Translate

الاثنين، 19 يناير 2026

القصة القصيرة في الجزائر: تجربة حضارية وإبداعية بين الوعي الاجتماعي واللغة المكثفة: بقلم : عماد خالد رحمة _ برلين.

 

القصة القصيرة في الجزائر: تجربة حضارية وإبداعية بين الوعي الاجتماعي واللغة المكثفة:

بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.
تُعد القصة القصيرة في الجزائر أحد أبرز الفنون الأدبية التي جسدت التجربة الإنسانية في أبعادها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، لتصبح مساحة للتجريب الفني والتحليل النفسي، ومرآة لوعي مجتمعٍ شهد تحولات عميقة، بين الاستعمار والتحرر، بين الحداثة والتقاليد، وبين صراع الفرد مع واقعه والتزامه بالقيم الإنسانية. فالقصة الجزائرية ليست مجرد سردٍ للأحداث، بل فعل ثقافي وفلسفي، يتيح للكاتب أن يمارس تجربة معرفية وجمالية في آنٍ واحد، ويمنح القارئ فرصة مواجهة صخب التاريخ وصمت الوعي الداخلي.
أهمية القصة القصيرة في الجزائر
تكمن أهمية القصة القصيرة الجزائرية في قدرتها على رصد التفاصيل الدقيقة للحياة اليومية، وتقديم قراءات متعددة للواقع، سواء من خلال الصراع الاجتماعي أو الانقسام السياسي أو التوترات الأخلاقية. إنها لغة مكثفة، تجمع بين الحدس والفكر، بين التجربة الفردية والتاريخ الجماعي، بين الرغبة في التغيير والقبول بالواقع. من خلال هذه اللغة، يصبح النص أداة لفهم التناقضات البشرية: العنف والرحمة، الحرية والقيد، الغربة والانتماء، الأمل واليأس، مما يجعل القصة القصيرة الجزائرية تجربة انعكاسية قبل أن تكون إبداعية.
إن القصة القصيرة هنا لا تُنظَر إليها بوصفها مجرد حدث سردي، بل كفضاء مكثف للوعي، حيث تُقاس قدرة الإنسان على التأمل، وإعادة بناء هويته الثقافية، وفهم موقعه في التاريخ والمجتمع. فهي كتابة تتخطى حدود الزمان والمكان، لتصبح تسجيلًا فلسفيًا لماهية الإنسان الجزائري في مواجهة تحولات المجتمع، وبوابة لاستكشاف العلاقة بين الذات والآخر، بين الفرد والوطن، وبين الفرد والفكر الجمعي.
رواد القصة القصيرة الجزائرية
شهدت الجزائر منذ منتصف القرن العشرين ولادة جيل من الكتاب الذين أسسوا لتجربة سردية متجددة، وظفوا اللغة المكثفة لاستكشاف الواقع الجزائري في بعده الاجتماعي والسياسي والثقافي:
مالك حداد (1916-1978): من أوائل من جربوا القصة الجزائرية الحديثة، حيث تناول في نصوصه الصراع بين الهوية الفردية والمجتمع المضطهد، وأبدع في المزج بين الرمز والتحليل النفسي للشخصيات، ليصبح النص الجزائري مساحة للتفكر الوجودي.
رشيد بوجدرة (1941-2021): طور بنية القصة القصيرة من خلال نصوص تعكس المدينة والتحولات الاجتماعية، والصراع النفسي للشخصيات، مثل مجموعته الأبواب المغلقة، حيث اللغة الرمزية والإيقاع الداخلي للنص يتفاعلان مع العمق الاجتماعي والسياسي.
محمد ديب (1920-2003): جسّد الصراع الاجتماعي والسياسي في أعماله، مع إبراز أثر الاستعمار على الفرد والمجتمع، وركز على البناء النفسي للشخصيات، كما في الحرب في الجزائر.
مصطفى بن حمو (1925-1996): تميز بتصوير الواقع اليومي للمجتمع الجزائري، مع تحليل العنف الرمزي والاغتراب النفسي، وإبراز صراع الإنسان مع القيود الاجتماعية والتحولات الحضارية.
أما على صعيد الأديبات، فقد أثرت القصة القصيرة الجزائرية بصوت نسائي متميز، يسلط الضوء على تجربة المرأة الجزائرية، وقضاياها الاجتماعية والسياسية، والنضال ضد التقاليد المقيدة:
أحلام مستغانمي (1953- ): تناولت في نصوصها القصيرة أبعادًا نفسية واجتماعية للمرأة، وعكست الصراع بين الحداثة والتقاليد، مع لغة مكثفة ورمزية عالية.
نجاة علي (1950- ): ركزت على البعد النفسي والاجتماعي للشخصيات النسائية، واستكشفت التحديات الأخلاقية اليومية في المجتمع الجزائري.
فريدة العقابي (1960- ): تناولت في قصصها قضايا المرأة في سياق الحرب والتحولات الاجتماعية، مع استخدام لغة رمزية تعكس الصراع الداخلي والخارجي للشخصيات.
سمات البنية السردية في القصة الجزائرية
الأديبات الجزائريات في القصة القصيرة (مرحلة ما بعد الاستقلال وما بعدها).
قدّمت المرأة الجزائرية تجربة سردية غنية، مركزة على قضايا الهوية، المرأة، والبعد النفسي والاجتماعي.
_ زهور ونيسي (Zuhur Wanasi)
أول الأديبات اللاتي كتبن القصة القصيرة بالعربية، تناولت مواضيع اجتماعية وإنسانية.
_ ميساء باي (Maïssa Bey)
كتبت بالفرنسية، تناولت تجربة المرأة الجزائرية والتحولات الاجتماعية، مثل: Nouvelles d’Algérie.
_ أحلام مستغانمي (1953- )
رغم شهرتها بالرواية، كتبت نصوصًا قصيرة تعالج الصراع الاجتماعي والهوية الوطنية، مع لغة رمزية مكثفة.
_ نجاة علي (1950- )
ركّزت على البعد النفسي والاجتماعي للشخصيات النسائية، واستكشاف التحديات الأخلاقية.
_ فريدة العقابي (1960- )
عالجت في نصوصها قضايا المرأة في سياق الحرب والتحولات الاجتماعية، مع أسلوب رمزي شاعري.
_ عائشة بنور (Aïcha Bennour)
كتبت مجموعات قصصية تتناول المدينة الجزائرية والتحولات الاجتماعية.
_ لطيفة الحُرباوي (Latifa al-Harbaoui)
اهتمت بالبعد التأملي والرمزي، مع معالجة موضوعية للحياة اليومية والصراعات الداخلية.
أسماء أخرى مرتبطة بالقصة القصيرة الجزائرية المعاصرة.
مثل أعمال
_ حسين مزالي (Hocine Mezali)
تناول المدينة والتحولات الاجتماعية
مجموعات قصصية عن التحولات الثقافية
_ مريم بن (Myriam Ben)
أديبة وروائية
نصوص قصصية متنوعة
_ رباح بلمري (Rabah Belamri)
روائي وكاتب قصص قصيرة
Le soleil assassiné
_ نسرين طامزا (Nesrine Tamza)
نصوص قصيرة وروائية
أعمال معاصرة بالفرنسية
سمات القصة القصيرة الجزائرية عبر هذه الحقبات
التنوع اللغوي: العربية الفصحى، الفرنسية واللهجات المحلية.
الرمزية والتكثيف: اللغة مكثفة وصور الشعرية والإيقاع الداخلي للنص.
الوعي الاجتماعي والسياسي: النصوص وثيقة التحولات التاريخية والاجتماعية، مثل الاحتلال، الاستقلال، الحروب الداخلية والتحولات المدنية.
البعد النفسي والإنساني: الشخصيات تواجه صراعات داخلية مع المجتمع، مع التركيز على الهوية والانتماء.
التجريب الحداثي: الابتكار في الشكل والمضمون، دون فقدان الهوية الثقافية الجزائرية.
يمكن تحديد أهم الخصائص البنيوية للقصة القصيرة الجزائرية فيما يلي:
التركيز على التفاصيل اليومية: النصوص تهتم بأحداث صغيرة لكنها معبرة، تكشف عمق الصراعات الاجتماعية والسياسية.
الرمزية والمفارقة: كثيرًا ما تستخدم الرموز والمفارقات لتوصيل معنى أعمق عن الواقع والإنسان.
الاغتراب النفسي والاجتماعي: الشخصيات تواجه صراعات داخلية مع محيطها، سواء كان الاحتلال، الحرب، أو التحولات الاجتماعية الحديثة.
اللغة المكثفة والموسيقية: التكثيف اللغوي والصور الشعرية والإيقاع الداخلي للنص يخلق تجربة جمالية غنية ومركبة.
التجريب والحداثة: السرد الجزائري يسعى إلى التجديد في الشكل والمضمون، دون فقدان الهوية الثقافية.
الخاتمة:
تجسد القصة القصيرة في الجزائر تجربة حضارية فريدة، إذ تتجاوز كونها مجرد فن أدبي لتصبح مرآة للوعي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي، وفضاءً لاستكشاف النفس البشرية في أبعادها المختلفة. فهي كتابة مكثفة، تجمع بين الإبداع والتحليل، بين الحدس والفكر، وبين اللغة والرمز، لتؤسس لتجربة سردية تعكس صراع الفرد مع المجتمع والتاريخ، وتكشف عن قدرة النص الجزائري على صياغة رؤية إنسانية عميقة، تواصل معها القارئ عبر الزمن.
قد تكون صورة ‏شخص أو أكثر‏

الأحد، 18 يناير 2026

سديمُ الروح بقلم سوسن يحيى قاسم - العراق

سديمُ الروح 
بقلم  
سوسن يحيى قاسم  - العراق

لم تكن الروح تطلب ولادةً جديدة، بعد دهشتها من ديمومة الفراق،، 

فهي تعرف منذ وقتٍ مبكر أن أشباه الأرحام لا تصنع نجاة، أو لقاء

وأن التكرار في التردّد ولا يمنح خلاصًا.

ما كانت تحتاجه هو يقظة لا تنطفئ،

يقظة لا تعيد تسليمها إلى المصير ذاته 

حيث يولد الكائن محمّلًا بالوعد،

ثم يُترك وحيدًا في مواجهة خديعة الاكتمال.

تساءلت طويلًا:

أين يمكن أن يكون مأوى لهذه الروح

حين تفقد جغرافيا الأمان معناها؟

لم يعد هناك رحمٌ غيريها بالاحتواء،

ولا ظلّ يكفي لطمأنة ارتجافها،

ولا حلم ينجو من الإجهاض المتكرر.

حتى الجنون الذي كانوا يعلّقونه كتهمة في عنقها

لم يكن سوى محاولتها الأخيرة

لترويض اللغة،

ولتوسّل الحروف كي تقول

ما يعجز العالم عن احتماله.

كانت ترى بوضوحٍ جارح،

وتفضح عيناها ألوان الأقنعة

المختبئة خلف مساحيق الرياء.

كم كانت متَّهمة ببراءة الحدس،

لأنها تكتشف حقيقة القلوب

فتدفع ثمن هذا الوضوح

عزلةً مضاعفة،

واتهامات بغباء العاطفة.

كانت تشعر بأنها عالقة في شقٍّ عميق

داخل وعيٍ متضخّم،

وعيٍ يفيض عن حدوده حتى صار عبئًا،

يضغط على كيان اللامبالاة الرحيم،

ذلك التناقض الذي يحكم العالم

كهدنة قسوة تُقدَّم باسم الرحمة،

وصمت فراق يُسوَّق بوصفه حكمة.

ومن هناك، من ذلك الشقّ، بدأت تتساءل:

كيف يمكن لرغبة الانبعاث أن تولد

بعد غياب اللهفة،

حتى أقدمت الدهشة نفسها على الانتحار؟

من هول الصدمة التي جاءت من صميم الصحو

لم توقظها فحسب،

بل استوطنت دهاليز ذاكرتها كظلامٍ مباغت،

كغيوم سوداء تلتف حول عنق السماء لتسود العتمة 

قبيل الغروب،

حيث لا ليلٌ كامل ولا نهار منقذ.

أدركت، متأخرة ربما،

أن خروجها من الوعي الزائد

لم يكن ولادة،

بل انفصالًا قاسيًا عن ذاتٍ قديمة

كضميرٍ منبوذ في عالم الخديعة،

والتحامًا بذاتٍ غافية في ليلٍ طويل

لم يعد يملك إغراءها ببذرة نور.

