Translate

الأربعاء، 8 يونيو 2022

رهاب بحار قصة قصيرة

 



رهاب بحار 
قصة قصيرة
لا أذكر منذ متى وأنا على هذا القارب، ينادونني بالربان رجلا عجوزا، لم أدر كيف وصلت إلى هذه السن، حاولت تحطيم جدران الماضي لأراني طفلا، لكنها صلدة أو كأنها مشجب نزلت منه، حتى صوتي ألفه البحر كهديره، وأصابعي تشبثتا بالمقود جافة مجعدة.
آه، أيها العجوز كم ناطحت السحب والأمواج، وسافرت عبر عواصف مائية رملية الى جزر ومحطات.
عندها كم توقفت أنظر إلى البعيد؛ اتنهد قائلا:
- لم يزل المشوار طويل.
رغم صوت من أعماق اللجة حزين، يخطفني إليه، يهتف بي
- تعال ونم.
فأنظر إلى ركابي، انزعج وأحزن لأجلهم؛ أصرخ ويدي تصكان ماء البحر بمجدافي بقوة:
- لا بد أن أوصلهم إلى البر.
يضحكون، ينامون، يأكلون مما اصطاد، امتشق مختالا لأني جبلٌ صنديدٌ لهم، لكن بداخلي بركان على قراصنة يكتنزون الذهب، كلما وصلت نيرانه باب الفوهة، ارتدت وحرقت قلبي؛ نمت في كهفي أتلظى، فالتفوا حولي يبكون، فاعتصرت كل الألم، استنهضت جسدي، سقيتهم نبيذ الأحلام، حتى ثملوا وجنوا بي؛ ألقوا بي على جزيرة، بكيت أناديهم:
- لا تبتعدوا، هنالك مدٌ قادم.
....
بقلم / رندا المهر - الاردن

سلة فارغة بقلم / عبدالجابر حبيب ...

 



