترم كيانها وأحلامها وآدميتها .
أنهكتها الذكريات الأليمة ؛ فغطت اللحاف على وجهها الحزين ؛ وبدأت تحلم وتحلم بغد أروع لبنات جنسها فلربما تكون هي كبش الفداء وهن لا لا قطعا لا.
لاتريد لهن الا كل خير . فحياتها لا تسر عدو أو صديق
كان الله تعالى في عونها وعون مثيلاتها اللواتي سحقن تحث الاقدام . وضاعت كرامتهن وإنسانيتهن .
د.سلوى بنموسى / المغرب

النباش قصه قصيرة محمود عبد الفضيل مصر

 


النباش
قصه قصيره
محمود عبد الفضيل
مصر
جلس الزنفلي امام المقابر يدخن سيجارته المحشوه بنبات البانجو المخدر و بيده الأخرى زجاجه من البيره في هدؤ ليلى بديع لا تجده الا في تلك المنطقه و هي منطقه المقابر في جو صيفي وليله قمريه جعلته يجتر ذكرياته في ذلك المكان
ولد زنفلي في تلك المنطقه وعاش فيها مثله مثل الالاف الأسر الفقيره التي لا تملك ثمن السكن فوجد الملجأ في السكن في هذا المكان الذي وصلت فيه العشوائيه الي درجه النظام
ترعرع في مكان مفعم برائحه الموت يستيقظ كل يوم على عويل السيدات و صراخ الثكالي و انات الأيتام
يتكرر نفس المشهد امام كله يوم عده مرات و لكن تختلف الوجوه
لم يجد زنفلي للموت هيبه لانه يشاهده كل يوم فأصبح مالوفا لديه
بل كان وجود حاله دفن او زياره المقابر بالنسبه له و لاقرانه من سكان المكان هي بمثابه الفرج حيث يحمل الزوار المخبوزات و العيش باللحمه و الفواكه و خاصه اليَوسيفي لتوزيع ها على سكان المكان من الأطفال رحمه ونور على المتوفي
وتزداد الزيارات ايام الخميس من كل أسبوع و الأعياد
خاصه بعد صلاه العيد فكان لا ينام في تلك الليله انتظرا لتلك الوفود التي تحمل ما لذ و طاب للأطفال المشردين في هذا المكان
ولما شب على الطوق لم يعد انتظار الطعام و الأموال البسيطه ترضى احتياجته
فبدا مع بعض اقرانه من شباب المقابر والذين يعانون نفس معاناته من عدم تعليم و فقر مدقع و تطلعات للغد الذي لا يأتي تكوين تشكيل عصابي و جعل منطقه المقابر مسرحا للعمليات لكل انواع الجريمه
فكانت البدايه في السطو على كل من يمر بالمقابر ليلا و الاستيلاء على موبايله و أمواله وكان الصيد الثمين بالنسبه لهم هو اصطياد المحبين و العاشقين حيث التواعد بين المقابر المتعه المحرمه
فبعد ان يتركوا العاشقين للدخول الي المناطق المظلمه و البدء في الممارسه ينقض عليهم زنفلي و رفاقه و يتم الاستيلاء على كل متعلقات الحبيبين ثم ترك الرجل يهرب و يتناوبون الاعتداء على الفتاه او للسيده بطريقه جماعيه و مهينه مع تهديده في حال الابلاغ سيتم فضحها
بعدها تم تطور التشكيل في اعماله فأصبح على علاقه بتجار المخدرات لتخزين المخدرات داخل المقابر المهجوره التي لا يزورها احد منذ زمن بعيد و التي لا يعرف سكان المنطقه مالكيها مع فتح دولاب لبيع المخدرات و إعطاء حقن الماكس فورت للمدمنين
كما كان للزنفلي ورفقائه مساهمات كبري في مجال الطب و البحث العلمي بدايه من توفير الجثث و قطع الغيار البشريه لطلاب كليه الطب لدراسه ماده التشريح الانتومي والأبحاث العلميه
مرورا بالتنسيق مع بعض المراكز لتوريد المدمنين الراغبين في التبرع بالأعضاء البشريه و الدم لتلك المراكز
وكان للزنفلي ورفاقه جزء داعم في توريد مستلزمات الاعمال السفليه للسحره و المشعوذين واختفاء الأعمال السفليه في المقابر مقابل مبالغ ماليه
لم يفق للزنفلي من تلك الذكريات الا عندما لسعت السيجاره يده ايذا بانتهائها و عندما هم باخد جرعه من البيره و جدها أيضا نفذت
وقتها غمضت عيناه ولم يقم
فكشفنا عنك غطائك
فبصرك اليوم حديد