حتى فكرة المأوى بهتت،

فالظلال لم تعد صالحة للحماية،

والشمس نفسها بدت كأنها تلوّح بالرحيل لا بالدفء.

وفي السديم السرمدي،

حيث تتوه الحدود بين السقوط والانتظار،

كسحابٍ شريد،

لم تجد أفقًا يذيب هذا الانحدار المرتقب

لذلك الوعي المرعب.

هناك، على الحافة،

بدأت الذات تتشكّل من جديد،

لا في الطمأنينة، بل في صميم الفقد،

حاملةً معها طفولةً

عاشت ببراءة الأوهام

في قاع انكسارات متتالية.

حينها فقط صار الضمير المكابد

سلاح هذه الروح الوحيد.

لم يكن سلاح هجوم،

بل أداة دفاع صامتة.

كانت تحارب لا لتنتصر،

بل ليسقط الزيف عن العالم،

ليظهر كما هو، عاريًا من ادعاءاته.

ومن بين هذا الانكشاف

تجلّت ذاتٌ جديدة،

تشبه هلالًا غير مكتمل،

ناقصًا في نظر الآخرين،

لكنه شديد الصحو في سواد الليالي الحالكة،

كحقيقة حادّة البصر

ترى الوجود والموت

بوصفهما وجهين لسؤال واحد.

فالانكسار حين يبلغ منتهاه

لا يُنهي القلق،

بل يفتح بوابة بلا صرير ولا إعلان،

لا يجتازها إلا من امتلك الجرأة

على العودة إلى ذاته العارية،

دون أقنعة، دون أعذار زائفة.

هناك فقط

يتحرر الكائن من وهم الطمأنينة،

ذلك الوهم الذي يُخدّر الإدراك

أكثر مما يداوي جذور الألم.

ومع انهيار الاتفاق الصامت

مع ندبات العقل،

بدأت الروح تتشكّل من جديد.

كشفت مرايا الزمن فشل كل محاولات الصمت المدروس،

فالسكينة ليست دائمًا حكمة،

وأحيانًا لا تكون سوى استسلام متقن.

والاطمئنان الزائف أخطر من الخسارة الصريحة،

لأنه لا يجرح دفعة واحدة،

بل يفسد البصيرة ببطء.

دهش العقل، وارتبك القلب،

من سرعة نضج هذه الروح بعد ضمورها.

فقد تعلّمت ألا تندم على بعض الخسارات،

لأنها اختيار واعٍ

للتخلي عن نسخة قديمة من الذات.

وتعلّمت أن الرحمة والكرامة

قد تأتي أحيانًا في هيئة فقد،

وأن النجاة لا تُمنح لمن ينتظرون الصبر بلا وعي،

بل لأولئك الذين يملكون شجاعة القرار،

حتى لو كان موجعًا،

حتى لو خلّف في القلب

أثره الأخير كجراح لا تُمحى.

لم تسعَ لأن تكون أرقّ سريرة،

ولا أصلب جسدًا.

ما أرادته، وما بلغته،

أن تكون أعمق نظرًا في ذاتها،

أكثر يقينًا بمسارها

في عالم يتغيّر بعنف،

وأشد وعيًا بالمتاهة الكامنة في كل لحظة.

كانت تلك ولادتها الحقيقية:

ولادة من رحم الضمير،

مطهَّرة بالسقوط،

مشبعة بصمت التجربة،

تحمل جراحها لا كندوب هزيمة،

بل كدلائل يقظة وصمود،

نجت بضمير اليقين

كما تفشل فزّاعة الأوهام

في إقناع الطيور

بمخاوف الريبة.

(التحولات البسيطة:مُفارقَّة السردية التاريخية بين الصرامة العلمية والمِخيَّال الأدبي) بقلم. محمود يحيي عرابي

(التحولات البسيطة:مُفارقَّة السردية التاريخية بين الصرامة العلمية والمِخيَّال الأدبي)

حكايات في روايات 

محمود  يحيي  عرابي
(1)

تُبْحِرُ هذه المجموعةُ القصصية مع قارئها في ثلاث عشرة قصة تستعرض وقائع في أزمنة مختلفة من التاريخ، وكلٌّ منها يفترض وقوع هذه (التحولات البسيطة) التي يرى المؤرخون أنها كانت في مُتَنَاوَلِ أصحابها في الأحوال المعتادة، وتروي تداعيات تلك التحولات التي تَنْتُجُ عن تَلَافِي الخطأ التاريخي، وهل حقًّا في كل مرة ستُحَوِّلُ مَسَارَ التاريخ، أم أن مسارَ التاريخ قد يكون له من الأبعاد المختلفة الكثيرة والروافد الأخرى ما يجعله يستوعب ويَمْتَصُّ هذه التحولات وما نتج عنها، فلا يسمح لنتائجها أن تُحَوِّلَ مَسَارَه فيبدو وكأن  الدكتور يحيى حسن أنه انطلق في المجموعة القصصية من فكرة تفكيك بعض الألغاز التاريخية بملمح فكري مختلف، معتبرًا أن البطل التاريخي قد يرتكب أحيانًا أخطاء يصعب تخيل وقوعها، وهي أخطاء متكررة في مسار التاريخ، ومن هنا جاءت فكرة التساؤل: ماذا لو لم يرتكب هذا البطل خطأه الحاسم؟ وهل كان «تحول بسيط» كفيلًا بتغيير مجرى التاريخ؟.

تَنطلق بالقارئ في احتمالات متعددة، أطلق المؤلف العنان لخياله في بعض القصص فنجح في تغيير مسار التاريخ، بينما اصطدمت قصص أخرى بقوى التاريخ الجارف التي تحول دون أي تغيير، ما جعل المجموعة تنقسم إلى نوعين: قصص تغير فيها مجرى التاريخ، وأخرى لم يتغير فيها رغم الافتراضات المطروحة.

تختبر هذه القصص من التاريخ الافتراضي مقولة (لو حدث هذا التَّحَوُّل البسيط لَتَغَيَّرَ مجرى التاريخ)، وتتحاور معها قصصيًّا حوارًا يُعيد التاريخ حيًّا متدفِّقًا مَرَّةً أُخرى، نلتقي في هذه المجموعة القصصية مع هانيبال، والسلطان الغوري وخصمه السلطان سليم، وإبراهيم باشا البرجالي، وبلطجي باشا، ونابليون، وهتلر، والأدميرال ياماموتو، والنحاس باشا، والرئيس السادات، ومارجريت تاتشر.... وسد النهضة.

(2)

*عناوين القصص وترتيبها:

-القصة الأولي:(حنبعل"هانيبال"يقتحم الأبواب)

-القصة الثانية :(مرج دابق ...المدافع لاتنتصر دومًا)

-القصة الثالثة:(فيينا-السلطان في قلب أوروبا)

- بالقصة الرابعة (بلطجي)يحطم رأس (بطرس الأكبر)

-القصة الخامسة:(غزو بريطانيا "1")

 -القصة السادسة:(غزو بريطانيا "2")

وبالقصة السابعة :(الحرب العالمية الأولي –سقوط باريس مجددًا )

-القصة الثامنة :(الحرب العالمية الثانية-البريطانيون يستسلمون في دنكرك)

القصة التاسعة:( الحرب العالمية الثانية- جبهة الباسيفيك)

القصة العاشرة:(ثورة يوليو 1952-الثورة تنزل الانتخابات)

وفي القصة الحادية عشر:(حرب أكتوبر –الضربة الجوية السورية الأولي)

القصة الثانية عشر:(حَربَّا فوكلاند "الأولي والثانية"!)

القصة الثالثة عشر :(السدَّان..وما حدث لهما)-

(3)

تبدأ كل قصة من هذه القصص بمقدمة تعريفية تضع القارئ على مسار التاريخ، ثم تأتي إشارةٌ للقارئ في الهامش عن الموضع الذي يبدأ فيه الخطُّ الافتراضي في الإمساك بزمام الأمور، ثم يأتي هامشٌ ختامي في نهاية القصة التاريخية الافتراضية لينهيَ رحلة القارئ معها، ويعيده إلى المسار الحقيقي للتاريخ

واستشهد بقصة حنبعل ؛ القصة الأولي:(حنبعل"هانيبال"يقتحم الأبواب)

  بصدر المجموعة، حيث يركز السرد على لحظة التردد بوصفها «التحول البسيط» الذي كان يمكن أن ينهي الحرب مع روما، مستحضرًا الصراع بين حنبعل ومهاربعل أقرب قادته إليه  والمقولة الشهيرة «الآلهة لا تعطي لشخص واحد كل شيء»، ليتحول التردد إلى بطل خفي يطرح سؤالًا مفتوحًا حول حتمية التاريخ.

كما تناول معركة مرج دابق ؛ القصة الثانية :(مرج دابق ...المدافع لاتنتصر دومًا)،

 من زاوية مختلفة، متسائلًا عما إذا كان إقصاء الخونة قبل المعركة كان كفيلًا بتغيير مصير دولة بأكملها.

قُوَّام المجموعة القصصية «التحولات البسيطة»، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون،في يناير عام 2025، على اختبار لحظات تاريخية بديلة، تنطلق من افتراض وقوع تحول صغير كان في متناول الفاعلين التاريخيين، ثم تتبع تداعياته الممكنة.

قصص المجموعة لا تهدف إلى إعادة كتابة التاريخ بقدر ما تحاوره، وتضعه في مواجهة أسئلة الاحتمال والضرورة، والاختيار والقدر، عبر سرد يجمع بين الدقة المعرفية والخيال الأدبي.

في القصة التي حملت عنوان  ؛حنبعل يقتحم الأبواب&&

تنطلق القصة من أعقاب معركة كاناي، حيث يبلغ الصراع ذروته لا في ميدان القتال، بل داخل خيمة القيادة. يركز السرد على لحظة التردد بوصفها التحول البسيط الذي كان من الممكن أن ينهي الحرب مع روما، ويحول حنبعل من قائد منتصر إلى صانع تاريخ مختلف كليًا. يتقدم القرار هنا بوصفه عبئًا نفسيًا وأخلاقيًا، لا مجرد حساب عسكري.

ويأتي النص الأصلي للقصة معبّرًا عن هذا التوتر الحاد، إذ يقول: "لم تكن الأجواء في خيمة القيادة مليئة بصخب الاحتفال ومُتْرَعَةً بكؤوس النصر… بل كانت عاصفة بالصِّيَاحِ الهائج… فقد كاد قادة حنبعل يُجَنُّونَ من قراره بعدم الزحف على روما بعدما سُحِقَت جيوشها وأصبحت بلا قوات احتياطية "

ويمضي النص كاشفًا عن عمق الصراع بين حنبعل ومهاربعل، حيث تُستدعى المقولة الشهيرة: "الآلهة لا تعطي لشخص واحد كل شيْ " 

 

هكذا يتحول التردد إلى بطل خفي في القصة، ويصبح السؤال المطروح: هل كان اقتحام روما كفيلًا بإنهاء الحرب، أم أن التاريخ كان سيجد طريقًا آخر ليستمر؟

«مرج دابق – المدفع لا يكسب أحيانًا»&&

تعيد هذه القصة قراءة معركة مرج دابق من زاوية مختلفة، لا تجعل التفوق العسكري العثماني وحده سبب الهزيمة، بل تضع الخيانة والقرار السياسي في قلب المشهد. يختبر السرد فرضية إقصاء الخونة قبل المعركة، وما إذا كان ذلك كفيلًا بتغيير مصير دولة بأكملها

ويرتبط هذا التصور مباشرة بالنص الأصلي، حيث يرد المشهد الكاشف للخيانة داخل المعسكر المملوكي:

 "أمام جميع قادة المماليك، يُمسك (سيباي) نائب الشام بخناق (خاير بك)، ويصفع وجهه برسالة مطوية… ويقول مواجهًا السلطان: خاير بك موالس علينا مع سليم .."

يتحوّل الاتهام هنا إلى لحظة فاصلة، ويكشف النص عن إدراك متأخر لخطورة بقاء الخونة داخل الصفوف، في مقابل يقين بأن المعركة لم تكن معركة مدافع فقط، بل معركة ولاءات وقرارات مؤجلة.