قصة قصيرة 
سلة فارغة
غبار يغطي الأشياء. وجوه شاحبة، كأوراق شجرة لم يعرف الماء دربه إلى جذورها. بريق الأمل يزرع في عيون أرهقها النظر إلى الجهات؛ راجية منها أن ترسل لها قافلة محملة ببعض مايسر قلوب المحرومين،
ترقرقت دموع فرح مجهول في عيون صغار القرية.
بعدما أخبرتهم الحاجة عائشة العواد بما سمعته في المدينة من أقاويل شتى، وهي تبيع مالديها في السلة من البيض؛ فقد حرمت أحفادها الصغار منه لتشتري لهم اللباس، والأحذية، وكأن أكل البيض لم يعد لائقاً بالفقراء أمثالهم.
تحت ظل جدار بيت ترهل من ويلات حرب، حطت رحالها في قريتهم النائية عن ملذات الحياة. جلست الحاجة عائشة بعد عودتها من مشوارها المرهق، أسعفها أحد صغار القرية بكأس ماء تجاوزت حرارته درجة الفاتر كما تعلَّم الصغير ذلك المصطلح في مدرسة القرية قبل إغلاقها من قبل أولئك الذين تلحفوا بعباءة الدين الحنيف، واعتبروا كل ماعدا اسم الله زندقة، ودرب إلى الكفر والالحاد، حتى القسم بكتاب الله كفر، وبدعة يستحق من يسير على منوالها الجلد دون تردد، أما ذبح الإنسان لأتفه الأسباب، فلا يكون بدعة، وإنما تنفيذاً لأوامر الله، وكأن الله خولهم ليكونوا وكلاءه في ثواب وعقاب البشر، تناسوا أن تفسير الآيات الكريمة على هواهم بدعة ما بعدها بدعة. وأن الله خلق الجنة والجهنم ليوم الحساب.
ربما رشفة من الماء الفاتر لم تروِ ظمأ السيدة العجوز، ولكن قناعاتها كانت تجلب لها الفرح في كل حين رغم أحلك الظروف، فإيمانها القوي يفسح لها طريق الأمل، لذلك كان صوت الحاجة مفعماً بالسعادة، وهي تبشر أحفادها، وصغار القرية الذين ركضوا إلى بيتها طمعاً بحديث يدور فحواه عن البسكويت، وعصير البرتقال، فقد أصبحا من غرائب الأمور في حياة صغار لم يألفوا سوى الجوع، والفقر، والحرمان.
قالت الحاجة: ستأتي شاحنات محملة بكل ماتتمنوه
من لباس أوربية، وأحذية، وجوارب لم تروها، ولن تروا مثلها قط..
ثمَّ أردفت قائلة: أما عن المواد الغذائية، فهي معلبة، وجاهزة للأكل حتى الفول، والبطاطا، و ورق العنب جاهز للأكل قد لايحتاج للتسخين أيضاً.
تصوروا اللحم المقلي كأنه جهزته الآن. كل ذلك ستحصلون عليه من أول دفعة قادمة إلينا من المعونات، والمساعدات الدولية بعد أيام قليلة، وكمَنْ يريد أن يكون التشويق سيد الموقف.
قالت الحاجة : ها لقد نسيت أن أخبركم بما هو مخصص لكم ..ستلعبون بألعاب لم تحلموا بها في حياتكم من قبل. سيارات تسير على البطاريات قابلة للشحن، ودمى تسير، وتتكلم، وتضحك مثل الإنسان. يقولون عن تلك الدمى بالإنسان الآلي.
بعض الأولاد الذين كانوا يسمعون السيدة العجوز قد سال لعابه من ذكر أنواع الطعام، وهو يتخيل المائدة العامرة أمامه، والبعض الآخر تحلق خيِاله،وأصبح طياراً، والآخر سائق دبابة منتقماً من أولئك الأشرار الذين دمروا بيوتهم، وشردوا أهلهم، وقتلوا أحبتهم،
لاحظت السيدة عائشة مايدور في خلد الصغار .
قالت بفرح كبير :سيجلبون لكم مسابح مسبوقة الصنع لتتعلموا السباحة كي لا تغرقوا في الماء عندما تصادفكم الأنهار، أو البحار، وأنتم في طريقكم إلى الهجرة، والبحث عن اللجوء الآمن في مكانٍ ما..؟
تغيرت نبرة صوتها إلى مايشبه الحسرة، والحزن عندما وصلت إلى الجملتين الأخيرتين،
ولكنها استدركت ذلك، وهي التي تجلدت بالصبر، والحكمة، ومشهورة ببث الأمل في النفوس
عادت مرة أخرى إلى لهجتها المفعمة بالسعادة:
هناك الكثير الكثير مما تحدثوا عنه في المدينة من أجلكم ...
لفحت الشمس وجوه الصغار بعدما تلاشى ظل الظهيرة، وقامت الحاجة تتابع ما تبقى من خطوات إلى بيتها الذي يوحي بأي شيء ما عدا أن يطلق عليه اسم البيت، فالبيت يعني مايخطر في خيال المرء من صور، غرف عديدة، ومطبخ، وحمام، وبيت الأدب،
توقفت قليلاً أثناء سيرها،وكأنها انتبهت لشيء مهم ذلك الصغير الذي أراد التبول على بعد خطوات من الجميع قالت الحاجة عائشة بصوت هامس: ماذا دهاكم يا أولاد، ألا تعرفون بيت الخلاء،، بالمانسبة يأولادأهل المدينة يسمونه(تواليت). لِمَ له من أهمية في حياة الإنسان،
وكمن أدرك حقيقة ماهو عليه، من واقع بائس أردفت الحاجة عائشةبلهجة لاتخلو من التهكم: كل هذا الخلاء لكم، ومازاد من فرص الخلاء تلك البيوت المدمرة الخالية من ساكنيها.
تلاشت ابتسامتها بعدما مدت يدها لركبتيها، عجباً من هذا الروماتيزم لايتركها حتى في الصيف القائظ، كيف ستكون حالها في الشتاء؟
إذا دخلتَ بيتها، أقصد دون شكٍّ بيت الحاجةعائشة، فحدث، ولاحرج غرفة لاتشبه الغرف
حفرة تحت بقايا أنقاض. بيت بدون معالم لا تدل عليه سوى بعض الأحذية المترهلة كأحلام سكان القريةجميعهم .
سأل الحفيد الصغير جدته: هل سيأتي أبي، وأمي مع هذه الشاحنات المحملة بكل شيء. 
تجمد الدم في عروق الحاجة، خانتها الكلمات، والفطنة بالرد المناسب. تلعثَم لسانها، همهمت بكلمات غير مفهومة هروباً من حفيدها، وحفيدتها الأكبر سناً.
منذ أن غربت شمس ذلك اليوم ، وحلت العتمة التي ابتلعت أحلام أولئك الصغار. طال الانتظار، ومضت الأيام،وأخيراً تمخض الجبل بفأر صغير
هاهي سيارة من نوع الفوكس فان، أوربما يطلقون عليها( آتش وان) ناصعة البياض تحمل موظفَين من منظمة دولية تزين واجهة السيارة شعار جميل "من أجل غد بلا أرق نفسي نحن هنا"
ترجل المسؤول الأول، وسار إلى أقرب بيت من السيارة، ونادى بصوتٍ جهوري: يا أهل البيت ...ياأهل البيت ....
خرجت السيدة عائشة من وكرها، وهي ترد على صاحب الصوت :نعم أخي ....تفضل ...سكان هذا البيت في ذمة الله
ماتوا، وهم في طريقهم إلى النجاة بقذيفة.ما..؟ بعضهم قال عنها إنها قذيفة هاون، فهي عمياء لاتميز بين المسلح، والمدني،
وبعضهم قال إنها قذيفة طائرة ، والآخر قال: لاشك أنها قذيفة دبابة، أو مدرعة، فهي كانت خارقة حارقة، وبطيبتها المعهودةأكملت حديثها: والله يا بني لا أفهم بهذه الأمور ، ولكن الشيء الأكيد أنني فقدت الأعزاء على قلبي. العفو يابني لقد أوجعت رأسك،
قال الموظف: نحن من هيئة دولية قادمون إليكم بهدف الدعم النفسي
قالت الحاجة : ماذا عن الدعم المادي. نحن ميتون من الجوع. أشباح، وهياكل بلا لحم ...
قال الموظف المسؤول: هذا ليس من شأننا ...هناك منظمات أخرى تهتم بهذا الجانب ...
كان كلامه يمزق أجساد أولئك الأطفال الذين تحلقوا حول السيارة الصغيرة ... دفنوا أحلامهم بتلك الكثبان الرملية التي غطت ساحة، وأزقة القرية ...
ابتعدت السيارة بعدما تركت العجلات أثارها في الرمال الناعمة، دون أن يدري ذلك الموظف الأممي بأنه فتح شروخاً في القلوب، تماما كالقذيفة التي دمرت هذه البيوت، والتي ستبقى مجرد أنقاض تشوه ملامح الإنسانية
....عبدالجابر حبيب ...