...قدس... .... بقلم / أركان القيسي جمهورية العراق....

 



...قدس...
مرحبا أمي كيف حالك؟ ها أنا قد عدت من المدرسة
الأم: أهلا بك بنيتي لقد سررت بعودتك
أمي المعلمة طلبت منا أن نحفظ قصيدة ( سنقاوم)
الأم: حسنا يا قدس سنحفظها ليلا
إذن يا أمي بعد الغداء سأكمل واجباتي
وبعدما حل المساء على عجل وبُعيد صلاة العشاء تجلس قدس مع أمها لحفظ القصيدة، فكانت القصيدة ملتهبة بمشاعر المقاومة وفيها حماس عظيم، تطالع قدس وجه أمها وإذ بدموع الأم تنهمر؛ لتسقط على عبارة في القصيدة (ودموع الثكلى تناشدكم) تألمت قدس كثيرا وتذكرت يوم استشهاد أخيها إبراهيم بانتفاضة محمد الدرة....
فعانقت أمها وهي تبكي، أمي اعذريني قد زدت من أوجاعك الأم: لا عليك يا قدس أوجاعنا شرف لنا
وبعد هذا الأسى نامت قدس ليلتها بأحزان أمها المفجوعة
وفي المدرسة صباحا يختنق صف قدس بأصوات التلاميذ وحناجرهم تدوي بأنغام النشيد
المعلمة تثني عليهم وتشكرهم ثم تطلب من قدس أن تقرأ النشيد بمفردها
قدس: وبكل سرور يا معلمتي أخذت تقرأ وبصوت شجي يلهب المشاعر وإذ بدموع المعلمة تنساب على وجنتيها ونحيبها يتصاعد حتى هوت على قدس تقبل رأسها
ثم واستها على مصابهم الجديد بسجن والدها في سجون الإحتلال لمدة عشرين سنة
قدس: لا عليك يا معلمتي أبي فداء هذا الوطن
فراحت المعلمة
و راحت تصفق لشجاعة قدس وحسها الوطني ومعها التلاميذ يهتفون لقدس وللوطن
وبعد انتهاء الدوام عادت قدس للبيت
الأم: أهلا بك يا قدس خبريني بنيتي ماذا حصل معك في المدرسة؟ فأخبرتها بكل شيء
الأم: تفرح بما تسمع نعم يا قدس هكذا تكون محبة الأوطان
وبعد أسبوعين وفي يوم الجمعة تتفاجأ أم قدس بقوات الإحتلال تطالبها بإخلاء المنزل لهدمه، فتصدم بهذا الأمر وحاولت منعهم دون جدوى حتى استخدموا القوة لإخراجها وسحبوها أرضا
قدس تبكيها وهي مفزوعة بما ترى وتجر خلفها حقيبتها وتحمل بيدها الأخرى صورة والدها
عندها أخذ شباب الحارة أم قدس من بين أيدي قوات الإحتلال وهي تصرخ [سنقاوم سنقاوم] لتمر الأيام ثقيلة عليها، حتى نزلت عند خالها السبعيني وزوجته المقعدة في بيت صغير وبقيت على هذا الحال لمدة شهرين وبين الحين والآخر تذهب لبيتها
فتراه ركاما من الحجارة فتزداد مأساتها
وفي يوم عاصف وصلت المختار أخبار سرية أن قوات الإحتلال تنوي اعتقال أم قدس
فأسرع لتدارك الأمر، وكلف مجموعة من الشباب لكي يخرجوا قدس وأمها إلى أطراف المدينة
وتم ذلك بحمد الله
عندها اعتقلت قوات الإحتلال خالها المسكين للتحقيق معه
وبعد تفاقم الأمور قرر المختار اخراجها وابنتها إلى الأردن نجحت المهمة أخيرا
لتصل قدس وأمها إلى العاصمة الأردنية وتسكنان مع عائلة فلسطينية مؤقتا
وبعد شهرين قررت أم قدس السفر إلى أمريكا حيث هناك أقاربها وتحقق لها ما تريد
لتلتحق قدس بعد ذلك بالمدارس العربية هناك وتكمل مسيرتها الدراسية حتى تخرجت مهندسة معمارية
وبعد مضي سنوات تعود قدس المهندسة مع والدتها والتي انحنى ظهرها قهرا على فراق الوطن
عادت قدس وبيدها ذكريات الطفولة، حقيبتها وصورة والدها لتقف أمام المنزل لتتفاجأ ببناء جديد وجميل لكنه مقفل
ليمر أحد وجهاء المنطقة ويسلم عليهما ويعرض المساعدة
شكرته قدس كثيرا، ولكن يا عم كيف أصبح هذا المنزل بهذا الشكل؟! ولم هو مقفل؟! ولمن؟ ضحك الرجل ثم قال لها
يا بنيتي بعد الإتفاقية الأخيرة وانسحاب المحتل من منطقتنا قرر وجهاء المنطقة بناء هذا المنزل بعدما كان مدمرا وأغلقوه حتى يعود أهله إليه
قدس: طيب يا عم ومن أهله؟
الرجل: المنزل لعائلة قدس وهم في المهجر أجهشت قدس بالبكاء ونزلت أمها أرضا للسجود
تعجب الرجل ما خطبكما؟! من أنتما؟!
رفعت قدس الصورة بوجه الرجل هذا والدي، تفاجأ الرجل إذن أنت قدس !!! نعم أنا قدس وهذه والدتي
عمت الفرحة بعدها المنطقة وتجمع الناس من حولهما وعرف زعيم الحارة بالأمر، عندها طلبت قدس من الزعيم زيارة المقبرة، لتزور قبر أبيها وأخيها
الزعيم _رحم الله والدك_ لقد مات في سجون الإحتلال وأخيرا عينت قدس في هندسه المباني في بلدية مدينتها وأول عمل قررت القيام به هو ترميم مدرستها الإبتدائية.
.... بقلم / أركان القيسي  جمهورية العراق....

الأحد، 5 يونيو 2022

قناديل الموت بقلم / أركان القيسي - العراق

 



قناديل الموت
ركبنا البحر ليلا على متن قارب صغير، بعدما أحرق النمرود البلاد والعباد وقال أنا ربكم الأعلى،لكن جشع صاحب القارب زاد من حمولته، حتى انتفخت وتورمت بطن مركبنا القاصر، اندفعنا سريعًا وراحت تلاطمنا الأمواج في وسط البحر الثائر، ونحن نلامس حروف الأمل تاركين خلفنا النار تأكل الأخضر واليابس إذ بالسماء تفتح أبوابها، والبحر تتحرك أصابعه غضبا يلتقمنا بفمه المظلم ثم يرمينا حطاما تناثرنا لا يعرف أحدنا بالآخر، وأنا في وسط الموج أرسل الله لي رحمة لوحا من بقايا حطام قاربنا، ركبته وأنا أحتضنه في ليل مرعب لا يختلف عن صور المعارك هناك، أصوات النساء وصراخ الأطفال وسماء تصرخ وبحر من فوقه بحر، بعدها لم أعرف شيئا حتى وجدت نفسي ملقيا على الرمال فجرًا، فتحت عيني على مهل، أزحت الرمل من على وجهي....
الهدوء والسماء صافية والبحر لا أسمع له ضجيجا قد هدأ روعه، تحوم فوق رأسي طيور بيضاء إنها النوارس، التفت يمينا وبجانبي تلك الخشبة صاحبت الفضل بعد الله تبسمت لها،ثم التفت شمالا عندها صدمت وفزعت لما شاهدت لملمت نفسي وجلست، تعجبت لما بجانبي إنه طير من طيور الجنة، جرفته المياه إلى اليابسة طفل بعمر سنتين تقريبا برقبته ملهايته وبقدمه اليمين حذاء أحمر والأخرى عارية أسرعت إليه رفعته من على الأرض، حاولت إنقاذه طبطبت على ظهره، عملت له تنفسا اصطناعيا دون جدوى، كانت بطنه منتفخة، أخيرا آمنت بالقدر وقبلت الأمر وحفرت له قبرا وكفنته بقميصي وصليت عليه ثم دفنته، وقلت له مخاطبا والدمع ينهمر بلل قبره، أخبر الله يا ولدي بكل من ظلمك وحرمك من حق الحياة، جلست على بعد مترين من القبر واليأس يصارعني انتظر النهاية ومن ياترى يدفنني أم أكون طعما لحيوان جائع؟! وقبيل غروب الشمس بدأ الجوع ينازعني، حتى راحت الشمس تتهاوى في كبد البحر، إذ بشعاع عينين عن بعد رماني وعواء ذئب أتعبه الجوع كذلك أنذرني، رجعت للوح مرة أخرى أحمله للمواجهة لكن قاطع الصحراء لم يأبه، وليت هاربا أهيم على وجهي لا أعرف كيف الخلاص؟
رمال الصحراء والليل قد أرعبني وضوء القمر تأكله الغيوم، فلم أجد مهربا إلا أنه صادفتني حفرة دخلتها بلا تردد ووضعت اللوح ببابها دفعا لذلك الذئب الغاضب، بعدها شعرت بشيء غريب شيء ما يلحس بقدمي كأنه لسن طفل، تحسست بيدي فإذا بجراء يبحثن عن طعام كأنهن لم يتذوقن الطعام منذ أيام، أزداد خوفي ذئب في الخارج وبيت مفترس آخر نزلته من دون أن أعرف بأي لحظة تعود الأم، بين الخوف والتعب وبين هذه الجراء ودفع الذئب بالخارج وقبيل طلع الفجر بدقائق غلبني النعاس ونمت جبرا، بعدها شعرت بماء نزل علي، فززت من نومي حاولت الخروج بعدما لاحت تباشير الصباح بعيني واطمأننت، فإذا بشباك صياد تخنقني، تفاجأ الصيادون وتفاجأت أنا ولكن فرحت أخيرا أبناء جلدتي ولا وحوش الصحراء
أخذوني إلى السيارة سقوني ماء وأطعموني وعرفوا بقصتي كلها، قالوا لي لا تقلق لقد نجوت من القوم الظالمين، ونجاك الله من فكي الذئب بعدها جاءت سيارة تجوب الصحراء فاجتمعوا تحت ظل شجرة مع أصحابي عن بعد مني، فأرسلوا لي خادمهم يقتادني من ذراعي لا أعرف ما الذي جرى؟!
أصعدني بحوض سيارتهم شعرت بقلق رأيتهم بعد ذلك يتصافحون ويتعانقون، ضحك الخادم وقال لي وا أسفا على أصحابك باعوك بثمن بخس
قلت لمن؟ قال للسيد منصور، ومن يكون هذا؟
إنه رئيس عصابة تتاجر بالبشر.
بقلم / أركان القيسي - العراق
قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، ‏نظارة‏‏ و‏منظر داخلي‏‏

مشاركات الأعضاء

تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر

  تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر أهذي كلابٌ أمْ جرادٌ منتشرْ أمْ عسكر متنكِّرون من التترْ ؟ لا تع...

المشاركات الشائعة