«فيينا – السلطان في قلب أوروبا»وفي القصة الثالثة:&&

تتقدم القصة بوصفها اختبارًا للعلاقة بين الطموح والحذر، عبر تخيّل استجابة السلطان سليمان القانوني لنصائح إبراهيم باشا بالهجوم المبكر على فيينا. لا تكتفي القصة بالبعد العسكري، بل تغوص في التوتر الإنساني والسياسي داخل مركز القرار العثماني.

ويرتبط هذا الطرح بالنص الأصلي الذي يكشف حدة الحوار بين السلطان ووزيره

 .«ماذا دهاك يا إبراهيم؟!، أنا لست الإسكندر، وأنت لست بطليموس!»:

كما تفتح رسائل السلطانة خديجة بعدًا إنسانيًا مغايرًا، يربط القرار السياسي بثمنه الشخصي، ويجعل التحول المفترض أكثر تعقيدًا من مجرد ضربة عسكرية ناجحة.

«القسطنطينية… والبوابة المؤجلة»&&

تعود القصة إلى واحدة من أكثر اللحظات المفصلية في التاريخ، حصار القسطنطينية، حيث لا يُعاد تخيّل الفتح من زاوية القوة العسكرية وحدها، بل من زاوية القرار، والتوقيت، وحدود الصبر السياسي والعسكري. يضع السرد القارئ أمام سؤال: هل كان التحول البسيط في إدارة الحصار كفيلًا بتغيير لحظة طال انتظارها؟

ويرتبط هذا التصور بالنص الأصلي للقصة، الذي يرصد حالة الترقب والقلق داخل معسكر الفاتحين، حيث يقول:

"كان الانتظار أطول من اللازم، والمدينة العتيقة تقف خلف أسوارها كأنها تعرف أن الزمن – لا السيوف – هو سلاحها الأخير...".

ويمضي النص كاشفًا عن ثقل القرار، وكيف يمكن لتأجيل محسوب أن يتحول إلى عبء، أو إلى ضرورة، تبعًا لقراءة القائد للمشهد بأكمله.

«واترلو… الخطوة التي لم تُؤخذ»&&

تتناول القصة معركة واترلو بوصفها لحظة فاصلة لم يحسمها السلاح وحده، بل سلسلة من القرارات الصغيرة التي تراكمت حتى صنعت الهزيمة.

يركّز السرد على خيار واحد كان يمكن أن يغيّر مجرى المواجهة، ويعيد رسم خريطة أوروبا.

ويأتي النص الأصلي للقصة ليعكس هذا التردد القاتل : 

"لم يكن نابليون يفتقد الجنود، ولا المدافع، بل تلك اللحظة التي يقول فيها القائد لنفسه الآن… وليس بعد قليل ".

هنا، يتحول التأجيل إلى فعل، ويصبح الانتظار قرارًا لا يقل أثرًا عن الهجوم، في سرد يعرّي هشاشة القائد حين يواجه التاريخ وهو في ذروة سلطته.

«القيصر… والشتاء الذي انتظر»&&

تعيد القصة طرح حملة نابليون على روسيا من زاوية مغايرة، حيث يصبح الشتاء طرفًا خفيًا في المعركة، لكن ليس بوصفه قدرًا محتومًا، بل نتيجة حسابات لم تُحسم في وقتها. يتساءل السرد: ماذا لو أُعيد ترتيب الأولويات قبل أن يبدأ الجليد؟

ويرتبط هذا التساؤل بالنص الأصلي الذي يصوّر المشهد القاسي :

"لم يكن البرد قد حلّ بعد، لكن القلق كان أبرد من الثلج، يسكن العظام قبل أن يسكن الأرض".

النص لا يحتفي بالهزيمة، بل يفكك أسبابها، ويضع التحول البسيط في صميم السقوط الكبير.

في قصة بعنوان:" الحرب العالمية الثانية- جبهة الباسيفيك " و&&

تنطلق القصة من لحظة معاصرة نسبيًا، وتضع القارئ أمام أكثر القرارات الإنسانية قسوة. لا تسأل القصة عمّا حدث، بل عمّا كان يمكن ألا يحدث، لو اختير زر آخر، أو توقيت مختلف، أو قراءة أكثر تريثًا لعواقب القوة المطلقة.

ويأتي النص الأصلي ليعبّر عن هذا الثقل الأخلاقي : 

"لم يكن الصوت هو ما أرعبه، بل الصمت الذي أعقبه… صمت مدينة اختفت دفعة واحدة".

هنا، يتحول التحول البسيط إلى سؤال أخلاقي مفتوح، لا إجابة له، ويغدو التاريخ شاهدًا لا قاضيًا.

&&تستشرف  المجموعة  في القصة الأخيرة : "السدان… وما حدث لهما "المستقبل كنسخة افتراضية لرؤية المؤلف للملف الشائك الذي يهدد كلا من مصر والسودان ممثلا في" سدَّي النهضة وعطَّبرة".      

تختتم المجموعة بقصة تأخذ منحى إنسانيًا رمزيًا، حيث يبتعد السرد عن المعارك الكبرى، ويقترب من مصائر أفراد يقفون عند أبواب السلطة والقداسة معًا

يختبر الكاتب فكرة التحول الصغير في حياة شخصين عاديين، ليربط بين الفرد والتاريخ، وبين القرار الشخصي والنتائج العامة.

ويرتبط هذا الطرح بالنص الأصلي الذي يقول : 

 "لم يكونا يعرفان أن ما يفعلانه سيُكتب يومًا، ولا أن صمتهما سيكون أعلى من ضجيج المدن".

بهذه الخاتمة، تعود المجموعة إلى فكرتها المركزية: أن التاريخ لا تصنعه اللحظات الكبرى وحدها، بل تلك التحولات الصغيرة التي تمر أحيانًا بلا انتباه، لكنها تترك أثرها العميق.

(4)

تقنيات السرد ومستويات اللغة:*

 

التزمت المجموعة في سردها بلسان "الراوي العليم"في جميع قصصها ؛ربما ذلك الاختيار رآه المؤلف يمنحه قدرا من الحرية في السرد مع ما تخلل القصص من حوارات داخل القصص علي لسان أبطالها.كذلك اللغة جاءت مناسبة لأجواء وعالم وزمن كل قصة ؛وفي هذا السياق يُحسب للكاتب ويشكر علي صبره ودأبه البحثي ليغطي فترة زمنية ترتد للقرن الثالث قبل الميلاد عام 216 ق م...إلي زمن متخيل في القصة الأخيرة في العقد الرابع للقرن الواحد والعشرين عام 2032.كذلك شمولية القصص فلم تنحصر في بقعة جغرافية بذاتها أو زمنًا دون غيره أو قومية خلاف مثيلاتها ....بل خيارًا ينم عن فلسفة المؤلف _وهو باحث تاريخي في الأساس_مفتون بالتاريخ ؛يري من خلال تلك المجموعة أن التاريخ ليست وقائع وأحداث تُسوَّد بها سطور الكتب وتُرمي علي أرفف المكتبات في خانّة "الكتب التاريخية"بل إنه مدرسة كبيرة يجب علي من يريد أن يفهم حاضره ويتنبأ بمستقبل لأي أمة وأية شعب علي ظهر كوكبنا "البائس"أن يراجع دروس التاريخ فصدق المثل القائل :(من وعَّي التاريخ في صدره أضاف أعمارًا إلي عمره).ولا يمكننا تجاوز أنه أحيانًا غلبت صفة الباحث داخل المؤلف علي الأديب داخله فكانت بعض المفردات والسياقات والسرد في مواضع أشبه بكتاب تاريخ ملتزمًا حد الصرامة بمنهجيات البحث العلمي المنضبطة ؛فكانت ستكون ألطف وأمتع بالطبع لو كان للأدب ورهافته الكلمة العليا داخل المجموعة بداية  من العنوان الفاضح لمحتوي المجموعة وحتى المقدمة وكأنها شرح لمنطق القصص وتفسيرًا لها وحتى عناوين القصص كان يمكنها أن تكون أكثر شاعرية وغموضًا بما يمنحها قدرًا من التشويق لتكسر حاجز خوف عدد كبير من القراء وإحجامهم عن الكتابات التاريخية.وأيضًا كان يمكن التنويع في السرد فتكون بعضها مثلا علي لسان بعض أبطالها فيكون البطل هو الراوي مما يعطيها قدرًا كبيرًا من الحميمية بينها وبين القارئ فضلًا عن أنها أكثر جاذبية للقارئ .وفي كل الأحوال يحسب للمؤلف جرأته وأعتبرها _سابقة لم تحدث في أدبنا العربي _أن تكون مجموعة قصصية كاملة موضوعها وتيمتها أحداث ووقائع تاريخية وبذلك التنوع الرهيب ولأزمنة متباعدة ...ونحن في انتظار لمزيد من الإبداع والعطاء الفكري المميز دومًا.

أهم الاقتباسات و بيان سياقاتها وتأويلها: *

1- حوار بين" حنبعل" و"مهاربعل" أقرب قادته إليه يتجادلون بشأن التقدم إلي روما للاستيلاء عليها أو الإحجام عنها: "لا تبالغ يا مهربعل،علي كل حال أنا متأكد أن روما سترسل في طلب الصلح ،هدف هذه الحملة ليس غزو رما ؛وإنما فرض شروطنا عليها لإنهاء الحرب .

-ولماذا لا نُعدِّل هدف الحملة ليكون محو عدونا ؟أليس هذا هو الهدف النهائي لأي حرب؟!

-لو محونا العدو لجاء العدو التالي يريد محونا..."ص 10

2- بالقصة الرابعة (بلطجي)يحطم رأس (بطرس الأكبر): وفي الحوار الذي دار بين البارون"شافيلوف"رئيس وزراء القيصر الروسي"بطرس الأكبر"الذي حوصر وقواته داخل الدولة العثمانية "بغدان"بين النهر ومن خلفها قوات السلطان ومن الجانب الآخر أيضا قوات السلطان العثماني بقيادة الصدر الأعظم "بلطجي محمد باشا".فأتاه البارون برشوة في صورة هدايا للتراجع عن الحصار وإفلات القيصر مع إعادة جميع المكتسبات التي حصل عيها الروس بمقتضي معاهدة"كارلوفجة"وأهمها مدينة "آزوف"وتأدية مبلغ كبير للدولة العليّة نظير سماحها بهذا الانسحاب:"-حضرة االبارون ،سننظر في هذه الطلبات،ونشكر للقيصر هديته،وسوف تبقي معنا مكرما إلي أن نرد علي طلباتك.

-ينتظرني مولاي القيصر أن أعود بالإجابة.

-بل ستبقي معنا قليلا سيدي البارون"ص  81

3-وبالقصة السابعة :(الحرب العالمية الأولي –سقوط باريس مجددًا ):بعد اجتياح الجيش الألماني لفرنسا كأبرز نتائج الحرب العالمية الأولي :"بخروج فرنسا من الحرب ،عادت القوات البريطانية إلي بلادها سالمة ،وانتقلت القوات الرئيسية من الجبهة الغربية إلي الجهة الشرقية،فاكتسحت القوات الروسية إلي داخل روسيا،قبل أن يجبرها الشتاء علي التوقف في أواخر نوفمبر،وكانت القوات العثمانية قد انتهزت الفرصة وقهرت القوات الروسية الضعيفة في الجنوب قبل أن تتماسك الجبهة الجنوبية بوصول تعزيزات روسية في ديسمبر،لكن الهزائم المريرة والخسائر البشرية الفادحة قد أثقلت كاهل الشعب الروسي بمختلف طبقاته"ص164

4- وفي القصة الحادية عشر:(حرب أكتوبر –الضربة الجوية السورية الأولي):"وبعد اتصالات هاتفية غاضبة مع موسكو والقاهرة،وتهديد باستخدام القاذفات الأمريكية مباشرة في الحرب ،ونفي سوفياتي حاسم أن تكون أية قوات سوفياتية قد استخدمت في الحرب ،وهو ما أكدته مصر وسوريا أيضا ،اتفق الأطراف علي بدء العمل علي وقف إطلاق النار"ص267   

***************************************************

*المؤلف :يحيى حسن عمر، مهندس مصري،حاصل على بكالوريوس الهندسة قسم قوى وآلات كهربية – كلية الهندسة – جامعة عين شمس 1995، وماجستير الهندسة – قسم قوى وآلات كهربية – كلية الهندسة – جامعة عين شمس 2000، ودبلوم دراسات إسلامية – المعهد العالي للدراسات الإسلامية القاهرة 2001، وليسانس آداب، قسم التاريخ، كلية الآداب – جامعة عين شمس 2004، وماجستير في التاريخ، – كلية الآداب – جامعة القاهرة 2017، الرسالة بعنوان "تاريخ مصر في كتابات محمد حسنين هيكل 1942-2003"، تقدير امتياز.