الغدر المتربص بقلم / طارق الصافي - مصر


 الغدر المتربص

علي مقربة من أمه وتحت نظرها يتسلق الطلا《 ابن الظبي》 ويقفز ليختبر رجليه النحيلتين على مواجهة المخاطر إذا أحدقت...يناطح إخوته محاولا التشبث بالأرض.. يبتعد الصغير قليلا عن أمه وإخوته ليحقق أملا للعدو الكامن المرتدي ثوب السكون وإن كانت أنفاسه الجائعة قد طارت ليشمها الصغير.. وهو لا يدري أن خطواته الوادعة تقترب من خطوات الفزع الواثبة حيث أطبقت الأنياب فى حبل الوريد وهو يضرب أقدامه يعلن عن شدة اختناقه وطلبا للنجدة.
في هذه اللحظات الأخيرة اليائسة العاجزة عن النجاة يمر أمام عينيه الجاحظتين شريط شهوره القليلة التي عاشها مع أمه وإخوته وتنسم فيها عبير الحياة.. حين التقت عيناه الصغيرتان بعين الذئب الدامى ورقبته في فمه وكأنه يدعوه ليجلس بجواره ليشاهد معه شريط أيامه الحلوة التي قرر أن يزهقها ويقطع وصلها الماتع و يكتم أنفاس اماله في أن يحيا حتى يشب ويبدأ دورة حياته...
يتذكر مزاحمة إخوانه حين الرضاع وتدريب أمه له على المناورة إذا أطبق الخطر والتى لم تفلح معه فى أول مواجهة.. حتى يصل إلى المشهد الأخير حين ساد صمت القاتل والمقتول وقد سرت الى القاتل رسالة يتخاطر بها المقتول ليفزَعه ما بقيت حياته 《 لقد قتلت معى أمى وأخوتى فقتلت مباهج الحياة 》
توقفت قدماه عن المقاومة معلنة فراق الحياة..!
وصلت إلى الأم التي كانت تقف على مقربة من صغيرها رسالة بالفراق الأبدي وهي ترى الأنياب قد غرزت في وريد صغيرها وقد التقت عيناهما وهو يرسل لها إشارة السلام والوداع دون ان يستطيع ان يلوح لها بالفراق..
حينها استدارت الأم لتسير على أقدام متثاقلة لا تحملها وعيناها تفيض من الدمع حزنا ان لو كانت هى طعمة الجائع الدامى ...
صارت منكسة الرأس تكذب نفسها ان ما رأته خيال وأنها سوف تلقاه أمامها ..
ترى..
هل كانت تلوم نفسها أنها لم تغامر لإنقاذ وليدها ليحيا وإخوته وتكون حياتها هى فداءه كشيمة الأمهات ؟
هل تقتلها نظرات صغيرها المحشورة في الفم الدامي وهي عاجزة عن إطلاقه ليحيا ؟
هل كانت تحقن قلبها الودود الصافى بسيل من الكراهية لعلها تستطيع أن تعود لتنتقم من قاتلها في إبنها ؟
هل أثقلت هذه الأفكار أقدامها المترنحة وهي تنظر إلى صغارها لتخبرهم أنكم لن تروا اخاكم ثانية.
بقلم / طارق الصافي  -  مصر

يَباب قصّة قصيرة عامر عودة - فلسطين


 يَباب 

قصّة قصيرة

أنا لستُ بحلم بل هو واقع...
لا أرى أمامي سوى قطع وأشلاء... أجزاء مِن أشجار مبعثرة... أحجار بيت متناثرة... زهور مقطّعة ومرْمية... أخشاب ربّما كانت سورًا لحديقة... عُشُّ عصفور يرزح على الأرض وبداخله فِراخ... طير بلا جناح يحمل بمنقاره بعض قطع منَ الخبز... رأس هنا... يد هناك... بعض الأصابع... أشياء أخرى مفصولة عن بعضها البعض لا أستطيع تمييزها...أشلاء... أشلاء... أشلاء... لا شيء سوى أشلاء...
أنا لستُ بحلم هي حقيقة!
أقف ساهمًا محتارًا أمام هذا المشهدِ الّذي يهصرُ القلب، والذي كان في يوم مِن الأيّام جميلًا ببيوته وسكّانه وأشجاره وشوارعه... جاء مَن قطَّعه وحوّله إلى يباب! هل مِنَ الممكن إعادة تكوينه، أَمْ سيبقى القبح متفوقًا على الجَمال؟ هل باستطاعتنا إلصاق أعضاء مبتورة وإعادتها إلى الحياة مِن جديد؟ أسئلة كثيرة جالت في خاطري. وما علينا إلّا أنْ نحاول؛ فنحن في زمنِ المعجزات. ألَمْ ينجح الأطبّاء في وصل أصابع أشخاص مِن جديد بَعْدَ أنْ قُطعت بسبب حادث مأساوي؟ ألَمْ يُعيدوا أرجلًا وأيادٍ مبتورة إلى مكانها؟! حتّى الأَعيُن والآذان نجحوا بإعادتها إلى مكانها في الرّأس. والأغرب أنهم استطاعوا إعادةَ الحياة لأموات بعد أنْ توقّف نبض قلبهم! أليست هذه معجزات؟ كم سهل أنْ تَقطع أو تَكسر أو تَهدم أو تَقتل، وكم صعب بعد ذلك أنْ تَجمع وتُلصق وتَبني وتَخلق الشّيء مِن جديد. لكنّه ليس بالأمر المستحيل. وكم تكون بليدًا وبلا طموح أو إبداع إنْ لم تحاول إصلاح ما تمَّ تخريبه. ونحن صغار كنّا نُفكك ألعابنا لنرى ما يوجد في داخلها، ثمَّ نحاول تركيبها مرّة أخرى. أحيانًا ننجح، وأحيانًا نفشل، لكنّ المهم أنْ نحاول. مِن هنا تبدأ ثورةُ العقل، مِن هنا يبدأُ الإبداع. أليستِ الثّورة هي هدم وبناء؟ فلماذا لا أحاول بناء ما تمَّ تخريبه؟ الحياة تولد مِن رحمِ الموت، ولولا الموت لاستحالتِ الحياة. سأحاول أنْ أصنع أنا تلكَ الثّورة، سأحاولُ أنْ أخلقَ حياةً مِن هذا الموت.
قلت لكم إنَّني لا أحلم، أنا بكامل وعيي!
ها أنا أمسك بأحدِ الأفنان المَرميّة، وأضعها بجانب ما تبقى مِن إحدى الجذوع الجذلى فتنجذب إليها كالمغناطيس وتلتصق بها. أبحث عنِ الأجزاء الأخرى للشّجرة... أجد بعضها... أحاول جاهدًا أنْ أضع كلّ قطعة مكانها... إنّها ترفض أنْ تكون على شجرة غير شجرتها، أو بمكان ليس لها، أو بأرض ليست أرضها. فهي ليست كالبشر تحتلُّ أرض غيرها لتعيش هي على حساب أصحاب الأرض الأصليين. وبنفس الوقت، لا تتقبل جسمًا غريبًا يدخل إليها أو يلتصق بها، لئلا يتشوّه منظرها، فتقاومه حتّى تلفظه، كما يلفظ الجسم بقايا الطّعام الفاسد.
أنا لا أحلم... فها أنا أمسك ببعضِ القطع المتناثرة وأعيدها إلى مكانها حيث كانت... وها هي بعضُ الأشجار تشمخ وتورف مِن جديد... أحملُ العُشَّ بفراخه وأعيده إلى مكانه بينَ الأفنان، وها هيَ العصفورةُ الّتي تحملُ الطّعام بفمها، تقف بجانب زغاليلها فرحة بعد أن أَعَدْتُ لها جناحها...
لقد نجحت بمهارة أنْ أُلَمْلِمَ معظمَ القِطعِ المتناثرة ووصْلها مع بعضها البعض. وها أنا أيضًا أنجح في جَمْعِ حِجارةِ البيت وبنائه مِن جديد. أَلَمْ أقل لكم أنَّني لا أحلم؟! ها أنا أُعيدُ الحياةَ للوحة كاملة كانت مقطّعة ومبعثَرة. كم أنا فرحٌ لأنّني نجحت في ذلك. ولَم يبقَ أمامي إلّا جمع بعضِ الأشلاء المتناثرة لبعض الأشخاص، لكي أعيد جمال لوحةِ البازل الّتي أمامي كما كانت.
عامر عودة - فلسطين

بالأبيض و الأسود بقلم / روضة الدّخيل - سوريا

 



بالأبيض و الأسود
- من سيلقي كلمة التّأبين ؟
قالتها وهي تحبس دموعها.
نظرات دهشة انطلقت من العيون، و لا جواب صريح سوى استنكار و ذهول.
- سألقيها أنا، قالتها بحزم و استدارت نحو غرفتها.
كان ألبوم الصّور على طاولة صغيرة، اعتادت أن تقلّب فيه كلّما راودها الماضي في حلم جميل أو كابوس، صوره بالأبيض و الأسود فقط كالحقيقة المجرّدة ففي عرفها الصّور الملوّنة تحمل تزييفا تجعل النّاظر مخدوعا، تأمّلت صورة قديمة لها حين كانت طالبة في المرحلة الثّانوية و قد ارتدت الزّيّ المدرسيّ و ابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيها عربون إيمان بغد قادم جميل.
وسرعان ما صارت الصّور بين يديها باهتة و كأنّ غشاوة حاصرت عينيها، كلّ ما تراه تاريخ لم يمثّلها مطلقا، هي و هو نقيضان اجمتعا دون امتزاج و مع ذلك أصرّت على عدم الانسحاب و الاستمرار حتّى اللّحظة، كانت طالبة مثاليّة أو ربّما أشبه بامرأة آلية أجادت القيام بمهامها بأكمل صورة، نسيت نفسها و أصبحت ظلّا .
كلّ عزائها أنّها استطاعت أن تكون أمّا ناجحة، و ما تبقّى لا يهمّ.
فتح ابنها الأكبر الباب و راح ينظر إليها بعتب كبير: أحقّا ستلقين كلمة التّأبين؟
و ماذا ستقولين؟
لم تجب، بل راحت تتأمّل صورة جميلة جمعت أولادها و أحفادها، و أخذت تتمتم بصوت هامس:
فخورة بحصاد مواسمي
و ما تبقّى لا يهمّ.
روضة الدّخيل
سوريا

خداع قصة قصيرة بقلم / سهام الوهيبى .....بورسعيد - مصر

 

قصة قصيرة
خداع
سهام الوهيبى / بورسعيد - مصر
**************************
تُشرقُ لاهثةً وراءَ الحب .. تَغربُ باحثةً عن الأمل ..
تَحلمُ بالحيَــــاة .
تصادفُهُ مَرَّاتٍ و مَرَّات ....
لم تَشُكْ فى اللقَــــاء .... و لم تَشْكُ الاغتراب ....
لهفتُهَـــا غيَّبَتْ الحقيقــــةَ عن ناظَِريْهَــــا ....
فهو مَنْ كانَ يتَرقَّبُهَـــا و يُرَاقِبُهَـــا ؛ إلى أن أصبحَ يرى أفكارَهَـــا مُجَسَّدَة ، أحْكَمَ خِطَّتَه ....
و أظهرَ نفسَهُ لها فى وقتٍ مناسبٍ لرغبتِها ؛ فلم يلقَ نُفُــــور .
تيقَّنتْ بحَدسِهَــــا المُغيَّبِ أنَّهُ قَدَرُها ؛ فآمنتْ بِــــه ..
استجابتْ لإرادتِه ، فسَلَبَ إرادتَهَــــا ....
اسْتَسْلَمَتْ للحُـــب ، و غزا قلبَهَــا المُتيَّــم ....
فكان قلبُـــهُ مقْبَرتَهَـــا .