وصدر له "المسلمون والآخر.. ظلال الماضي وآفاق المستقبل" 2008، و"الشهور الحسان بين ربوع لبنان..شتاء النار وثورة آذار" 2008، و"الرد على القول الضعيف بأخذ الأحكام من الضعيف "جمع وترتيب" 2010، ورواية "حنان" 2015. وحصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من كلية الآداب جامعة القاهرة عن رسالة نوقشت قبل عامين (ديسمبر 2023) بعنوان " مراكز القوى السياسية وأثرها في المجتمع المصري 1952 - 1971)، بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى ،  كتاب (كتابات هيكل بين المصداقية والموضوعية)2019... قلب رسالة  الماجستير التي ناقشها المؤلف في جامعة القاهرة في نوفمبر 2017 عن "تاريخ مصر في كتابات محمد حسنين هيكل"، وأجازتها بتقدير "امتياز"

حكايات في روايات 

محمود  يحيي  عرابي

زمرد : حين يتكلم الصمت بقلم....لينا السعدي

زمرد : حين يتكلم الصمت  
بقلم....لينا السعدي  
 
كانت يتيمة منذ اللحظة الأولى، بلا حضن ولا صوت ينادي اسمها. كبرت بلا أبٍ ولا أم، وبلا صوت، لكنها كانت تسمع كل شيء: احتكاك الريح بسنابل الذرة، ضجيج السوق، وضحكات الآخرين حين تخطئ إشاراتها. في حقل عمتها، تعلّمت أن الأرض لا ترحم المترددين. عملت من الفجر حتى الغروب، يداها مشققتان وكتفاها منحنيان كأنهما تحملان ما لا يُقال. ولأن النساء يُغبن في السوق، ارتدت زيّ الرجال، تخفي أنوثتها خلف عباءة خشنة، لتساوم وتبيع وتنتصر بصمت. مرت السنوات، حتى بلغت العشرين، وهي تمشي في العالم بوجهٍ ليس وجهها. وفي زيارتها الأخيرة للمدينة، وقفت أمام واجهة محل ملابس نسائية. الألوان بدت كأيام لم تُعش، والأقمشة كأحلام مؤجلة. صاحب المحل، وهو يظنها رجلآ مدّ لها فستانآ عندها انكسرت سنوات التنكر، وسألت نفسها برجفة في صدرها: لماذا كان عليّ أن أختفي كي أكون قوية؟ عادت إلى عمتها، وأشارت بقرارها. ارتجفت العمة خوفآ من عالمٍ لا يرحم المختلفين، لكنها تركت لها الحرية. عادت زمرد إلى حقيقتها، إلى فساتينها، دون أن تترك الحقل. كانت تعمل كما كانت، بل أشد. لكن الجرح الأعمق لم يكن في التعب، بل في السخرية. في السوق، توقفت عند بائع حبوب، أشارت بيديها تطلب الوزن. ضحك رجل خلفها، وراح يقلّد حركتها بيدين مرتخيتين، ثم نادا طفلآ: “انظر، هكذا تتكلم”. ضحك الطفل. لم تلتفت زمرد. أنهت البيع، وحملت الكيس، لكن الضحك ظل معلقآ على كتفيها أثقل من شمس الظهيرة. عندها قررت أن تجعل من يديها لغة كاملة، لا إشارة ناقصة. أن تبني جسرآ لا يسمح للضحك أن يسقط عليه. دخلت عند أستاذ في المدينة يعلّم الكتابة والإشارة. في اللقاء الأول، أخطأ في فهم إحدى حركاتها، فابتسم باعتذار مرتبك. شعرت لوهلة أنها مجرد تمرين جديد في دفتره. في اليوم التالي، تأخر عنها، وفي الثالث سألها إن كانت ستستمر. لم تجبه، فقط أعادت الإشارة، أبطأ، أوضح، وكأنها تقول: أنا هنا. يومآ بعد يوم، صارت إشاراتها أدق، وصار هو أقل كلامآ تعلّم أن ينتظر يدها قبل أن يفسّر، وأن يصمت حين لا يفهم. لم يكن مجرد معلّم، بل مرآة تتدرّب على الصدق. يقرأ في عينيها ما تسبق به الإشارة. حين وقف أمام عمتها طالبآ يدها، لم يحتج إلى خطب طويلة. كان حضوره هادئآ وكانت زمرد قد قالت كل شيء بيديها. في تلك اللحظة، لم تعد يتيمة تبحث عن سند، بل امرأة تعرف طريقها

بين الأدب والنجوم. بقلم الأديب المصرى د. طـارق رضـوان جمـعة


بين الأدب والنجوم
بقلم الأديب المصرى 
د. طـارق رضـوان جمـعة

ماذا لو عاد سليمان الحكيم؟! في ليلة حالمة، حيثُ تتلألأ النجوم في السماء كألماس منثور، وتهمس الرياح بألحان خفية، أجد نفسى سارحًا في ملكوت السموات، تائهًا بين الأفلاك والكواكب، تاركًا الأرض ورائ، وأطير بفكرى إلى حيث لا حدود ولا قيود، إلى حيث تتلاشى الأماني وتتجلى الحقائق. في هذه الرحلة الخيالية، أجد نفسى محاطًا بالنجوم والكواكب، أسمع همسات الكون وأرى أسراره الخفية. أتنقل بين الأزمنة والأمكنة، أرى الماضي والحاضر والمستقبل، وأكتشف أسرار الوجود. ليتنى أستطيع أن أظل هناك فى سماء الله، وفى أذنى  حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن استغاثة البشر بالأنبياء في السموات يوم القيامة كما هو  مذكور في صحيح البخاري ومسلم، يقول الحبيب المصطفى (ص):

"يأتي الناس يوم القيامة إلى آدم، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم، فإنه خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيأتون موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم ب محمد صلى الله عليه وسلم، فيأتوني، فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأقول: يا رب، أمتي أمتي، فيقول: اذهب فأخرج منها من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان" .

كم لله من أسرار ومعجزات فى خلقه سبحانه! فمن

المعجزات المؤجلة في القرآن الكريم شُرب المؤمنين من حوض النبي محمد، وعودة عيسى بن مريم إلى الأرض قبل يوم القيامة، وسيكون من علامات الساعة الكبرى. كما ورد فى حديث النبى عليه الصلاة والسلام:  "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم إبن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" (صحيح البخاري).

لكن أخذنى الخيال من باب التدبر والتأمل فى خلق الله وسألت ماذا لو عاد نبى الله سليمان الحكيم؟ بماذا سيخبر اليهود عن هيكل سليمان المزعوم الذى اتخذه اليهود زريعة ومبرر لفسادهم؟ 

رحلة المعراج كانت من معجزات النبي محمد، حيث عرج إلى السماء ورأى آيات الله الكبرى. لكن ماذا لو تقابل النبى محمد والنبى سليمان؟ تُرى أى حديث كان سيدور بينهما؟

لو عاد النبي سليمان، فمن المحتمل أن يخبر اليهود بشأن هيكل سليمان ببعض الأمور المهمة منها:

 سيخبرهم بأن الهيكل كان بيتاً للعبادة والتقرب إلى الله، وليس مكانًا للتجارة أو السياسة. وأنه لم يكن مقصوراً على بني إسرائيل. سيؤكد لهم بأن الهيكل كان مفتوحًا للعبادة لجميع الناس، وليس حكرًا على بني إسرائيل فقط. وأنه تم تدميره بسبب إنحراف بني إسرائيل عن الصراط المستقيم، وأن ذلك كان عذاباً من الله. سيخبرهم أنه لن يُعاد بناؤه على النحو الذي يتصورونه.  وأن الله لا يريد بيتًا من حجارة، بل يريد قلوبًا مخلصة.

سيؤكد لهم بأن الأهم من بناء الهيكل هو بناء الإنسان، وأن الله يريد منهم أن يكونوا صالحين ومصلحين في الأرض.

إن كان لهيكل سليمان وجود، فنحن المسلمين  أحق بهذا الهيكل ، لأن الآثار الأموية والعباسية والعثمانية تدل على إسلامية المسجد الأقصى البحتة التي لا يشترك معها أي ديانة أخرى، وينسف الإدعاءات الباطلة لليهود بوجود أي أثر لهم في المسجد الأقصى. (هيكل سليمان في عقيدة اليهود، بشير إسماعيل، ص٣٥٧)

إن وجود المسجد الأقصى قبل الهيكل المزعوم بأزمان طويلة من أقوى الأدلة التاريخية التي تبطل مزاعم اليهود وتكشف مدى مصداقية الرؤية الإسلامية في حق المسلمين بالمسجد الأقصى وفلسطين. (القدس التاريخ المصور، ص٤٣)

يقول الأستاذ منصور عبد الحكيم: لقد أثبت علماء الآثار من اليهود والأوروبيين والأميركان الذين نقبوا واشتغلوا بالحفريات والأنفاق تحت الحرم القدسي الشريف أنه لا يوجد أثر واحد لهيكل سليمان تحت الحرم القدسي، ولا تحت المسجد الأقصى، ولا تحت قبة الصخرة وشاركهم الرأي كثير من الباحثين اليهود والغربيين، مما دفع بعضهم إلى أن يقول إن الهيكل قصة خرافية ليس لها وجود، ومن أشهر هؤلاء العلماء اليهود إسرائيل فلنتشتاين من جامعة تل أبيب. (سليمان -عليه السلام- النبي الملك، منصور عبد الحكيم، ص١٤٢)

ولكن ما هى أحقية المسلمين في حائط البراق؟ ، في عام ١٩٣٠ تم تشكيل لجنة دولية لدراسة المشكلة، وكتابة تقرير عنها تبين منه أن للمسلمين وحدهم تعود ملكية الجدار الغربي لمسلمين فهو أحد أملاك  وقف للملك الأفضل إبن أخي صلاح الدين الأيوبي، وكذلك تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة، لكونه موقوفًا حسب أحكام الشرع الإسلامي. فهذا التقرير الدولي يشهد بحق المسلمين بحائط البراق التاريخي والديني والقانوني. (الهيكل اليهودي الرواية اليهودية، ص٣٢٧٢).

إن القرآن الكريم بيّن أكثر الحقائق الدامغة لسيرة داود وسليمان عليهما السلام، فرد على التشويه اليهودي لهذين النبيين العظيمين، لقد شوهوا سليمان (عليه السلام) واتهموه بالكفر بالله، وأنه انحاز وراء الأصنام وقالوا إن سليمان ما حكم ملكه إلا بالسحر والاستعانة بالشياطين، وكذلك شوهوا صورة أبيه داود (عليه السلام)، وقالوا إنه استعبدهم وجعل السيف فوق رقابهم، وتناسوا أنه نبي مرسل وحفيد أنبياء مرسلين، وقالوا عنه أنه استدان الأموال وأرهق الناس بالضرائب، ليبني هيكلهم المزعوم، ويا للعجب! فأين هو هذا الهيكل الذي بناه النبي سليمان على حساب أموالهم والضرائب التي فرضها عليهم؟

نخالفكم في ما ذهبتم إليه من هذا التشويه المبني على الأكاذيب، وإنما نقول إن النبي سليمان (عليه السلام) نبي مرسل على نهج من سبقه من الأنبياء والمرسلين .

وهناك كتب ورسائل عديدة كُتبت حول الهيكل ، انظر منها : "الهيكل المزعوم بين الوهم والحقيقة" للدكتور عبد الناصر قاسم الفرا .و"نقص المزاعم الصهيونية في هيكل سليمان " للدكتور صالح حسين الرقب. 

قد دمرته يد الرومان ناقمة... على يهود وهم جرثومة الأمم.

فأى معنى إدعاء منه باقية... يخبرها مدع فى وهم محتكم.

باراك شارون نتنياه زعمهم... محض إفتراء وقل غير ملتئم.