" نظرة حائرة " قصة قصيرة الكاتب / يسري ربيع داود... مصر


 " نظرة حائرة "

قصة قصيرة
الكاتب./ يسري ربيع داود... مصر
............
شق صياحُ الديكة سكونَ الفجر ، البيت كله أصبح في حالة حركة بعد الصلاة ، أمي تجهز حقيبة ملابس لوالدي تكفي يومين لا أكثر ، بينما أبي على حصيرٍ في دهليز البيت يعبث في مسبحته ويحدق في سكون مطبق ، أبصرته من خارج الباب الرئيسي للبيت عبر نافذته يلقي على جدران البيت وغرفه ونوافذه نظراتٍ عجيبة، كأنه يودع البيت الصغير الذي يعتبر محصلة تعبه طوال أعوامه الستين، يمسح دمعة انحدرت على خطوط وجهه وتجاعيده، بدا جسده نحيلًا من أثر تعبه المتواصل في السنتين الأخيرتين، قام من مقعده وتحرك خطوات إلى الغرفة المقابلة ، تحركت قبالته ، رأيته يطبع قبلة على جبين أختي الوحيدة ذات السنوات الخمس ، خرج من الغرفة يترنح، يبدو عليه آثر التعب والمرض فبدا شاحبًا كأن قلبه يلفظ أنفاسه قبل أن تبدأ يد الطبيب في علاجه .
من الخارج علا صوت عمي الأصغر :
_ تعجل يا حج ، نريد ان نصل إلى المعهد قبل الظهر.
سمعت تنهيدة أمي من غرفتها، تدعو من قلبها :
يارب.. ليس لنا غيره، يارب عجل شفاه لأجل خاطر بنته الصغيرة. يارب لأجل حبيبك النبي اجعل الشفاء من نصيبه وقسمته.. يارب رده إلينا معافًى سليما.
خرجتْ لتساعد أبي.. ينظر إليها بانكسار، يبدو أبي لأول مرة محطمًا .. أفلت ذراعه منها بيسرٍ، لم يحب أبي أن يسنده أحد، فلم يعرف الضعف طيلة عمره.. ينظر إليها.. طالت النظرة، ومع دمعة رقراقة قطع الصمت بدعائه :
استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
تحركت السيارة أشار لأمي إشارة مسافر، فهوت أمي على ركبتيها ، بدأ البيت يصغر شيئا فشيئا.. المصباح الأصفر على باب البيت يتماهى مع أنوار الشوارع.. ذاب البيت في الملكوت حتى تلاشى ، ودعت نظرات أبي الحانية كل شيءٍ في الحي، لم تنس نظراته حتى طوارق الليل من كلاب الحي وقططه ... وعندما وصلنا إلى المستشفى في قلب المدينة كان الوقت قد قارب الظهيرة، طلب أبي أن نصلي قبل الصعود إلى الطبيب.
بعد الصلاة دارت عيني في المصلى، لم أجده، خرجت مسرعًا تسبقني دقاتُ قلبي الذي يأبى بعنفوان أن يبقى مستقرًا في مكانه... تذكرت وأنا في تخبطي أنه لم يتكلم معنا طول الطريق.. كانت ردوده علينا مقتضبة.. انشغل الوقت كله بتمتمات.. علمنا أنه يذكر الله ويدعوه تارة، وتارةً أخرى يذكر بصورة واضحة اسم أختي " ليلى ".. . كان ينظر إليَّ.. عينه تطلب مني طلبات كثيرًا ما كان يرددها علي :
_ أمك يا بني ليس لها غيرك.. لا تدعها وحدها في معمعتها.. أختك ما زالت صغيرة فارعها وحافظ عليها ؛ " ليلى" كعودٍ أخضر يحتاج من يسهر عليها .. اترك اللهو واللعب وانتبه لمذاكرتك.. أفق يا بني من غفلتك .
حفظت كلامه من كثرة ترديده على مسامعي، تذكرت يوم أن تململت من كثرته فربَّتَ على كتفي بحنان .. قال لي يومها :
_ يوما ما ستعي كلامي عندما يسقط عمود البيت!
لم أعِ قوله، رغم أنني أعرف مقصده.. تذكرت ذلك فجأة فخرجت اتكفأ.. سمعت هرجًا ومرجًا في الخارج، شققت الصفوف لأجد عمي يحمله على صدره.. تتساقط سيولُ الدموعِ على وجهه.. وما أن تلاقت نظراتُنا الحائرة أدركت قول أبي ..
"لا تترك امك وحدها، واترك اللهو واللعب وحافظ على ليلى" .