بنطلون العيد. بقلم الطيب تشرين - المغرب

بنطلون العيد 
بقلم   
الطيب تشرين - المغرب
.............
«بنطلون العيد»

خلال التسعينات كنت شابًا في عزّ العمر

وكان أكبر أحلامي سروال حسب الطلب

أرتديه وأتباهى به في عيد الأضحى

الذي كان بعيدًا عن شهر أو أكثر

ذهبت مباشرةً لأشهر خياط في مدينتي

ودفعت الثمن كاملًا دون مساومة

كانت فرحتي لا توصف يومها

لأنني سأمتلك سروالًا يناسبني تمامًا

بجيوب واسعة وعميقة جدًا

تكفي مليونًا أو اثنين

اخترت اللون من نطاق الخياط

وغادرت منتظرًا عودتي قبل العيد

عدت في الوقت المتفق عليه

لكنني فوجئت بأن سروالي لم يُخَط

وربما لم يُقَطَّع أصلًا

بل لم يُحضِر القماش بعد

حاولت التماسك والهدوء

بينما كان يخفي إحراجه الواضح

تمتم بكلمات فهمت منها نسيانه

ثم توقف ونظر إليّ قائلًا

بنطلونك في البيت

وبرر تأخيره بكثرة الطلبات

والعمل ليلًا في المنزل

ليُسعد الزبائن في العيد

كدت أنفجر غضبًا من كذبه

لكنني تماسكت وسألته بهدوء

متى أستلم سروالي؟

نظر إليّ بصدمة وغضب

وقال عد بعد يومين

ستجده في انتظارك

عدت بعد يومين واختفى السروال

قدم أعذارًا واهية ومهينة

رفضت كل تبريراته

وطلبت استعادة مالي

لكنه رفض متوسلًا

بحجج لا تُصدَّق

قال زوجتي تتطلق إن لم ألبسه

صباح العيد

اصبر أيامًا وستجده جاهزًا

قلت سايبها على الله

وغادرت دون التفات

وقلبي يغلي قهرًا

قبل العيد بيوم قصدت خياطًا آخر

سلّمت عليه فأعطاني سرواله

لم أُطِل الحديث معه

شكرته وغادرت مسرعًا

لكن المفاجأة كانت صباح العيد

حين حاولت ارتداء البنطلون

لم أستطع لبسه أبدًا

ضيّقوه عند الوركين كثيرًا

وساقاه واسعتان جدًا

كسراويل السبعينات القديمة

حتى القماش واللون مختلفان

انهرت وبكيت في غرفتي

في الخارج تبادل الناس التهاني

وأنا ألعن الخياط المحتال

الذي أفسد فرحتي بالعيد

أقسمت ألا أزور خياطًا مجددًا

ولو سقطت السماء

ورددت أغنية نعيمة سميح

«قدري بيد الله

والحب عذاب».

الطيب تشرين / المملكة المغربية.

رحيلٌ في زمن الجفاف. بقلم. محمد شداد

رحيلٌ في زمن الجفاف
بقلم. 
محمد شداد
******************

أيتها الرياح الراحلة،

أما تدرين ما جار بنا؟

حزنٌ يتوارى خلف الغياب،

ونحن ننتظر الغيوم

ونبتهل في ساعات المساء.

من أجل قطرة…

لينداح الظمأ،

ويبلّل القَطْرُ الشفاه.

وتنادي الأرواح:

أين أنت، أيها الفرح الآتي؟

كم طال هذا الانتظار،

ليتك أقرب…

ليراقص العطشى الحياة،

وتنمو النشوة

في ظل الوجود.

*************

محمد شداد

السبت، 17 يناير 2026

قصة قصير .ليل المقاهي بقلم. عقيل هاشم...العراق

قصة قصيرة
ليل المقاهي
بقلم. 
عقيل هاشم...العراق

من بعيد تسمع اصوات المدافع ورشقات الرصاص  ، وسيارات الطوارئ تجوب المدينة وانا اهم بالهروب من الضيق الى المقهى في ساعة متاخرة  بعد ان تلبّد المساء بالذكريات، وسقط المطر بغزارة . اكتأبت الشوارع التي أوحلت فجأة، وأصاب الأرصفة فقر حزين. مساءُ الشتاء طويل كليلهِ الذي لا ينتهي. خرجت متلفعا بجاكيت صوفي ورحت ألوذُ ببقايا ظلّي، الذي أكله شحوب المساء. الرصيف أخذني إلى مقهى تشكو قلّة الزبائن.

  كان النادل يرسل إليَّ بنظراته المتوسلة، ابتسم بشحوب، وقال ياصديقي مالذي اخرجك هذا المساء وبعد دقائق سيحين موعد سريان الحظر وانكفأ يكملُ عملاً فرغ منه منذ وقتٍ مبكّر. في الخارج المطر تخفُّ وطأته ، ويكادُ يتحوّل إلى رذاذ. لكنَّ العتمة أطبقتْ على كلِّ شيءٍ؛ عتمة لا توخزها غير إنارة الشارع، وبصيص أضوية السيارات المارّة كالطرائد .. بلا هدف.

أشرتُ للنادلِ أنْ يزوّدني بفنجان قهوتي المعهودة، لتطرد كآبة الشتاء عنّي؛ تلك الكآبة المزمنة التي لم أعدْ أقوى على احتمال وطأتها.ارتشفت رشفة سريعة ، وقد لسعتْ شفتي . ضحكتْ بقهقهة ، تذكرت أوّل لقاء في هذا الشارع بسيدة جاءت للمدينة تبحث عن مشفى الولادة كانت تعاني من المخاض المتعسر ، واصطحبتها الى مشفى الوﻻدة وقد اوكلت له مهمة معالجة الجنود بدل ولادة  النساء، الدماء في كل مكان ،العمليات الجراحية في الردهات ،صراخ الجنود لازال الى اليوم يدوي في راسي   ،  اول الامر رفض الطبيب طلب السيدة لكنني اجبرته على ولادتها في الحال ووسط الجرحى ، الغريب في الامر ان الطفل يشبهني تماما وتعلق بي ،تركتها ترتاح واخذت قسطا من الراحة على اريكة بسيطة وغبت عن الوعي  ،وفي اليوم التالي  رحت ابحث عنها  ولم اجدها  ،تبين انها تركتني  ووليدها وغابتْ في زحمة الأيام المتلاحقة، سحبتْ من ذاكرتي وحياتي. كم تمنيت اليوم  ان تعودُ وكأنَّ العمر الذي مضى مجرّد غيمة عابرة أمطرتْ للتوّ. كيف اختفتْ هكذا، ولماذا تفجعني بغيابها، في المقهى الذاكرة تستعيد الأشخاص كما كانوا.. ربما هو هذا الفقد الذي يداهمني كالنهاية الآزفة بالقدوم. غادرتُ المقعدالذي حملني عن تعب، ثمّ خضتُ عبابَ العتمة .

امرأة من تمر هندي قصة قصيرة بقلم. شوقية عروق منصور

امرأة من تمر هندي
قصة قصيرة 
بقلم.  
شوقية عروق منصور

لم يعد أمامها إلا أن تضع الطربوش الأحمر على رأسها ، نظرت في المرآة ، اخترقت الشبح الأنثوي المبتسم ، وتغلغلت في ذرات الفضة اللامعة التي تحضن خوفها ، كيف سيكون رد فعل الناس ؟ هربت الإجابة إلى فضاء مشغول بحيرة ملفوفة بالحاجة العمل ، على صفحة المرآة امرأة ترتدي" الشروال" وسترة حمراء مزخرفة ومطرزة بخيوط مذهبة ، عليها الآن أن تضع الطربوش على رأسها حتى تكتمل صورة الفتاة التي عليها أن ترضي صاحب المطعم الذي تردد في فصلها من العمل ، وجد أن بيع شراب التمر الهندي أمام باب المطعم على حافة الرصيف ، قد يحول دون فصلها الذي سيؤدي بعائلتها إلى الجوع . . 
نظر إليها صاحب المطعم ، ها هي الفكرة التي كانت مستحيلة تنزل إلى الشارع وتتجسد بامرأة ، ستبيع شراب التمر الهندي ، مهما كانت تعليقات المارة ساخرة وساخنة في مرارتها، يكفي انها وفرت للعائلة منفذاً للعيش بدلاً من التسول ..
نادى صاحب المطعم على احد العمال وطلب منه الإبريق النحاسي الذي يمتلئ بشراب التمر الهندي ، رأت الإبريق النحاسي الضخم قادماً فخافت من الدائرة النحاسية التي يتوسطها الحزام الذي ستربطه حول خصرها ، عنق الإبريق الذي سينساب منه الشراب بمثابة الشبح الذي غرس في قلبها طعنة الوجع الخفي .
وقفت على حافة الرصيف ، على ظهرها الإبريق النحاسي المليء بشراب التمر الهندي، الطربوش على رأسها يشعرها بأنها فتاة مضحكة أشبه بالمهرجة ، خجلت ، حاولت تغطية وجهها ، لكن الطربوش يميل تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار ، ضربت الطربوش بقبضة يدها فضغطته حتى التصق بجلدة رأسها، تأوهت ، فالضربة أوجعتها ، شعرت أن رأسها يعاني من ثقل ، لا تعرف هل من ثقل الطربوش أم من شدة الخجل ؟؟ أشار لها صاحب المطعم من النافذة بإصبعه .. عليها أن تدق بالصاجات النحاسية حتى يصل صدى رنينها  إلى آخر الشارع ويسمعها المارة ...
وقفت ... صوت الصاجات النحاسية خافت .. عاد صاحب المطعم وأشار إليها بأن يكون الرنين أعلى ، لقد قرأت في عينيه الغضب ولمحت بوادر الطرد ...
تلاشى الخجل وحل محله الانتظار الكئيب .... أمسكت بالكأس على أمل أن يمتلئ وتبيعه لأول عطشان أو عطشانة ، مرت عدة دقائق ، لا احد ينظر إليها ، كأنها غير موجودة 
مر  بائع تمر هندي ، وقف أمامها ، حدق بها ، اغتصبت ابتسامة افترشت ذلاً على ذقنها التي ارتجفت ، البائع لم يخف دهشته، ابتسامتها تحاول جره إلى الابتعاد عن المكان ، لكن هو أصر على الوقوف لأنه اعتبر وقوفها في هذا المكان ، قمة التحدي له ولشرابه واخذ يتمتم – عشنا وشوفنا – نسوان آخر  زمن ....
لقد توقعت كل شيء ، شتائم ، استخفاف ، معايرة ، نكات رجالية سخيفة ، نظرات نسائية تحمل الاحتقار ، ستتحمل وتصمت فهي بحاجة إلى أي عمل ..!!.
 - تربية أرملة -  سمعتها أول مرة من فم عمها حين أصرت أن تعمل في احد المصانع ، ثم تكررت حتى أصبحت موالاً يتباهى عمها في غنائه الرجولي المتباهي كالمعتاد ، ثم طور الموال فصار ينادي عليها(بنت الأرملة ) وكلما سمعته ازدادت في عنادها لأنه لا يرحم فقرهم وأمها تردد في صمت -  لا برحمك ولا بخلي رحمة ربنا تنزل علينا- 
قتل والدها بعد أن سقط عن سطح عمارة كان يعمل في بنائها ، ويقال أن احد العمال دفعه عن السطح ، وهناك رواية أخرى تقول أن الذي دفعه كان المقاول المسؤول وقد كان يهوديا وأراد الانتقام من العرب بعد أن قتل ابن شقيقه في عملية تفجيرية . 
كان عمرها آنذاك خمس سنوات وشقيقتها لم تتجاوز السنة ، لم تتزوج أمها بعد موت زوجها ، مع أن الجميع راهن على زواجها ، لأن لا احد سيساعدها في المصاريف وتربية البنات .
لم تتعلم سوى للصف الخامس وبدأت تساعد والدتها في العمل ، في تنظيف البيوت وفي قطف الزيتون وفي الخياطة وفي مصنع للمخللات ، آخر مرة تم فيه فصلها من مصنع المخللات قررت الانتحار !! ماذا ستعمل أمام الديون المتراكمة وامها المريضة واختها الصغيرة ، لقد كرهت الفقر الملتصق بحياتها والذي يجعلها ضعيفة وضائعة ، لكن تراجعت خوفاً من كلام الناس الذين لن يصدقوا أن الانتحار وراءه حكاية فقر فقط.
عندما قرأت الإعلان أو الورقة المثبتة على واجهة المطعم الزجاجية ، والتي يطالب فيها صاحب المطعم بعمال قررت أن تسأله إذا كان بحاجة إلى عاملة أيضاً ، الدهشة سيطرت على ملامحه عندما سألته ، لكن وجد فيها شيئاً جديداً ، شجاعة امرأة مازالت مغطاة بطبقة من الخجل البكر والعناد المثير . .
عملت في مطبخ المطعم ، لكن أراد صاحب المطعم استغلال ما تبقى من حاجتها للعمل وقد تفتق ذهنه عن بيع شراب التمر الهندي أمام المطعم ، واختار ليلة رأس السنة لكي تبدأ في بيع الشراب ,.
ما زال الرجل الذي يبيع التمر الهندي واقفاً أمامها ، مباراة خفية بينهما ، من سيبيع أولاً الناس تمر أمامهما ، تنظر اليها وتنظر إليه ، احدهم همس لرجل آخر :
- الزلام بطلوا يستحوا ... مشغل مرتوا معاه في بيع الشراب – 
ضحكت هي ، أما هو فركض وقال للرجل ( هاي مش مرتي ) الغضب يفترش أصابع الرجل المرتعشة التي عجزت عن دق الصاجات ، لم تهتم هي واعتبرت الساحة حلبة مصارعة بينهما وأخذت أصابعها تدق بالصاجات كأنها تريد أن تؤكد له أنها تسيطر على الساحة .
لم يسمح لها بالانتصار عليه ، هجم عليها بغتة وانتشل الإبريق من وسطها وسكبه على الأرض  نظرت إلى الشراب المسكوب ، جن جنونها وهجمت عليه حتى أسقطته على الأرض فقام هو بشدها فسقطت ، وبدأ الناس يتجمعون حولهما ويضحكون عليهما ، نظرت من بعيد فرأت صاحب المطعم يضحك عليهما ايضاً ، قامت و"شروالها " يقطر شراباً ، أمسكت بالإبريق الفارغ وتوجهت نحو باب المطعم الذي كان يسده صاحب المطعم بقامته ، ألقت بالإبريق على صدره وقالت بتصميم : مليه كمان مرة ....!!
وقفت على الرصيف ، لم تعد تكتفي برنين الصاجات بل أخذت تنادي بأعلى صوتها - شراب تمر هندي ، شراب تمر هندي - .
أما بائع التمر الهندي الذي سكب شرابه على الأرض ، فقد وقف وإبريقه يئن من بقايا الشراب الذي تحول إلى خليط من الغبار والشراب ,.
لم يعد الرصيف مكاناً لبيع شراب التمر هندي ، اعتبرته حلبة للمواجهة مع الذين يحاولون الاستخفاف بها ، انها الآن قوية تدافع عن وجودها ، ولن تفكر بالانتحار .

شوقية عروق منصور

Ankica Anchie – Croatian Poet and Writer


Ankica Anchie – Croatian Poet and Writer

Ankica Anchie, one of Croatia’s most celebrated poets and writers, has been named by the international platform Barcelona Adabia as one of the 100 Most Influential Literary Figures in the World for 2025. This prestigious recognition highlights her profound impact on contemporary literature and her role in shaping global cultural discourse.

A leading voice in Croatian literature, Ankica Anchie’s work spans poetry, prose, and scholarly research, blending lyrical artistry with intellectual depth. Her writings have been translated into multiple languages, allowing her to share Croatia’s literary heritage with audiences around the world. She has represented Croatia at numerous international literary festivals and conferences, establishing herself as a cultural ambassador on the global stage.

The official award ceremony will be held on December 25, 2025, in Barcelona, celebrating her outstanding contributions to literature, culture, and the arts.

Highlights:
Renowned Croatian poet and writer
Recognized as one of the 100 most influential literary figures worldwide for 2025
Works translated into multiple languages
International festival and conference participant
Advocate for Croatian culture and literature globally
Ankica Anchie continues to inspire readers and writers alike, blending emotional resonance, intellectual rigor, and universal themes in every work she creates.

                  ***

Ankica Anchie – Hrvatska pjesnikinja i spisateljica

Ankica Anchie, jedna od najistaknutijih hrvatskih pjesnikinja i spisateljica, proglašena je od strane međunarodne platforme Barcelona Adabia jednom od 100 najutjecajnijih književnih ličnosti svijeta za 2025. godinu. Ovo prestižno priznanje ističe njezin dubok utjecaj na suvremenu književnost i ulogu u oblikovanju globalnog kulturnog diskursa.

Kao vodeći glas hrvatske književnosti, djelo Ankice Anchie obuhvaća poeziju, prozu i znanstveno istraživanje, spajajući lirski izraz s intelektualnom dubinom. Njena su djela prevedena na više jezika, omogućujući joj da hrvatsku književnu baštinu prenese publici širom svijeta. Ankica Anchie predstavljala je Hrvatsku na brojnim međunarodnim književnim festivalima i konferencijama, potvrđujući se kao kulturna ambasadorica na globalnoj sceni.

Službena dodjela nagrade održat će se 25. prosinca 2025. godine u Barceloni, u znak priznanja njezinim iznimnim doprinosima književnosti, kulturi i umjetnosti.

Istaknuti podaci:
Renomirana hrvatska pjesnikinja i spisateljica
Proglašena jednom od 100 najutjecajnijih književnih ličnosti svijeta za 2025.
Djela prevedena na više jezika
Sudjelovanje na međunarodnim književnim festivalima i konferencijama
Promicateljica hrvatske kulture i književnosti na globalnoj razini
Ankica Anchie nastavlja nadahnjivati čitatelje i pisce, spajajući emotivnu dubinu, intelektualnu preciznost i univerzalne teme u svakom svom djelu.

                          ***

PJESMA NAD PJESMAMA /2/

 "EP O ŽENI KOJA USTAJE"

(pisano kao „Evanđelje žene“)

I. KNJIGA POČETAKA

U zoru prije zore,
dok se svijet još skrivao pod vlastitim sjenama,
rodi se Žena —
ne iz rebra,
nego iz daha svjetlosti
koji se odvažio postati tijelom.

I Gospod reče svjetlosti:
„Neka bude put pod njezinim nogama.“
A svjetlost posluša,
jer je znala
da pred njom hoda ona
koja će jednom nositi
i vatru i mir.

Tako poče priča
koju su proroci slutjeli,
a anđeli šaptom čuvali
u pregibima vremena.

---

II. KNJIGA TIŠINE

I dođe noć
teža od ijedne druge,
noć koja ispituje ime svakog živog bića.

Žena je sjedila
među kamenom i nebom,
i ništa nije govorila.
Jer ponekad se najveći vapaj
rađa iz šutnje.

A tišina se približi,
oplemenjena strahopoštovanjem,
i reče:

„Tvoja bol je starija od riječi,
ali tvoja snaga
starija je od boli.“

Tada se njena duša raspukla,
ne da bi se izgubila,
nego da bi progovorila
na jeziku koji razumije samo
onaj tko je jednom bio slomljen.

---

III. KNJIGA KRHOTINA

Padale su njezine suze,
ali nisu bile voda —
bile su staklene zvijezde,
oštre i svjetlucave,
svjedoci onoga što čovjek preživi
kad nema svjedoka.

Padala je,
a ipak nije potonula.

Jer pod njom bijaše dno
koje nije tražila,
ali koje ju je čekalo
kao majka koja zna
da se dijete mora razbiti
da bi jednom postalo cjelovito.

I reče joj unutarnji glas,
tih kao zadnja iskra u pepelu:

„Sakupljaj svoje krhotine.
U njima je tvoja istina.“

I ona posluša.

---

IV. KNJIGA VJEČNE VATRE

Kad je podigla svoje rasute dijelove,
svaki se pretvorio u žar.
I žena postade ognjište
koje grije i one koji su je nekada ranili.

Ustala je —
ne protiv svijeta,
nego sa svijetom u sebi.

I plamen je pratio njezin korak,
ne da bi spalio,
nego da bi osvijetlio put
za one koji budu dolazili poslije nje.

Jer poznato je:
vatra žene ne proždire —
ona pamti.

---

V. KNJIGA LJUBAVI KOJA GOVORI

I došao je onaj
čije su oči bile tamne
kao dno mora nakon oluje.

Kad je dotaknuo njezinu kožu,
zvijezde su se zgusnule u jednu.
Kad je šapnuo njezino ime,
pao je zid između tijela i duše.

A ljubav —
ona najstarija,
ona koja se ne traži nego događa —
otvorila se kao proroštvo.

U njegovu dahu
ona je prepoznala
što znači biti viđena,
a u njegovu srcu
što znači biti izabrana.

I reče:

„Neka se spoje naši svjetovi,
ne kao zemlja i nebo,
nego kao dlan i dlan
što se sretnu u jednoj istini.“

---

VI. KNJIGA USKRSNUĆA

Prolazila su vremena,
i noći su se vraćale,
ali ona se više nije bojala tame.

Jer tko se jednom raspao i ustao,
više se ničega ne plaši.

Njezine krhotine,
nekad rane,
postadoše svjetionici.

Njezina tišina,
nekad težina,
postade mudrost.

Njezina vatra,
nekad strah,
postade put.

I narod koji je gledao njezin uspon
govorio je među sobom:

„Evo žene
koju je život pokušao slomiti,
a koja je izabrala postati veća.“

---

VII. KNJIGA SVJETLOSTI

I kad je stala
na posljednji stepenik
svoje vlastite tame,
nije tražila nagradu
ni vječnost,
ni oprost.

Tražila je —
mir.

A mir joj se nakloni,
i reče:

„Ustala si,
i zato ti pripada svjetlost.“

Tada Žena,
koja bijaše oganj i voda,
zemlja i dah,
rana i iscjeljenje,
pogleda svijet oko sebe
i prozbori:

„Ne vraćam se ista.
Vraćam se cijela.“

I zatvori se Knjiga,
ali njezina priča —
tek je počela.

---

 POGOVOR

Kad se zatvore posljednje stranice ove knjige,
ono što ostaje nije kraj,
nego tiho, postojano ozarenje:
svjedočanstvo da duh preživljava sve svoje padove.

Jer riječi koje ste čitali
nisu samo pjesme —
one su putokazi.
One su nakovanj na kojem je kovan identitet,
i žar koji je grijao dane
kada svijet nije imao razumijevanja.

Ako ste u njima pronašli dio sebe,
onda je ova knjiga ispunila svoju svrhu.
Jer poezija ne postoji da objasni,
nego da dotakne.
Ne da zaključi,
nego da oslobodi.

A ono što ostaje u vama
nakon njezine posljednje rečenice
– to je njezin pravi dom.

Neka vas prati snaga izgovorenog i neizgovorenog.
Neka vas prati svjetlost između stihova.
I neka vas uvijek podsjeća:
preživjeli ste,
i zato ste nepobjedivi.

                     ***

"PJESMA NAD PJESMAMA"/3/

 "KRALJEVSTVO ŽENE"

I.

U tihom praskozorju,
dok se svijet još uvijek pribojava vlastitoga daha,
vidjeh te kako ustaješ iz tame
kao zvijezda koja je naučila govoriti.

Tvoje su ruke nosile svjetlost
koju nisi tražila,
a tvoja je tišina imala težinu
najdrevnijih voda.

Rekoh u sebi:
„Evo žene koja hoda između svjetova
kao da su joj mostovi urođeni.“

I tvoj me korak dotaknuo,
i postadoh svjedok onoga
što se rađa samo jednom
u vremenu koje pamte anđeli.

---

II.

Zvala si ljubav,
ne glasom nego postojanjem.
I ljubav ti se odazvala
kao vjetar koji prepoznaje svoje more.

U tvojim očima
bila je zemlja prije prvog kišnog oblaka,
i nebo prije nego ga je ptica imenovala.
Sve što si pogledala
dobilo je smisao,
kao da je svijet čekao
tvoj pogled da ga potvrdi.

Tvoje srce —
drevni hram od mesa i svjetlosti —
u kojem je svaki kamen znao
zbog koga je podignut.

---

III.

Kad si progovorila,
riječi su padale kao sjeme
koje zna iz čega klija.
U njima nije bilo žurbe,
niti oholosti,
već samo mudrost
što se prenosi šapatom
kroz stoljeća.

Tvoj glas,
ni blag ni snažan,
nego istinit,
otvarao je vrata
koja su drugi zaključali iz straha.