قبل الوداع بقلم / محمد عبد الهادي - مصر


 قبل الوداع

جلس وحيدا في الشرفة الغربية، عتمة الليل ابتلعته، تحسس ذقنه الخشنة، حدثته نفسه عن معاناته مع مشيتة العرجاء وقلبه المنهك، تذكر عصبيته وحماسه وصوته الرنان، وأيام القهوة والسهر والجدال مع الأصدقاء، ذرف الدمع عندما اشتاقت روحه لولده الوحيد الراقد تحت التراب، الكل تركه وذهب.
نادته زوجته من خلف النافذة المشروخة.
- لقد غشاك الظلام والمصباح فوق رأسك منكسر، ادخل قبل أن تتجمد من البارد القارس
طلب منها بطانية،التف بها وأشعل شمعة بجواره، أضاءت الفراغ الشاسع الذي يخنقه بقسوة.
نادته زوجته مرة ثانية
- البرق ينذر بما هو قادم، لن تتحمل، ادخل يرحمك الله
أشار لها أن تقترب، أدار الشمعة نحو وجهها رأى به عوالم لم يراها من قبل، ابتسم ابتسامة طفل في شوق لنهد أمه، أخذته في صدرها، في صمت
- لقد تأخرت سنينا
انطفأت الشمعة، انتحبت، لم يسمع الشارع الطويل صراخها.
بقلم / محمد عبد الهادي - مصر

الثلاثاء، 7 يونيو 2022

يبيع بالآجل بقلم / إبراهيم الديب - مصر


 يبيع بالآجل
  بقلم / إبراهيم الديب - مصر

رجل على شيء من اليسار وبعض المعرفة التي تتمثل في القراءة والكتابة علاوة على ذكائه الفطري وقوة شخصيته وانتسابه لطبقة ملاك الأراضي سابقآ ، أهله كل ما سبق: لمكانة وسط الفقراء وفي نفوس الفلاحين الأميين إلا قليلاً
والذي يبيع لهم علف الماشية من المحل الذي يملكه.
هذا الشخص له فلسفة خاصة به فهو يسعى ويرغب أن يكون بيعه بالآجل أكثر من الفوري: لعلة في نفسه مفادها: أن الفلاح عندما يشتري بالآجل يتورط في الدين بصورة كبيرة دون أن يشعر ويقوم بشراء بضاعة أكثر حبذا لو: كان من الفقراء شبه المعدمين، وما أكثرهم كان يظهر بصورة الميسر على عباد الله، ولكن هناك حاجة في نفس يعقوب، فطالما الفلاح اسمه داخل الدفتر الذي أقرب في صورته من الذي: كان يحمله "مسيحة افندي" في فيلم الحرام فلن يستطيع هذا الفلاح شراء علف لبهائمه دكان آخر، أقل سعرا ... هذا الدائن على معرفة جيدة بمواطن ضعف كل شخصية من زبائنة، وعلى علم أكثر بأماكن تواجدهم على المقهى: مساءا فكان يذهب إليهم خصيصاً أثناء فترة تواجدهم، فيطلبون له شاي بعده قهوة قبل أنا تأتي المعسلة ،التي تعقبها أخرى كل هذه الطلبات ترضية له من وجهة نظر من عليه الحق كي لا يطالبه بالدين الذي يسكن الدفتر ،الذي سمكه أكثر من عشرة سنتمتر وبحجم قرصة الشفنير، أم لون جلدته التي لا يعرف أحد ماذا كانت في الماضي البعيد أعتقد :أنه وجلدته السميكة قطعة ابلكاش سميكة يعود تاريخ هذا الدفتر العتيق العريق لفترة الحكم العثماني.
كان يفعل ذلك مع زبائنه البساط المهمشين جميعاً الفقراء المعدمين المطحونين. أما آخر زبائنه فكان الرجل هذا سعيد أيما سعادة بمعرفته فهو: أجودهم جميعاً واكثرهم كرما، كان يأتيه بعد الشاي والقهوة والمعسل: بسفن أب وأحيانا بكحك بملبن وعجوة إذا شعر الرجل بالجوع ، استمر هذا الوضع فترة دون أن يدفع الزبون لصاحب الدكان جنيها واحدا، ولم يطالبه أيضاً صاحب طالما أن القهوة تأتي بعد الشاي مباشرةً والمعسلة مع كل منهما ثم فترة قصيرة يكون: السفن اب في فمه وبعدها بقليل الكحك أبو ملبن وعجوة...ثم أخرج الذي عليه الدين من جيب الصديرى قلم كوبية من حقبة تاريخية قديمة يبدو أنه من عصر المماليك، ونوتة بحجم كف الرضيع، وقال لصاحب الدين: الآن ننتهي من الحساب وجمع له حساب: كل ما تناوله من شاي وقهوة وسفن وكحك بملبن وعجوة على مدار الأيام السابقة، قبل أن يقول له إحنا كده خالصين ، بما تناولته أنت مقابل علف البهائم وعليه كحكة من عندي ، ثم قطع ورقة النوتة التي بها الحساب، وتركها في جيب جلباب صاحب الدكان، و أردف بعد إذنك يا عم الحاج تأمر بحاجة أصل ورايا مشوار ...

رماد قصة قصيرة سمير عبد العزيز- مصر العربية



 رماد

قصة قصيرة
سمير عبد العزيز- مصر العربية

تقلبت فى فراشها فى محاولة للنوم ..عبثا تحاول فرأسها يكاد ينفجر من كثرة التساؤلات والحيرة ..أضاءت الأباجورة الموضوعة على سطح الكوميدينو ...قالت فى ضيق ممزوج بالبكاء وهي تخبط بيدها على الفراش : ما الذنب الذى أقترفته لكى تجرحنى وتتزوج بأخرى ؟ اليوم حلا بعينك غيري بعدما قضمت شبابى وعمرى أيها الخائن ...غادرت الفراش وهى ترتجف .. أضاءت الغرفة...فتحت خزانة الملابس وأفرغتها أرضا ثم أفرغت الأدراج وبعثرت محتوياتها زفرت غاضبة وجثت على ركبيتها اصطدمت يدها بألبوم صورها ..فتحته ..مرت بيدها على صورتها وهى بفستان الزفاف ..شعرت بالأختناق يمتلكها .....زاد بكاؤها وشهيقها وهى تنظر لصورها معه...مزقتها وهى تصرخ بهستيريا: خائن ..خائن..ثم أحضرت مقصا ومزقت ملابسه بقسوة وهى تتخيله بداخلها .

اللحظات الأخيرة... زينب محمد علي - مصر


 اللحظات الأخيرة...

طافت كل أركان غرفتها، لم تجد مفرًا من الهرب، لقد ضاقت عليها الجدران، ولم يعد هناك مهرب، تساءلت لماذا؟ لماذا بقيت هكذا عاجزة ووحيدة، فاقدة ومفقودة، فاقدة لكل اللحظات السعيدة ومفقودة من جدول إحصاء الأحياء، نظرت للباب، ظنت أنه سيدق ويدخل منه ولد لها أو ابنة، لكن هيهات لا أحد يطرق مقابر الموتى.
غطت في سبات عميق وعلى خديها الدموع تنساب، وفي الصباح الباكر انتظرها الجميع أن تصحو كعادتها لكنها لم تصحُ، كأن لم يكن هناك حياة، دخلت عليها مشرفة الدار عندما تغيبت ولاحظت غيابها، هزتها لكنها لم تقم، تفحصت النبض فوجدته ضعيفًا للغاية، نادت الطبيبة التي أكدت أنها في حالة من اللا وعي _ غيبوبة مفاجئة_.
صرفت لها الطبيبة دواء ومحاليل، وبقيت المشرفة جوارها يومين متتاليين، استعادت خلالهما صحتها تدريجيًا وبدأت تستفيق، ما إن استفاقت هتفت باسم أولادها، رق قلب المشرفة لحالها، ونادت أبناءها الذين لم يلبوا الطلب، لكنها كانت كمن يشعر أنهم لن يأتوا إليها فكتبت هي لهم بمعاونة المشرفة التي كتبت كل ما أملته عليها كلمة كلمة وحرف حرف.
"إليكم أبنائي... لطالما قلت أبنائي رغم نفوركم مني، لطالما أحببتكم وفضلتكم على نفسي، وها هي نتيجة أفعالي لقد استحققت ذلك حقـا، لأنني وأنا أعلمكم الآداب العامة نسيت أن أعلمكم بر الوالدين، لطالما زرعت فيكم بذرة الأنانية دون أن أشعر، لم أعتقد يومًا أنني بتفضيلكم على نفسي ستأخذون ذلك حقًا مشروعًا لكم، وها أنا اليوم في دار المسنين وحدي، ترافقني غريبة تشفق عليّ وتعطف عليّ بينما أبنائي ينبذونني، أحببت أن أكتب إليكم وأقول أن الحياة قصيرة... قصيرة للغاية، هذا الجاه الذي تتنعمون به اليوم غدًا سيغدو سرابًا ويكون مآلكم لما آلت إليه نفسي، فقط تذكروا أن تعلموا أبناءكم بر الوالدين ربما يكون نصيبكم من البر أكبر من نصيبي فيأتون إليكم يومًا في الأسبوع، بالمناسبة لقد انتظرتكم طوال الأسبوع كل يوم أقول ستأتون هذا اليوم لكن لا أحد يأتي".
تسلم ابنها الجواب وسالت دموعه على خديه وهو يقرأ، ورحلت العجوز لتبقى اللحظات الأخيرة في حياتها مجرد تأملات بين الباب والنافذة وجدران دار المسنين.
زينب محمد علي
مصر

المنصوري قصة قصيرة مجدي شعيشع الكويت فى : 2022/06/04


 المنصوري

قصة قصيرة
2022/06/03
—————————
ميت حديد قرية هادئة، لم تكن مؤهلة حتى اليوم لمنع غدر اللصوص، اللصوص جراد يأتون على الأخضر واليابس، لص الدراكسة كان عصابة وحده، يستحيل محاصرته، تدفعه قوة مفرطة، سمعته مرتقة بشظايا أفعاله، غَضَبه كُفر، وابتسامته تَوَعُد، يتجول فى الشوارع دون حساب، يركب بغلاً -يعلو الحمار قليلاً- وبينهما تشابه كبير، يمطر الرعب أينما حل، ويقاسم الفلاح زرعه ومواشيه إن وُجِد، ومن يبدي اعتراضاً أو حتى عدم الرضا، فلن تسلم ثمرات كده وجهده، ولن ينال مما يمتلك شيئاً، حتى حياته تصبح مهددة بالهلاك إن وقف حائلاً دون أحلام الشيطان، الفلاح يزرع ويحصد، والمحظوظ من يستطيع إطعام أبنائه قبل أن يستولى عليها لص الدراكسة، الحِداد لاينقطع فى داره، فلم يعش له طفل، سخطت زوجته على الحياة معه، وكلما مات لها طفل، جددت العهد، وحَرَّمَت على نفسها طعام السُحت الذي يجلبه لها بالعار، وفَضّلت عليه صدقات الجيران، تنتظر يوم الخلاص منه، فالسوط وسيلة خضوعها لبعض الوقت، فلم تنسى يوماً ابتزازه لوالدها حتى تزوجها، ليلة زفافها على ابن عمها، بعد زواجها بأيام مات والدها حزناً على قدرها، وكل يوم لا يتوقف عن نهش الأمن من القلوب نهش الفئران لحقل ذُره، فالحقول لا أبواب ولا أسوار لها.
سقطت الشمس فى جوف الغروب، تلملم ثوبها الباستيلي الشاحب، يتدلى معها آخر خيوط النهار، قبل أن يدركها الظلام الجاثم على صدر الغروب، خلف نخيل "أرض الكَوَاينة"، على الحدود بين أراضي ميت حديد وميت الخولي، المكان الخصب الذي ترتع فيه الحكايات.
يتبختر لص الدراكسة خلف سور حديقة جدي محمود المنصوري، يتفحصه قبل أن تتوه معالمه فى جوف العتمة، فالأسوار أبواب اللصوص.
فيلا جدي محمود المنصوري، لم تطلها يد لص الدراكسة قبل اليوم، فلبيوت الكرماء مهابة، يستحيل اختراقها.
جدي محمود المنصوري، تشع الطيبة والكرم من روحه، فتطيب الحياة من حوله، فى الصبح موظف بوزارة الري، وبعد العصر نلتف حوله، مرات يحفظنا كتاب الله، ومرات يحكي لنا قصص البطولات، ومرات يرسم بعود حطب حلبة مصارعة على الأرض، ويقوم بتوجيهنا داخلها حتى لا يصاب منا أحد، لا يخلو جيبه من قطع الحلوى، يطعمنا بها، ليستحث بها الأمل الراكد في النفوس فنواصل حفظ القرآن، أو ننشط لسماع الحكايات، ويكافئ بها المنتصر، حتى من يهزم يجبره ببعضها، تولد النخوة فى بساتين الكرام.
استيقظ جدي المنصوري، كما اعتاد لصلاة الفجر، نزل فى حديقته خلف الفيلا، حديقة لا ينبح الكلاب على أسوارها، تتناسل بين أشجارها القطط، وهي وطن يهجر اليه المحتاجين وأسراب الطيور، لا يستعين بمصباح، فهو يعلم أين الثمار التي طابت على أغصانها، المغسولة بالندى، يستطيع تمييز أدق الأشياء فى الظلام. قوته فولاذية، تختبيء خلف طيبته، ولديه ذاكرة فى الأنساب لا يجهلها أحد، البوابة بدون مِزلاج، لا توصد أبداً، ككل بيوت الكرماء، تحرسها أشجار المانجو العتيقة، والنخيل السامق، الذي يطعم القرية دون حساب، رأى شبحاً ملثماً يتسلل للداخل، بجرأة مريبة، عرفه رغم الظلام المعجون بالضباب.
دَلَف خلفه بحذر، يقتلع قلبه على أولاده، عادل ومحمد وصلاح ونبيل، فهم زرعه الذي يعيش من أجله، وقبل أن يتوغل اللص إلى غرفتهم.
انقض عليه من الخلف -فى لمح البصر- انقضاض الصقر على ضبع شارد، اعتصره بين يديده، اعتصار حبة قمح بين شقي الرحى، يمطره بلكمات فى انحاء وجهه، يقابلها اللص بآلة حادة، يستخدمها فى السطو إن لزم الأمر، لكمات الشرف صارعت طعنات الغدر، استبسل فأسقط السلاح يده، غرِقا فى بركة من الدماء، استغاثاته العاقرة لم تلد مُخَلِصاً يبقيه على الحياة، ويظل رهين الحسرات، على حافة الاحتضار، تشهق روحه فتكتم استغاثاته، يستمطر اللكمات مدوية تغلقت كل المنافذ فى وجهه، صفعات كالمجاديف على صدغ القارب،
تسقط كالسيل، تهلك فى طريقها كل السدود، ليستقر على وجهه، تُهَشِمُه.
تكَوَّمَ الأطفال فى ركن بعيد غير آمن، تحتضنهم أمهم، الاستغاثات عالية، مخيفه، مزقت ستائر الليل المختبئة خلف النوافذ، اتجهت مخالب أسود القرية تجاه الاستغاثة، وجاء دور أجدادنا، عبده أبو إسماعيل، حسن الخولي، صابر أبو مصطفى، …….
الشيخ قاسم يؤذن للفجر سريعاً، وتبعه عدة مرات "الصلاة فى حديقة المنصوري".
امتلأت الفيلا والحديقة بالرجال يتبعهم الخفر، خلصوه من يديه، تخليص الثوب من سِلك شائك، وما أن تبينوا أنه لص الدراكسة، حتى انهال عليه كل من طاله غدره، سحلوه فى شوارع القرية.
الصُبحُ يتنفس وأنفاس لص الدراكسة تتقطع، حملوه على "عربة كارو" يجرها البغل الذي كان يَركبه، يزفه الأطفال يطوفون به شوارع القرية وسط فرحة تعانقها التهاني وتباركها الزغاريد، يستبدلون الحسرة التي فجعت قلوبهم بالأمس بفرحة هلاكه.
وخرجنا من القرية طفنا بجثمانه المُضرج بالدماء كالعجل المذبوح شوارع المركز، حتى قريته الدراكسة، التي سقاها ألواناً من العذاب، وقفت سيدة فى منتصف الشارع، جسدها هزيل تستجمع ما تبقى من قوتها، تبدو عليها مرارة العيش رغم جمالها الباهت، عرفنا فيما بعد أنها زوجة لص الدراكسة، انحنت على يد جدي المنصوري تقبلها.
وهتفت بصوت مكلوم، "ينصر دينك يا منصوري"، ولم تنتهِ، حتى رددنا جميعاً "ينصر دينك يامنصوري"
———————-
مجدي شعيشع
الكويت فى : 2022/06/04

مشاركات الأعضاء

تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر

  تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر أهذي كلابٌ أمْ جرادٌ منتشرْ أمْ عسكر متنكِّرون من التترْ ؟ لا تع...

المشاركات الشائعة