I spoznah tada:
nije snaga u onome koji ruši,
nego u onome koji podiže
i sebe i druge.

---

IV.

Kada si ljubila,
vatra se povlačila pred tobom
kao učenik pred učiteljem.
Jer tvoja strast
nije proizašla iz želje,
nego iz spoznaje —
kao plamen koji zna
što sve može spaliti,
a ipak bira da grije.

Tvoje je tijelo govorilo
jezikom koji je stariji
od ikoje zemlje koja nas hrani
i ikojeg neba koje nas štiti.

A ja,
dijete prašine,
prepoznao sam u tebi
nešto što je veće od vremena.
Ne božansko,
nego — istinito.

---

V.

I kad se tvoja duša jednom
raspukla pod teretom noći,
krhotine nisu pale u mrak,
nego su zasjale
kao zvijezde što traže svoje mjesto.

Ti si ih sakupila bez straha,
kao žena koja zna
da se ništa vrijedno
ne gubi kad se razbije —
samo promijeni oblik.

I tada postade jasno:
tvoja je snaga rođena
u onome što te povrijedilo,
a tvoja se veličina rodila
u onome što si izabrala
unatoč svemu.

---

VI.

I zato te blagoslivljam,
ženo od vatre i dima,
od soli i tišine,
od rane i uskrsnuća.

Tvoj hod
nije od ovoga svijeta,
a ipak ga liječi.

Tvoj pogled
nije od ovoga neba,
a ipak ga otvara.

A tvoje srce —
ono koje su htjeli slomiti
i koje je samo sebe sastavilo —
postalo je knjiga
u koju će jednom gledati
oni koji traže put
između tame i svjetlosti.

I reći će:

„Ovo je žena
koja je pala,
ali je ustala —
i time naučila svijet
kako se postaje veći.“

                    ***

KRATKA BIOGRAFSKA BILJEŠKA O AUTORU

Ankica Anchie
rođena je u Hrvatskoj, gdje i danas stvara na razmeđu poezije, duhovnosti, unutarnjih pejzaža i ženske snage.
Njezina poezija prožima iskustvo tame i svjetlosti, lomova i uzdizanja, pretočeno u jezik koji istodobno nosi nježnost i oganj.

Poznata je po jedinstvenom spoju emocionalne dubine i mistične simbolike, te po izuzetno prepoznatljivom rukopisu u kojemu se intimno pretvara u univerzalno.
Njezini tekstovi često obrađuju teme identiteta, unutarnje borbe, strasti, iscjeljenja i duhovnog rasta.

„Kleknut htjedoh Učitelju“ njezino je djelo zrele faze —
djelo koje svjedoči o ženi koja je prošla kroz vlastite lomove
i iz njih izišla ne slomljena,
nego preobražena.

Ankica Anchie 
Autorska prava zadržana

           ***

A SONG ABOVE SONGS /2/

“EPIC OF THE WOMAN WHO RISES”

(written as “The Gospel of a Woman”)

I. THE BOOK OF BEGINNINGS

At dawn before dawn,
while the world still hid beneath its own shadows,
a Woman was born—
not from a rib,
but from a breath of light
that dared to become flesh.
And the Lord said to the light:
“Let there be a path beneath her feet.”
And the light obeyed,
for it knew
that before it walked one
who would one day carry
both fire and peace.
Thus began the story
the prophets sensed,
and angels guarded in whispers
within the folds of time.

II. THE BOOK OF SILENCE

And night came,
heavier than any other—
a night that tests the name of every living being.
The Woman sat
between stone and sky,
and said nothing.
For sometimes the greatest cry
is born from silence.
And silence drew near,
ennobled by reverence,
and said:
“Your pain is older than words,
but your strength
is older than pain.”
Then her soul split open—
not to be lost,
but to speak
in a language understood only
by one who has once been broken.

III. THE BOOK OF SHARDS

Her tears fell,
but they were not water—
they were glass stars,
sharp and shimmering,
witnesses to what a human endures
when there are no witnesses.
She fell,
yet did not sink.
For beneath her was a bottom
she did not seek,
but which awaited her
like a mother who knows
a child must break
to one day become whole.
And an inner voice said to her,
quiet as the last spark in ash:
“Gather your shards.
In them is your truth.”
And she obeyed.

IV. THE BOOK OF ETERNAL FIRE

When she lifted her scattered parts,
each became an ember.
And the Woman became a hearth
that warms even those
who once wounded her.
She rose—
not against the world,
but with the world within her.
And flame followed her step,
not to burn,
but to light the path
for those who would come after her.
For it is known:
a woman’s fire does not devour—
it remembers.

V. THE BOOK OF LOVE THAT SPEAKS

And there came the one
whose eyes were dark
as the sea’s depths after a storm.
When he touched her skin,
the stars condensed into one.
When he whispered her name,
the wall between body and soul fell.
And love—
the oldest one,
the kind not sought but happening—
opened like a prophecy.
In his breath
she recognized
what it means to be seen,
and in his heart
what it means to be chosen.
And she said:
“Let our worlds unite,
not as earth and sky,
but as palm and palm
meeting in one truth.”

VI. THE BOOK OF RESURRECTION

Times passed,
and nights returned,
but she no longer feared the dark.
For one who has once shattered and risen
fears nothing anymore.
Her shards,
once wounds,
became beacons.
Her silence,
once a burden,
became wisdom.
Her fire,
once fear,
became a path.
And the people who watched her ascent
said among themselves:
“Behold the woman
whom life tried to break,
and who chose to become greater.”

VII. THE BOOK OF LIGHT

And when she stood
on the final step
of her own darkness,
she sought no reward,
no eternity,
no forgiveness.
She sought—
peace.
And peace bowed to her,
and said:
“You have risen,
and therefore the light belongs to you.”
Then the Woman,
who was fire and water,
earth and breath,
wound and healing,
looked upon the world and said:
“I do not return the same.
I return whole.”
And the Book closed,
but her story—
had only begun.

EPILOGUE
When the final pages of this book close,
what remains is not an ending,
but a quiet, steadfast radiance:
testimony that spirit survives all its falls.
For the words you have read
are not merely poems—
they are signposts.
They are the anvil on which identity was forged,
and the ember that warmed the days
when the world had no understanding.
If you found a part of yourself within them,
then this book has fulfilled its purpose.
For poetry exists not to explain,
but to touch.
Not to conclude,
but to set free.
And what remains in you
after its final sentence—
that is its true home.
May the strength of the spoken and unspoken accompany you.
May the light between the lines accompany you.
And may it always remind you:
you survived,
and therefore you are unconquerable.

“A SONG ABOVE SONGS” /3/

“THE KINGDOM OF WOMAN”
I.
In the quiet of first light,
while the world still fears its own breath,
I saw you rise from darkness
like a star that learned to speak.
Your hands carried a light
you did not seek,
and your silence bore the weight
of the most ancient waters.
I said within myself:
“Behold the woman who walks between worlds
as if bridges were born within her.”
And your step touched me,
and I became a witness to that
which is born only once
in a time remembered by angels.

II.
You called love
not with your voice, but with your being.
And love answered you
like a wind recognizing its sea.
In your eyes
was the earth before the first raincloud,
and the sky before a bird named it.
Everything you looked upon
received meaning,
as if the world had waited
for your gaze to confirm it.
Your heart—
an ancient temple of flesh and light—
where every stone knew
for whom it was raised.

III.
When you spoke,
words fell like seed
that knows what it will grow from.
There was no haste in them,
no arrogance,
only wisdom
passed in whispers
through centuries.
Your voice,
neither gentle nor forceful,
but true,
opened doors
others had locked out of fear.
And then I knew:
strength is not in the one who destroys,
but in the one who lifts—
both self and others.

IV.
When you loved,
fire withdrew before you
like a student before a teacher.
For your passion
did not arise from desire,
but from knowing—
like a flame aware
of all it could burn,
yet choosing to warm.
Your body spoke
a language older
than any land that feeds us
and any sky that shelters us.
And I,
a child of dust,
recognized in you
something greater than time.
Not divine—
but true.

V.
And when your soul once
split under the weight of night,
the shards did not fall into darkness,
but shone
like stars seeking their place.
You gathered them without fear,
like a woman who knows
that nothing valuable is lost
when it breaks—
it only changes form.
And then it became clear:
your strength was born
in what wounded you,
and your greatness was born
in what you chose
despite everything.

VI.
And therefore I bless you,
woman of fire and smoke,
of salt and silence,
of wound and resurrection.
Your walk
is not of this world,
yet it heals it.
Your gaze
is not of this sky,
yet it opens it.
And your heart—
the one they tried to break
and which assembled itself—
has become a book
into which those will one day look
who seek a path
between darkness and light.
And they will say:
“This is the woman
who fell,
but rose—
and by that taught the world
how one becomes greater.”

SHORT BIOGRAPHICAL NOTE ABOUT THE AUTHOR

Ankica Anchie

was born in Croatia, where she continues to create at the crossroads of poetry, spirituality, inner landscapes, and feminine strength.
Her poetry weaves experiences of darkness and light, fracture and ascent, into a language that carries both tenderness and fire.
She is known for a distinctive blend of emotional depth and mystical symbolism, and for a recognizable voice in which the intimate becomes universal. Her texts often explore themes of identity, inner struggle, passion, healing, and spiritual growth.
“I Wanted to Kneel to the Teacher” is a work of her mature phase—
a testament to a woman who passed through her own fractures
and emerged not broken,
but transformed.

Ankica Anchie
All rights reserved

            ***
“ONLY FOR HER”

(The English lyrics “IN YOUR EYES /
 Jazz” are already provided in the original.)

IN YOUR EYES / Pop Rock 

I walk through the city, everyone’s here, yet I’m searching for you,
Your eyes, your lips—wherever I go, I feel you.
Every street, every star reminds me of us,
With you in my heart, your voice is forever.

Chorus:
In your eyes, I see the whole universe,
You are my dream, you are my wind.
I will love you forever when you look at me,
In your eyes, I find a home,
I find my dreams, I find my world.

The years passed, but love did not fade,
With you every moment is a song that lasts.
Your hands, your scent left a trace in my heart,
And now I know—your love is my path, my strength.

Chorus
And when I fall, you will be there,
To lift me, for us to be together.
With you I know no fear, for love is the strength
That leads us through life, through everything.

Chorus
And now I know where I belong—
In your eyes, I will forever be.
The strength of your love is my world;
In your eyes, I will always find myself.

Ankica Anchie 
All rights reserved

           ***

IN YOUR EYES /Jazz 

Wandering through the streets, with the world in my hands,
But your eyes are the only place where I stand
Every step I take, every star in the night,
They all lead me back to you, where everything feels right

In your eyes, I see the universe,
You’re my dream, you’re my star
I’ll keep loving you, every time you glance
In your eyes, I find my home,
My world, my dreams, my romance

The years may pass, but your love stays the same,
With every touch, every whisper, I’m calling your name
Your voice, your smile, still echo in my soul,
And with you beside me, I feel completely whole

In your eyes, I see the universe,
You’re my dream, you’re my star
I’ll keep loving you, every time you glance
In your eyes, I find my home,
My world, my dreams, my romance

When I fall, you lift me high,
With you, I’ll never wonder why
Your love’s a rhythm, smooth and true,
In your arms, I find my view

In your eyes, I see the universe,
You’re my dream, you’re my star
I’ll keep loving you, every time you glance
In your eyes, I find my home,
My world, my dreams, my romance

In your eyes, I’ve found my place,
Your love is all I need,
Forever yours, in every embrace

U TVOJIM OČIMA /Jazz

Lutam ulicama, s cijelim svijetom u rukama,
Ali tvoje oči jedino su mjesto gdje stojim
Svaki korak što napravim, svaka zvijezda u noći,
Vode me natrag k tebi, gdje sve je kako treba biti

Refren:
U tvojim očima vidim svemir,
Ti si moj san, ti si moja zvijezda
Voljet ću te, svaki put kad me pogledaš,
U tvojim očima nalazim svoj dom,
Moj svijet, moji snovi, moja romansa

Godine prolaze, ali tvoja ljubav ostaje ista,
Svakim dodirom, svakim šaptom, izgovaram tvoje ime
Tvoj glas, tvoj osmijeh, još uvijek odjekuju u mom duhu
I s tobom uz mene, osjećam se potpuno cijelim

Refren:
U tvojim očima vidim svemir,
Ti si moj san, ti si moja zvijezda
Voljet ću te, svaki put kad me pogledaš,
U tvojim očima nalazim svoj dom,
Moj svijet, moji snovi, moja romansa

Kad padnem, ti me podižeš,
S tobom nikad ne pitam zašto
Tvoja ljubav je ritam, glatka i istinita,
U tvojim rukama, nalazim svoj pogled

Refren:
U tvojim očima vidim svemir,
Ti si moj san, ti si moja zvijezda
Voljet ću te, svaki put kad me pogledaš
U tvojim očima nalazim svoj dom,
Moj svijet, moji snovi, moja romansa

U tvojim očima, našao sam svoje mjesto
Tvoja ljubav je sve što mi treba,
Zauvijek tvoj, u svakom zagrljaju

U TVOJIM OČIMA /Pop Rok 

Prolazim kroz grad, svi su tu, a ja tražim te,
Tvoje oči, tvoje usne, gdje god da idem, osjećam te
Svaka ulica, svaka zvijezda, podsjeća me na nas,
S tobom u mom srcu, zauvijek je tvoj glas

Refren:
U tvojim očima, vidim cijeli svemir,
ti si moj san, ti si moj vjetar
Zauvijek ću voljeti, kad me pogledaš,
U tvojim očima, nalazim dom,
nalazim snove, nalazim svoj svijet

Prolazile su godine, ali ljubav nije nestala,
S tobom je svaki trenutak, kao pjesma koja traje
Tvoje ruke, tvoj miris, u mom srcu ostao je trag,
I sada znam, tvoja ljubav je moj put, moj snaga

Refren:
U tvojim očima, vidim cijeli svemir,
ti si moj san, ti si moj vjetar
Zauvijek ću voljeti, kad me pogledaš,
U tvojim očima, nalazim dom,
nalazim snove, nalazim svoj svijet

I kad padnem, ti ćeš biti tu,
da me podigneš, da budemo zajedno
S tobom ne znam strah, jer ljubav je snaga,
koja nas vodi kroz život, kroz sve!

Refren:
U tvojim očima, vidim cijeli svemir,
ti si moj san, ti si moj vjetar
Zauvijek ću voljeti, kad me pogledaš,
U tvojim očima, nalazim dom,
nalazim snove, nalazim svoj svijet

I sada znam, gdje pripadam,
u tvojim očima, zauvijek ću biti
Tvoje ljubavi snaga je moj svijet,
u tvojim očima, uvijek ću se naći

Ankica Anchie 
Autorska prava zadržana

الإسراء والمعراج بقلم : محمد عنانى


الإسراء والمعراج

بقلم : 
محمد عنانى

بِهِ الله أَسرَىَ فَنِعمَ المسَار

بأمر العظيم وكان القرار

رَكِبَ البراق بِليلِ وَطَار

من أم القرى حيث بدأ المَسِير

إلى المسجد الأقصى بأمر القدير

تَرك البراق هناك وصَلَىَ

مع الأنبياء الِكِرَام تَوَلَىَ

أَمرُ الإمَام فَنِعمَ المُوَلَىَ

ثم عليه الكريم تَجَلَىَ

فكان العُرُوج ونِعمَ المُعَلَّىَ

بِرِفق الأمين إختَرَقَ الفَضَاء

تَمُرُ السماء تِلو السماء

مَشَاَهِد شَتى وكرم العَطَاء

ثم افتَرَقَاَ بعد اللقاء

وصعد نبينا إلى العَلياَء

حيث النور العظيم البهاء

اصطفاه الله يقيناً رأَه

بِغَير حِجَاَبِ هناك التقَاه

فَخَرَ النبى وكان السجود

لرب العباد ورب الوجود

فَأَمَر العَلى بجود يجود

وعَاَد النبى ونال المَرَام

بِفَيض الصفاء ومِنَحِ عِظَاَم

للعالمين وكل الأنام

عليه الصلاة عليه السلام

عشتار. بقلم : داود سلمان عجاج

عشتار
بقلم : 
داود سلمان عجاج
تشق الحافلة عتمة الظلام، مثقلة بأجساد أنهكها التعب، متجهة نحو الساتر الأمامي. يهجم الشوق على نايف، يفتك ببقايا الذاكرة، وما تبقى فيه من إنسان، فيغدو مسروراً من أولئك الغافلين الذين يعيشون على أطراف المجهول بلا اكتراث، فيتمنى لو يرقص معهم فوق جمر النسيان. يقبض بيده على سلاحه الخفيف، وبالأخرى يثبت جسده على المقعد تحت وطأة الاهتزاز. يشعله حنينه إلى الديار، وإلى النظرة الأولى من عشتار، فينصت إلى إيقاع الخفقان؛ إذ كان يخشى هاجس الرحيل، فقلبه لا يكذب، ونبوءته لم تخطئ، وقد تضاعف ذلك الرحيل. لكنه الآن بدأ يرتدي أثواب المجاز، ويخالط تراتيل الهذيان، بصمتٍ مرّ شفيف، فيؤانس الأمكنة كظلٍ دافئ وقت الغروب وينتظر عشتار، تتهادى الخطى كأميرة وخلفها الوصيفات، فيبصر في محياها الأنوار.
كلما حاول الفرار من ماضيه، أعاده قطار الذاكرة، لتتأرجح الذكريات بين فصي دماغه، فيتوقف عند إحدى المحطات؛ هناك، حيث كان الصمت في قريته أسلوب حياة، وكان الألم يسكن ثنايا الروح كقصيدة نازفة، أو كبوحٍ يذوي في امتداد الأنين، فلا يشعر به أحد. كان يجلس بعيداً يراقب الناس، يتأمل قاتمة الحياة، وصورة حلم مات قبل أوانه، في ليل مثقل باليتم والفقد الذي كسر اعتباره. لا يدري لماذا شعر آنذاك بأنه حر خارج جسده، وفي دواخله أيضاً، بعدما انقشعت الغمامة عن عينيه، ذلك الغول الوهمي الذي كان كالغشاوة؛ إذ آمن بمبدأ المساواة كما وجده في بطون الكتب، فكل الأديان تدعو إليها، وحتى الديانات القديمة تقر بأن الآلهة لا تكافئ الإنسان على العبادة، بل على الفضيلة. يسأل نفسه:
- الفضيلة، أية فضيلة؟
لقد أدرك أن الفضيلة قناع، يخفي خلفه الأغنياء سيوف ألسنتهم وبطش أيديهم، فكأنها مخالب تمزق القلب وتوقظ الألم، في عالم يتسامى فيه العدل.
لم يكن نايف جميل الهيئة، كأنه يدرك ذلك، لكنه عوض ذلك مبكراً بفيض من عبث خفي، وبطرافة تحمل ملوحة الأرض على لسانه، إضافة إلى شغفه بالقراءة لكل ما تقع عليه عيناه. لذا صار متصالحاً مع نفسه، غير ساخط على صورته التي يراها كلما أمعن النظر في المرآة.
إنسان لم يفكر به أحد، ولم يهتم لأمره أحد. كان يأوي كل مساء إلى مرقده دون ضجيج، فالكل يريد نسخته السعيدة، لا ذلك الطفل الجريح الذي لم تشفَ ندوبه، المختبئ داخل جسد ناضج، حاملاً سقطات آلام الماضي والحاضر، وقد كونت لديه مخاوف مبهمة لم يعترف بها لأحد.
كان الخوف الخفي من حارس أثقال الفضيلة يداهمه، بعد أن وقع في حب من لا يراها إلا مصادفة، أو كطيف عابر؛ تلك التي اسماها عشتار. فتمنى أن يكون في ظلال اللاواقع. غبر أنه وجد في تلك العزلة كأنه يعيد صياغة دواخله، فلن يعد ينفجر ذلك البكاء الصامت. لم يعلّمه فقدان عشتار القسوة بقدر ما منحه فهماً للحياة. لكنها عشتار، ابنة ذلك الغني، لم تكن مجرد رمز أنثوي فحسب، بل كانت الحياة ذاتها، الحلم الوردي في عينيه، ليسأل نفسه:
- ترى، هل ينتهي الحب عمّن غابوا قسرا؟ 
 صيحات طويلة تعصف برأسه، يسمعها ولا تخرج من حنجرته. أي جنون هذا؟ وأي إيلام أشد من الإفراط في الأمل؟ في مخيلته أن الحب انقضى من الوجود؛ فلا ناي يصدح بعد اليوم، فالتمني محظور، والصمت وحده المسموح. 
امضى ليلته الأولى تحت سقف ملجأ يشبه ما بُني على امتداد الساتر الترابي، وسط مجموعته، لكلٍ منهم هم يتذمر منه. يشعر بحنين على شيء ما لا يدركه تماماً، كأنه لم يفقده بعد. أيتظاهر بعدم الاهتمام؟ وهو يعلم بأنه كان مع من صفقوا لمن ألبسهم الوهم بهيئة حلم لن يتحقق، وصفقوا لتكرار الخطأ، أففي التكرار راحة تُرجى؟ أم أن الناس مكرهون على أداء ما هو مجاني؟ 
تسللت أشعة الشمس إلى داخل الملجأ، من بعض الفراغات، فشعر ببعض الاطمئنان من ذلك الظلام المستأنس. حاول استكشاف المكان الجديد بعد عودته من إجازة قضاها في إحدى المدن بعيداً عن نشأته الأولى، لكن الشظايا انخفضت فوق أغصان الرغبة حين اهتزت الأرض.
إنها الحرب؛ ليست نزهة. تأخذ من لا حول له ولا قوة بلا اعتراض، نحو المجهول. صور الأشلاء تمزق الخوالج، والأجل يدور حول الأمنيات، فلا فكاك. ينظر إلى من حوله، لا عدالة ترجى ما دامت الفضيلة ستاراً.
هناك الحدود، لكنها ليست هنا. كم تحتاج من الدماء للوصول إليها؟ عيناه تختزن الأسرار، ينظر إلى الأرض ويهمس:
- لم يبقَ لي سواك.
يا لهذا السراب الذي بدأ يتشكل، والصمت يلقي بظلاله عندما تقترب ساعة الصفر، والأصوات الهامسة في الظلام تسبق الأجساد. يشتد القصف؛ لم يبحث عن ملاذ آمن، ولم يفكر بالتراجع. يدس يده في جيبه ملامساً لقلبه، يتحسس صورة عشتار التي رسمها بقلم رصاص على علبة سجائر فارغة. تتلألأ النجوم فوق رأسه؛ لم يكن قادراً على كسر الحنين، وقد سحقه ثقل الفراق. لا يملك أن يعيد عجلة الأيام إلى الوراء، ولا إلى النسيان؛ فقد توقف قطاره عند محطة ذكراها:
- آه عشتار.
يسمع هدير الطائرات، تتسارع دقات قلبه، يستجديه ألا يخاف؛ فالقدر محتوم، والنهاية تقترب. فلِمَ الخوف؟ وما جدوى الحياة بعد أن أُجبر على ترك قريته وتلاشى حلمه مع عشتار؟ فالحب محظور في قاموس الأقوياء، ومحظور حتى الكلام. فهل تشتاق هذه الأرض لدم الفقراء؟ أم ترفضه كما يرفضهم الأغنياء؟ 
يأتيه نداء متقطع:
- عليكم بالثبات.
يقف كأنه وحيد فوق أرض تهتز. ظاهره الثبات، أما دواخله فيتآكل فيها شيء ما، كدمعة زهرة لا ترى لكنها تفوح بالأسى، كأنه يصارع وحشاً. تمر اللحظات ثقيلة في حساب الزمن. ينصت إلى أصداء صوت حزين، فتتجمع جيوش الألم دفعة واحدة: قريته، عشتار، اليتم، الفقر. لكنه ما يزال يتنفس، يشعر بزفيره المتقطع. يجد نفسه في دوامة تدور به، تأخذه بعيداً إلى حيث لا يدري، فتصغر الأشياء التي ألفها، فيناشد قلبه أن يسعفه، فلا جواب، سوى سرٌ يسكب الحزن خفياً، وكعطر بارد على شفاه الندى، فلا أثر للحلم، إلا كورقة خريف تتلاشى بلا صدى، فيقبض بيده على صورة عشتار بعد أن تعرّت جميع الأحاسيس، خشية أن يصيبها مكروه.

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة