Translate

الجمعة، 22 يوليو 2022

السوق ............... يونس بن الربيب - المغرب


 السوق

يونس بن الربيب، 

المغرب

دخلت الى سوق ممتلئ عن آخره بالناس، و كأنه يوم الحشر، لقد كان مزدحما أكثر من اللازم، و كانت هناك روائح السمك الميت و المتعفن تنبعت بين الفينة و الاخرى من جميع الاتجاهات، و كانت حيوانات الحمير و البغال و الخيل مربوطة قرب جدران البراريك* المتراكبة، تستريح هناك من تعب جر عرباتها طوال اليوم، كانت الحيوانات تهش الذباب و تتغدى على بقايا الخضر و الفواكه الفاسدة، تمضغها و تجترها بلذة و إشتهاء عجيب، و طيور مالك الحزين المتسخة، فقدت لونها الأبيض الثلجي و صار لها لونا يميل الى الرمادي، كانت جالسة على حاويات القمامة الممتلئة عن آخرها وسط السوق، تأكل هي ايضا و تتفرج على الناس، و تطير كلما اقترب منها طفل يلعب هناك يحمل مقلاعا في يده يقنصها به،قد خرج لتو من جحر براكة، و أحيانا أخرى لا تبالي الطيور بوجود احد، لقد إعتادت هذا وتأقلمت مع الوضع الفوضوي، ورأيت رجلا شبه عاري يهمهم كلاما غير مفهوم و يأكل بطيخة من القمامة كما تفعل الطيور، كانت حاويات القمامة قد فاضت جوانبها و إمتد فياضانها ليعانق السوق و الرجال و النساء و الأطفال و الخيل والحمير و البغال، و رأيت الفتيات الجميلات اللائي كن قد تزين و مشطن شعرهن و ظفرناه و لمعناه، و كحلن عيونهن، كن في أبهى حللهن، و خرجن مع اهلهن لتغيير روتين الجلوس في البيت، و شم الهواء، كان الباعة يزعقون بجمل متكررة لجدب المشترين، كانو يتصببون عرقا و قد تطاير لعابهم في السماء، و انعكس ضوء الزوال الذهبي على ملامحهم و بدت مختلفة و أكثر حدة، و كان الناس يتأففون من بعضهم لانهم جاؤو الى السوق، و لمحت عيني رجلا يضع يده في جيب رجل اخر، و رأيت ناسا مبتهجون، ولم ادري سر سعادتهم، و اخرون مقطبون جبينهم، و مشيت وسطهم الى ان خرجت بشق الانفس، و التقيت رجلا يسأل عن الساعة و هل أدن العصر؟ و اجبته بالله اعلم، و رد علي لابد انه ادن فالشمس اقتربت من مغيبها، و سألني مرة اخرى، هل لا يزال الانسان على طهارة ان داست رجله على روتة بغل؟ و اجبته مرة اخرى بالله اعلم، و نظرت الى ملامحه فكانت تشبه تماما ملامح الرجل الذي وضع يده في جيب رجل أخر، و أدبر يمشي، ومشيت و رأيت فعلا ان شيئا ملتصقا بنعله، و انصرفت غير مباليا الى أن خرجت في شارع رئيسي، و جدت باعة أخرون يهرولون ويجرون عرباتهم نحو السوق، فسألت رجلا يتفرج: ما بال هؤلاء الباعة؟ فقال: انظر خلفهم، فنظرت فعلا و وجدت رجالا بألبسة رسمية و قبعات خضراء يحملون بأيديهم هراوات سوداء، و مضيت أمشي و أمشي و رأسي يطن بأصوات الباعة و ذاكرتي ممتلئة بوجوه الناس و الصخب و الأسماك و الحاويات و البراريك و البؤس و كل ما شاهدته بداك السوق العجيب حتى ظننت اني في يوم الحشر، أو في نومة بعد العصر، لكن كان ذلك حقيقي و واقعي، واقعي جدا جدا.
*أكواخ صغيرة مبنية بالطوب و مسقفة بالقصدير.
يونس بن الربيب، المغرب

خياران لا ثالث لهما .............. مهدي الجابري - العراق


 خياران لا ثالث لهما
مهدي الجابري 
 العراق

أعصر جبهتي بالسبابة والإبهام ، علّ هذا الصداع يتوقف، حجم الأمانة كبير على كاهلي ،والتيقظ المستمر مطلوب مني،في كافة الأحوال .
أختار نقطة بعيدة عن حاجز التفتيش ، أطلق تنهيدة حارة من صدري ، لا تغفل عيناي عما يقوم به زملائي من تفتيش،
أسمع صوت جدال، لا وقت لراحة رأسي إذا، خاصة بما وصلني من اخبارية سرية أن سيارة ستعبر وفيها ما يثير الشكوك،.
صوت امرأة يصدح وهي تتأفف وتلوم وتشكو المرض، تقول: التأخير ليس من صالحنا، أوعز بركن العجلة جانبا وتفتيشها بدقة، صرخت المرأة: أهكذا تعامل النساء بعمر امك؟ اوعز لتفتيش المرأة تفتيش دقيق من قبل نساء أُعدن لهذا الغرض، أشير لشرطة ( k.n ) لفحص العجلة والأشخاص.
- سيدي لقد ثبتت أن العجلة ومن فيها تحمل موادا ممنوعة مخدرة.
تتقدم المفتشة لتخبرني بأن المرأة التي تدعي أنها مريضة مدججة بكمية مخدرة من الكرستال
- قيدوهم وأكملوا محاضرهم بعد ذلك أرسِلوهم إلى المحاكم المختصة.
قلت هذا بكل ثقة وراحة بال، وغاب الصداع حتى نسيته، استدعيت جميع التعليمات المبلغة إلى نقطة التفتيش والأوامر.. حتى الفتاوى الدينية لم أخل بأي منها! وكان صوت المسؤول يطرق ذاكرتي بل ضميري: عليك بهم أولادنا يضيعون وهم يثرون على حساب دمنا ،
- سيدي اتصال عبر اللاسلكي .
قلت لنفسي لا شك بأن الأخبار تجاوزت الحاجز للأعلى
دخلت مركبات مسلحة طوقت نقطة التفتيش، نزل المسؤول وحُراسه، أمر بإحضار جميع الموجودين شكرهم و أبلغهم بالأوامر والحرص في الواجب الموكل إليهم.. حذرهم من الحرب الجديدة وهي المخدرات وخاصة منها الكرستال التي فتكت بالبلد: كونوا حريصين اهتموا بواجباتكم.
كنت أتابعه بكل اعتزاز فما أنجزناه مهم جدا لدرجة أنه استقدمه إلينا.
أومأ لي بحركة من رأسه للإجتماع معه بمفرده. تقدمت منه بكل فخر، أنتظر منه الثناء لكن وجهه لم يك ليبشر بهذا فقد كان مرتبكا وحادا جدا :
- قدمت من مكان حساس، ومهم أبلغك إن ماتقوم به خطير جدا؟ هذه الكميات الكبيرة مدعومة من شخصيات مهمة! عليك أن تلقي القبض على من يحمل كمية قليلة هذا لا يتبعه أحد ... سنحضر لك تقارير إعلامية وتغطية كاملة لإنجازاتك وسوف تذاع في نشرات الأخبار، تمنح مكافآت المادية ...سيفهم كل من يتابعنا أننا لا نقصر بواجباتنا ...
عاد الصداع إلى رأسي أسندته براحتي ، يوخزني صدى قادم من بئر عميق ، مازالت شفتاه تتحركان والرؤية ضبابية ... يهزني من كتفي ويتابع بحزم:
... أما هذه الكميات الكبيرة لا تقرب منها وغض الطرف عنها. أنت الآن أمام خيارين لا ثالث لهما إما إلغاء المحاضر التي كتبت أو ... أو رأسك ؟
مهدي الجابري .. العراق

صحوة رفيق ............... جمال حسين عبيد - الإمارات


 صحوة رفيق 

جمال حسين عبيد
الإمارات

رفيقي (عمر) منذ الصغر، يقاربني سنا، و يشاركني فكرا، و كنا على مقعد الدراسة معا. ولا أنسى زيارتي له و نحن في الصف الثالث الابتدائي عند رؤيته يبكي ودموعه السخية تنساب على خديه وكان يتمتم بشفتيه .. أبي أبي يا (عادل)، لم أعد أراه، ولم يعد يسمعني مهما ناديته (بابا). وقتها لم يكن لدي سوى دموعي التي سالت هي الأخرى. تعاطفت معه كثيرا، حتى إنني لم أعد أخالفه في معظم الأحيان، وباتت الأيام تطوي عمرنا جهرا وسرا.

وها نحن في الخامسة عشر من العمر، إنه عمر الزهور وخطر البكور. رفيقي أصبح من عشاق الليل والسهر، والليل يحتاج إلى رفيق يتقن السهر وكنت أنا الأحسن لعمر. جلساتنا الطويلة جمالها يكمن في قرفصة على الرصيف؛ يشدنا الحديث فيطول لديه السرد ويحلو له نسج البطولات وبث الأحلام، و أنا بدوري على ضوء القمر أشاركه أحيانا بابتسامة خاطفة وأخرى بضحكة ساخرة ولم يخف عني لون وجهه الأصفر ورقة جسمه النحيل وشكواه الدائمة من وجع في رأسه. لذلك كانت عاطفتي وحسي له بأنه الرفيق اليتيم المحتاج إلى يد العون.
كم طال لقاؤنا على ناصية الطريق والنعاس يغالبنا وعمر يسامرنا ويقول خذ يا عادل .. جرب اشرب تذوق كأسا صغيرا ... اترعه إنه لذيذ، يروح عن النفس ويسعدها. لم أكن أصدق ما أسمعه.. غير أنني بدأت ألين ... وعاطفتي كرست مشاعرها لتتآلف مع عمر و لتشاركه ولو بشيء قليل.
لا بأس يا صديقي .. سأجرب .. فالحكم على الشيء لا يتم الا بالتجربة، و من حضر السوق باع و اشترى.
أه ... لذيذ ما تناولتُ، وألذ منه أننا معا دائما ........... لكن إلى أين ؟؟؟
كأس أخذني لعالم آخر لا أستطيع وصفه، رباه ... رباه ... مازلت في مقتبل العمر، لماذا لا أرى إلا الظلام ؟! و لا أنام إلا بين الركام، وعيناي شاخصتان تلامس الأحزان و تداعب الأوهام ... رباه هل أنا من ... ؟ أم هو ...؟ سؤال يراودني و لا أدرك الصواب.
صوت من بعيد أيقظ ضميري و نبه وجداني، إنه ... الله أكبر .... الله أكبر .. حي على الصلاة ... حي على الفلاح....
ثارت وتحركت المشاعر وتنبه الضمير وبات العقل يحكم كالأمير ... يا (عمر) كف عن السهر.... واحذر السمر... فيد الخالق أبدعت القدر.
الشيطان وسواس حتى القبر، فاجعل الصبر يزيل القهر.. وعد لرب العباد والبشر ... نقيا، صافيا، عفيفا كالبدر....... و قل: ربي سامح البشر.
جمال حسين عبيد
الأمارات

على الصراط ..............سمية جمعة - سورية


 على الصراط

سمية جمعة 

سورية
على نحو ما كان ثمة إحساس أنّ هناك جريمة غير معلنة، إذ كيف لآخر أن يهتبل حاجتنا إلى مستتب تلوذ به الروح، حين تلّص منا اللب والمشاعر؟
ترى هل تنجح الأوردة في تحالفها مع القلب والوتين، في فض الاشتباك، وفي تفكيك التماهي بالآخر،ليعود للنبض انتظامه و للشرايين هسيس الدماء، وللقلب أمارات السيادة على الجسد المستلب؟!
ها هي العينان تجوسان المكان في وله، فيما يعلو همسٌ مبهم، ويخفت متساوقًا مع ارتفاع الصدر المحتدم، وانخفاضه، أغنية مشبوبة تصدح لتعود بالمخيلة ثانية إلى حضن الزمن الجميل، عبر الجدران كان صداها يتردد، يغطي على وجيب القلب، فيما كانت أصابعها الدقيقة تمزق آخر ورقة في دفتر الأمس، و أصفر شاحب يغمرها بشروده الأعجف، بينما تتوشح النهايات بأحمر قان، فقط إذ ذاك أخذت حروفٌ تترى أمام عينيها، حروف كادت من فرط صغرها أن تمحى!
الموعد يدنو حثيثا إذن،وها هي ارتعاشة النبض ولازمة التردد تتابع، وخاتمة فصول الدهشة..إنها على موعد مع الحياة.
الكون بامتداده الشاسع منهمك في تفاصيل تلك الشرارة، ثم إن السماء ذاتها، السماء الكلية القدرة وصانعة أقدار البشر قد تعلن تمردها وتمطر!
ولكن كيف أذهلها الزمن عن نفسها؟ و أسلمها لسطوة التخمين، فأمست كل لحظة لحساب الموعد مجازفة، وكل خطوة باتجاهه فخّا، وسجنتها الأسئلة في قفص الحيرة غب أن تقهقرت سحب الحب، فراحت تقدم قدمًا و تؤخر أخرى، لوهلة نأى خوفها أو أشهر إخفاقه على رؤوس الأشهاد، حتى أنها اختلست إليه أكثر من نظرة، بيد أن الزمن في سياقه المنكسر ظلّ محتكما للتشقق!
ظلّت الأحاسيس والأفكار المحتدمة في تناقضها تتداخل.
كانت ذاكرة الأمس تنزف ارتطامها، تناور،وترجئ، ليتسطر السؤال- من ثم - جليا:
ترى هل يحق لها أن توثق هذه اللحظة المسكونة بعمق اللهفة و تضارب الآراء حول مصداقيتها؟!
وما بين إقدام و إحجام تسارعت خطواتها للوصول، لكنها سرعان ما تسمرّت في مكانها، يعتسفها شد وجذب، ومن الخلف كان ثمة حبل سري يشدها إليه، ليمنعها من الوصول إلا إنها وصلت، فابتدرها بالكلام:
تأخرت عن زمنك بزمن، أنا أحصي حقبًا انتظرتك فيها، لقد ضيّعت الكثير من الكلمات التي كنت قد رتبتها في حمّى انتطارك!
تجاهلت يده الممدودة، للمصافحة لا تدري أم للعناق، كل شيء كان قابلًا للتأويل، للاستعارة، او للمجاز!
إلا عينيه اللتين كانتا شديدتي الوضوح في تعبيراتهما.. هرعت إلى سجف اللغة لتغيثها، لكن الأخيرة تكشفّت عن عجز مريب، لا مظلة تقيها ذلك الغبار المتساقط من عينيه، ويحكم قبضته عليها!
سمية جمعة 
سورية

مقايضة البائع عبد الرسول جواد - العراق


 مقايضة البائع

عبد الرسول جواد 
العراق

صوت بائع الحلوى الذي يتراكضون على انغامه الاطفال؛ كان كثيرا ما يزعجني, صاحب المثلجات بالذات عندما كان يمر أيام الصيف وينادي على بضاعته كنت اتمنى ان ابلّ شفاهي من هذه المثلجات. وعندما أقول لأمي : يقولون أنها باردة وطعمها لذيذ يا أمي ! كانت ترد بابتسامة مرطوبة برذاذ الدموع : ليست أبرد من كوزنا يا حبيبي !!
صاح صاحب المثلجات فتسللتُ إليه وسألته: بماذا تبيع لمن ليس لديه نقود يا عم ؟
أجابني بإستغراب مزجه ببسمة أشعرتني بأمل ؛ بالأواني القديمة أيها الصغير !!
اللحيظات التي عدتُ فيها لأمي جردتُ في مخيلتي كل أواني المطبخ علّني أجد فيهن ما يسد رغبتي. كان الأمل يحدوني أن أجد بعضهن مما لا نحتاجه ... خطواتي المتسارعة أجدها أبطأ من السلحفاة , كل ما يواجهني من حاجز اقفزها بخفة مذهلة يرفعني عنها الأمل ويضعني خلفها الخيال , كل التصورات دمجتها كفلمٍ وثائقي حول مقتنياتنا من الأواني .
عندما وصلت أمي وهي بفناء الدار تعد العجينة لخبز المساء سألتها وأنا لاهث تصحب كلماتي فرحة كالمنتصر : أماه ...أماه هذا البائع لا يريد نقوداً!
ـ فأجابتني هازئة: أذن يوزع مجاناً!
ـ لا يا أمي بل بمقابل الأواني الفائضة عن الحاجة !
ــ جيد يا ولدي فلدينا هذا القدر الفخاري ـ وإن كنت احتاجه أحياناً ـ لكن خذه.
عدت للبائع ورجلاي لا يحملانني إذن سأشتري المثلجات . لكن عندما وجده فخاري رماه من يدي فأنكسر وهو يضحك قائلاً: هذا طين! أريد فافوناً او نحاسياً.
سألت ُ مكسور الخاطر : أيّ شيء غير هذا تبيعني به؟
ممكن أن ابيعك المثلجات مقابل نعليك يا صغير. وإن كانتا صغيرتين ؛قالها وهو يضحك.
عندها انزلتُ رأسي وأسدلتُ دمعتين معاتباً القدر : ماذا لو كان أبي هنا! هل سيدعني بلا مثلجات ؟ أو على الأقل ما لا يلحظه البائع ؛ أن أمشي بلا نعلين...
رجعت للبيت بعد أن جففت دموعي وأسكنت لوعتي وحاولت أن اصطنع بسمة على شفاهي .
سألتني أمي : هل المثلجات لذيذة ؟
وأنا ألمح البسمة الخفيفة البادية على وجهها أجبتها ضاحكاً وأنا أقفز وأهرول حتى تظن اني صادق معها : ماء كوزنا ابرد يا أمي ...

غيابٌ طوعيٌّ وحضورٌ دائمٌ قصّة قصيرة عامر عودة - فلسطين


 غيابٌ طوعيٌّ وحضورٌ دائمٌ

 قصّة قصيرة

عامر عودة- فلسطين


- أنا متأكّد أَنَّ دار أبي ريّان هُم مَن أطلقوا النّار على بَيْتَيْنا.
- وهل يوجد شَكٌّ في ذلك؟
- بالطّبع لا. لكنَّ الشُّرطة لَمْ تفعل شيئًا على الرّغم من تقديم شكوى ضدّهم!
- الشّرطة غائبة عن بلدنا يا ابن العم. فكلّ يوم تقريبًا نسمع دويَّ إطلاق نار. حتى أصبح اليوم الّذي لا نسمع فيه صوتَ الرّصاص يومًا غير عادي! وقد قُتِلَ خِلال أربعة أشهر ثلاثة شبّان، دون إلقاء القبض على القتلة! هذا ناهيك عَنِ التّخريب والسّرقات والتّهديد.
هذا ما دار مِنْ حوار بين أدهم وابن عمّه زِياد في أحد مقاهي بلدتهما. وقد كانا شديدَيَّ القلق والغضب بسبب إطلاق النّار على بَيْتَيهما، نتيجةَ خلاف عائلي قديم بين عائلتهم وعائلة دار أبي ريّان.
أَشعَلَ أدهم سيجارة ونظر حوله... اقترب من زِياد بعد أنْ سَبَرَهُ وقال له بصوت خافت:
- لقد جَزُلَ الأمر. يجب ألّا نسكت. فلأوّل مرّة تُطلَقُ النّار على بيوتنا، وهذا أمرٌ خطير... سكوتنا يُتَرجَمُ إلى خوف، مِمّا يشجّعهم على إعادة اعتدائهم مَرّة أُخرى، خاصة أنَّ الشّرطة لا تقوم بواجبها لردعهم.
- وماذا سنفعل؟ ليس بأيدينا سلاح.
تساءَل زِياد بِحيْرَةِ، وسادَ الصّمت.
نظر أدهم حوله بِتَوَجّس... مال برأسه ناحية زِياد وقال بصوت خافت يشبهُ الهمس:
- بما أنَّنا لا نملك سلاحًا، فسنرجم سيّارة أبي رَيّان العربيد بالحجارة وهو في داخلها.
اِتّسعت عينا زِياد دهشةً... رَدَّ على أدهم بصوت مُتَهَدّج:
- لكنّه سيعرف وينتقم.
- اِخفض صوتك.
نَهَرَهُ أدهم . وتابَعَ:
- لَنْ يتعرف علينا أحد. سنغطّي وجهَيْنا. أمّا بالنّسبة للشّرطة فَلَنْ تلتفت إلى مثل هذهِ الحوادث. فإذا كان إطلاق الرّصاص اليوميّ وجرائم القتل المتزايدة لا يعنيها، فهل ستبحث عَن شابَّيْن رَميا سيّارة واحد مِنْ أهلِ البلد بالحجارة؟
نظر زِياد إلى عَينيّ أدهم بقلق وخوف، وساد الوجوم... ثمّ قاما مغادريْن المقهى إلى بَيْتَيْهما...
عندَ الغَسق، اختبأ ملثّمان في العِقدِ الثّاني مِنْ عمرهما داخل حرش قريب مِنَ الشّارع الرّئيسي للبلدة، يراقبانِ السّيّارات المارّة وبِيَدِ كل واحد منهما حَجر. ورغمَ الخوف الّذي كان يسيطر عليهما، إلّا أنَّ إصرارهما على الانتقام كان أقوى. وفي الوقتِ المتوَقّع، ظَهرَ الهدف... توفَّزا كجنديَيْن يحملان قنبلتيْن يدويّتيْن... إنّها سيّارة أبي ريّان... انتظرا حتّى أصبحت في أقرب نقطة منهما، وقذف كلّ واحد "قنبلته"... الحَجَر الأوّل أصابها بِدِقَّةٍ، أمّا الثّاني فقد أخطأها مصيبًا سيّارة أخرى كانت تَعبر في الاتّجاه المعاكس. وبالصّدفة كانت تلكَ السّيّارة تابعة للشّرطة. هربَ الملثّمان إلى داخلِ الحرش، ومنه عاد كلّ واحد إلى بيته.
في اللّيل حام طائرُ القلق فوق رأس زِياد، وهو يفكّر ساهمًا في كيفيّة إصابته لسيّارةِ الشّرطة بالخطأ. هاجمتْهُ الهواجس، وتسلّلت جيوشُ الأفكار السّوداوية إلى رأسه. اِعتراهُ النّدم على اشتراكه مع أدهم في عمليّتهِ النّزقة تلك. ورغم أنّه كان مطمئنًا مِنْ أنَّ الشّرطة لن تستطيعَ التّعرّف عليهما، لكن مع هذا لم يُغمض له جفن...
صُدِمَ، وَوَجَفَ قلبه خوفًا، عندما شاهد مِنْ نافذته سيّارَتيْن للشّرطة تَقِفان بِجانب بيت أدهم... بعد دقائق شاهدَه والأصْفاد بيديه يجرّه شرطيّان. دُهِشَ! كَيف استطاعتِ الشّرطةُ التّعرّف على مَن كانَ المسؤول عن رجم سيّارتها بحَجَر رغم أنّه بالخطأ، ولَمْ تستطعِ التّعرّف على مَن يَقتل مَع سبْقِ الإصرار والتَّرصُّد، أو على مَن يُطْلِقُ الرّصاص على بيوتِ النّاس يوميًّا؟! اِختلج قلبه توجّسًا وتسارعت نبضاته... أخذَ العرَق يتفَصّد مِنْ جبينه... اِنتظر أنْ يأتوا لأخذه هوَ الآخر. لكنّهم لم يفعلوا، بل رموا أدهم داخل إحدى سيّاراتهم وغادروا المكان مسرعين... وبعد قليل، وكما في كلِّ يوم تقريبًا، سُمع دويُّ إطلاق نار في البلدة!
(عامر عودة- فلسطين)

من حيث لا ينفع الندم : .........محمد جعيجع - الجزائر


 من حيث لا ينفع الندم :

محمد جعيجع 

 الجزائر

..................
كان عمي عمر رجلا يشتغل بالبناء كبناء وهو ابن الثالثة والأربعين، قويّ البنية متوسّط القامة، تعليمه محدود فقد حصل على مستوى الثالثة من التعليم الثانوي ، لكنّه حافظ لخمسة وثلاثين حزبا من القرآن الكريم بانتسابه للكتّاب التابع لجامع قريته وهو في ريعان شبابه ، تزوج من ابنة خاله فاطمة وأنجب منها أولادا وبنى بيتا من عمله عند الناس بأجرة يومية ودون انتساب إلى تأمين ولا ضمان اجتماعي يعينه في شيخوخته ...
أسرته مكوّنة من سبعة أفراد ، أربعة أولاد ذكور تخامسهم بنت وحيدة أبويها وقد توسّطتهم سنّا ، أكبرهم نبيل يدرس في السنة الثانية من التعليم الإعدادي.. تعيش الأسرة في بيت مقبول الحال كأقرانه بالقرية ؛ أسرة يعيلها عمي عمر من عمله ومن أجرة جيّدة مكّنته وعائلته من عيش كريم ووفّرت لهم كلّ ما يحتاجونه من ضروريات المعيشة ، وكان يحقق لأولاده كلّ متطلباتهم فعاشوا في سعادة إلى أن جاء ذاك اليوم المشئوم ؛ سقط عمي عمر من أعلى بناء كان يشتغل به على الأرض من ارتفاع كان كافيا ليكسر ظهره ، حمل إلى عيادة صغيرة بالقرية ثم إلى مستشفى المدينة حيث أجريت له عملية جراحية أعادته إلى الحياة وإلى الدنيا ، لكنها لم تعده كسابق عهده حركيا نشيطا...
لقد عاد يتحرك على كرسي وبلا عمل وبدون أجرة تعيله وأسرته ؛ العملية الجراحية والعلاج أتوا على الأخضر واليابس ولم يعد للأسرة ما يعينهم على اقتناء متطلباتهم كسابق حالهم ، سوى ما يأتي من المحسنين فهو بالكاد يكفي لسدّ الجوع ...
وأثناء زيارة بعض أصدقائه له ؛ طهور إن شاء الله .. بالشفاء إن شاء الله .. قدّر الله وما شاء فعل .. إنهال عمي عمر بالبكاء ولم يتمكّن من كتم أنينه ولا حبس دموعه.. وبعد أن أثنى على الله حمدا وشكرا استطرق قائلا : أتذكر يا علي الأيام التي كنت دائما تنصحني بالانتساب إلى صندوق الضمان الاجتماعي وتلحّ عليّ وأنا لم أعط لذلك أهمية وكنت أحسب أن الحال سيدوم وتناسيت أنّ "دوام الحال من المحال" و كنت أعمى أيامها ولم أر الصحّة وهي فوق رأسي ، ولم أحسب حسابا لهذا اليوم ولم أتّخذ بالأسباب ، ولم أر للدنيا سوى وجهها الحسن ولم أستمع لنصيحتك وها أنا وأنا على هذه الحال تمضغني الحسرة ويأكلني الندم ...
.................
محمد جعيجع من الجزائر 2022/07/14

سكون يسبق العاصفة ........... د.سلوى بنموسى - المغرب


 سكون يسبق العاصفة

د.سلوى بنموسى
المغرب
تتسائل في قرارة نفسها :
ماذا اذا رفضت ذلك الزواج المدبر ؛ وسيقت إليه مرغمة كما تساق الأنعام يوم العيد ؟؟ واذا تريثت.. ورفضت الصفقة بالمرة ؟؟
هل سيزج بها في سجن القبور ؟
أم سيفوتها زهرة العمر ؟
أم سيكتب عليها عبارة شقية الى يوم الدين
أم مجنونة القرن
ماذا إذا أصرت وأكملت دراستها ؟ هل ذلك سيكون نهاية العالم ؟ ولم تمادت في الانجاب بدل التوقف ؟ هل لتقول بأنها جميلة ومحبوبة عسى غرورها أن يستقر !! وروحها تتفتح حنانا وطيبة وبالتالي يزول ظلامها وسجنها ؟ تنظر للأفق البعيد قائلة : ليت الشباب يعود يوما
وتكون هناك فرصة أخرى ؛ تنير سجيتها وتمسح سوادها ؟
ولم هذا الرجل بالذات والرجال قلائل ؟
تنظر في أعماقها وقد تتهم جحودها ؛ وانكماشها على نفسها وضيق صدرها .
فلم يا ترى الإعلان عن ضرب كل المعتقدات
والبحث عن منفد للنجاة بجلدها ؟
صحيح معاملة بعلها لا بأس بها لأن الطبع يغلب التطبع . فلم تبحث عن المستحيل أما زالت لم تفطم بعد من حليب الرضاعة ؟
وتختبئ في جلباب أمها.
أليس لكل عصر زمانه وناسه ومعضلاته ؟
تمسح من جبينها عرق بدأ ينزلق نحو أنفها وفمها ..
قائلة : رباه كم الجو حار ! هل تراها ستعاثب حتى الأرصاد الجوية ؟ ولم قبلت ان تعيش في بيئة بعيدة عن جوها المحيطي الحافل بالنسمات البحرية ومنبثق بروح الحرية ؟ سجينة زوجها ..
كان الله تعالى في عونها وجعلها تستكين لأوجاعها وهمومها وضجرها
هي تريد والله تعالى
فعال لما يريد
حكمتك يا رب العالمين
ستتعايش على مضض مع واقعها واين بالله عليها الهروب مع جيش من الأولاد ؛ يرصدون حركاتها وسكناتها ومع الجلاد والقاضي أبو العيال
تنظر ..وتنظر .وتتأمل ..
وتلف الغطاء على وجهها الباهث ؛ وملامحها الحاقدة
لربما تحلم ؛ وتعاودها ذكريات طبعت قلبها وعقلها طيبة وجعلتها تحس بأنوثتها وبجمالها وبالاحترام لكينونتها كإنسان !! وليس عبدا ينفد الأوامر ؛ بطريقة آلية ومضحكة
كان الله في عونها وفي بنات جنسها ؛ اللواتي سرقت منهن جمالهن وضحكاتهن وأعمارهن .. وأحلامهن ..
فهل من منقد يا ترى !؟
د.سلوى بنموسى
المغرب

عندما تجسدت الظلال سعد محمدين مصر

 عندما تجسدت الظلال

سعد محمدين
مصر
ليس غريباً ان يقولها فهو فى كل مره كان يقول ما يجول بصدورنا و نخشى ان تتلفظ به السنتنا
وبعدها يتأهب للرحله المعتاده التى اصبحت له و لاسرته شيئاً مألوفاً
صرة الضروره معلقه على المسمار المجاور لزر النور خلف باب مدخل الشقه يأخذها بيده و يشير بيده الاخرى إلى زوجته و اولاده و هي مقبوضه
كانت غيبته تستمر ما بين الشهر او اكثر و لكن هذه المره قد طال غيابه يمضى الشهر تلو الآخر دون عودته او سماع اخبار عنه ٠
ما دلنى عليه غير صوته و بقايا صورةً له فى مخيلتى
حاولت جاهداً ان اشق صفوف الصغار و الذين التفو من حلوله بعضهم يصفق له و البعض الآخر يرميه بالحجاره وهو يعتلى بعض الادراج الحجريه
وقف شامخاً وسط الميدان الفسيح و الذى لا تُغمض جفناه من اثر دقات عقرب الثوانى و قرع نعال البشر وقالها و بأعلى صوت و عيونهم ترقبه
لكنهم هذه المره كانو غير عابئين بكلماته ووجوههم تعلوها ابتسامة من انتهت الجوله لصالحه
بدأ صوته يخبو رويداً رويداً و فى سخريه راح يضحك و يشير باصبعه فى اتجاه المبنى العتيق و نظرات حيرى تحمل شظى ينبعث من عمق عينيه كأنما يبحث عن ضالته
بعدها رفع رأسه إلى السماء صامتاً و كأنه طلب ان تنهمر دموعه لتطهر جرحاً عميقاً كان تحت مقلته
بدأ الجميع ينصرف من حوله حتى الصغار إلا ان صغيراً واحداً فارق رفاقه و رجع له اخذه من يده و حمل جعبته المليئه بالأوراق و الخرق الباليه بيده الأخرى و كأنما الجزع تسند الأوراق
شقا طريقهما وسط الزحام يمشى خطوه و يكبو أُخرى وظللت أرقبهما حتى تلاشيا
سعد محمدين
مصر

أشباه الرجال بقلم: محمد يعقوب السودان

 



أشباه الرجال
بقلم: محمد يعقوب
من السودان

بين صديق و اخر احدهما محبا مخلص صاحب ايمان ان الصداقة عهد و وفاء و اخر لا تصف الكلمات مكر نواياه
يذهبون سويا ويمرحون سويا وكأن الاول لا يعلم ان صديقه يصاحبه من اجل اخته الجميله اختار لها باب وصولآ غير سوي ...
في ليله ما اخبر المحب صديقه بأنه علي سفرآ و انة مودع متجها الي وجهته ، شيء ما اثناة علي العودة قبل إكمال الطريق
عاد و دخل دارة دون طرق الباب وجد اخته مع صديقه في حال لا يرثي عليها... تفاجاء صديقه لبس ثيابه وخرج ولم يعلق ...
بعد تلك الحادثه كره لقاء صديقه قاطعا كل روابط الاخاء بكل احترام و كأن شئ لم يحدث ..
اما الاخر يذهب الي المجالس متحدثا دون حياء من فعله وانه استطاع ان يكسر عينها و عين الاقرب له ذات يوم ...
احيانا الغفران جريمة يجب ان نحاسب عليها و الافعال تترك فينا ملامح تظهر مختلفة عن اصل معدننا ...
تساءل الناس بينهم كيف عادت الحياة و عادت صداقتهم و كيف لك ان تغفر و انت لم تشفي ! متناسيين شبح الانتقام ..
اوهم صديقة بالغفران و اعد لة كاسآ مما شرب ، اخبره ذات يوما عن فتاة و عن جمالها حتي تجسد وحيها في خيالة كيف لا و انت تعلم اماكن ضعف صديقك قبل عدوك ....
دخل عليها اولا مقترحا علية ان يكون التالي ...
كما الاتفاق تماما ادخلة عليها في غرفة امتلكها شبح الانتقام و حطام النفس ...
يجتاح ظلامها الدامس الارجاء تركه ٦٠ ثانيه فقط و كآنها العمر فرحآ منتصر ..
اضاء بعدها الغرفه وإذا بها اخته في وضع مخل و كآن الايام تعود عليك بما تفعل ، و اخيرا شرب من بئر افعالة ... لم يقاوم الايام كما فعل صديقة لم يقدر علي الصمود اختار مفارقة الحياة علي ان ينظر في وجة صديقة او اختة ...
قبلها كتب نادما علي افعالة طالبا السماح و المغفرة ...
بقلم: محمد يعقوب
من السودان
النص بعنوان "اشباه الرجال "

آنهيار السدّ ............... بسمة رجب - تونس

 آنهيار السدّ

بسمة رجب 

 تونس

إنّه الفجر الربيعيّ النّديّ ..وها هو النّوم يجافيني ..يحدث هذا الأمر رغما عنّي إذ أحبّ مواصلة رحلة الهروب ساعتين أخريين على الأقلّ.. في هذا الوقت الميّت أكون بخير ..بخير جداّا..
أزحت السّتارة وفتحت النّافذة .. استعذبت هذه النّسمات الباردة ..استنشقت هواء جميلا ملء روحي وعيناي مغمضتان ..احتضنت نفسي..وضعت رأسي على كتفي.. واكتفيت ..
شعرت أنّ هذه الغيوم تبتلع كلّ شيء والكون في حالة ولادة ..
وهذا الضّوء الذي بدأ ينتشر يزعجني ..وشعرت أنّ هناك من يستمع إلي ..
هل أنا المجنون!؟
كانت تصفني بالمجنون..هي التي جعلتني أحبّ أن أكون مجنونا ..هي لم تعد موجودة ، لكنّها عشّشت بداخلي وكلّ طاقاتي وخيالاتي معها ..وَيْلَ نفسي من وحشة الرّوح!؟
أشعر أنّي الغريب مذ فقدتها ..لا أفهم إلى الآن كيف حصل الأمر !؟ عقلي يؤنّبني « لقد خذلتك !؟لم تنتظر اكتمال التًحقيق لتثبت براءتك … أنت سجين سياسيّ .. أنت صوت حرّ في زمن الخوف ..أنت مثقّف شجاع..هل كان كثيرا عليها آنتظارك خمس سنوات !؟ انس أمرها لأنّها فكّرت في نفسها وقبلت أوّل عرض زواج ..!!مثلها مثل غيرها ..لقد آختارت أقرب الطّرق إلى الأمان …".
أمّا قلبي فعالق في فجوة آلتماس العذر لها ، بلغني أنّها سعت للتّواصل معي ،لكنّها فشلت في ذلك لأنّ حبيبها بقي سنتين كاملتين لا أحد يعرف عنه شيئا ، في الأثناء ضغطت عائلتها بكلّ قوّة وأصرّت على تزويجها..بلغني أنّها هربت إلى عائلتي وآحتمت بهم. لكنّ والديّ عملا بما يقتضيه العرف الآجتماعي ّ والأصول وأعاداها إلى أهلها معزّزة مكرّمة على دموع أمّي وزفرات أبي ….
طويل زمن هذا الفجر!!كأنّ نسائمه تخبر عن زخّات مطر عائدة..كان الرّذاذمتقطّعا طول اللًيل موسيقاه أبهجتني حتّى آستغرقت في النّوم ..
أريد أن أصرخ وأخبر الدّنيا أنّني الجسد بلا روح ..
أنً اللّيل بداخلي طويل !! ..أنّ رسوماتي النّاجحة هي ترجمان وجعي …أنّي لا اتلذّذ أيّة تكريمات ….
رفعت رأسي عن كتفي وقد وخزني ألم حادّ..آلمتني رجلي …أقف على رجل واحدة كلّ هذا الهذيان ولم اثبّت الأخرى الخشبيّة..كان خبرا قاسيّا ذلك الذي تلقّيته في المستشفى تحت حراسة مشدّدة .. أخبرني أحدهم بوجه بارد مثل لوحة معدنيّة أن درجة التعفّن كبيرة وقد مسّت العظام ..تحدّث عن تسوّس مسّ قدمي …
تعقّدت حالتي في دهاليزهم المهينة ..كنت معتقلا سياسيّا نكّلوا به تعذيبا حتى فقد الإحساس بالألم ..كنّا نُلقى مثل الجيفة ننزف من كلّ فتحة حُلْم…أكداس من نداءات الحريّة والعدالة والدّيموقراطيّة …
تتعفّن الجراح وتتقرًح وتصدر روائح كريهة …
العلاج الوحيد هو الصًبر وقوّة التحمّل وغسلها بماء وملح نتكبّد عناء في الحصول عليه …أصبت بالسكّري في الأثناء ، لم اتفطّن إلى أنّ عدوّا آخر ،لا يقل ّ بشاعة عنهم ،قد آخترق حصوني ونخر عظامي…
أنا كومة ذكريات حزينة ….
قال ذلك الطّبيب أن البتر ضروري لحماية بقيّة رجلي ،فقدمي لم تعد صالحة لتحملني ..أخبرني عن أمر السكّري .لم أشعر حينئذ بأيّ شيء…فقط أردت أن أموت في تلك اللّحظة …
وإلرّغبة نفسها تزداد إلحاحا كلّ صدمة جديدة ..هل أكثر إفلاسا من رؤية تلك الشّعارات المقدّسة …شعارات حرّيّة الشّعب وحقّه في الحكم و….أراها مطيّة سهلة للجبناء الأمس يتسلّقون بها أعلى المراتب ويدوسون على النّاس..خونة لصوص..إنّهم فقاقيع الرّبيع العربي …ربيعهم هم ورياح السّموم لي ولشعبي ……
بسمة رجب من تونس

الفطرة الضائعة بقلم / حبيبة نقوب الجزائر


 الفطرة الضائعة

بقلم /  حبيبة نقوب
الجزائر
صرخ أحدهم من أمّي أنا؟ هل أمّي التي ولدتني ؟ هل يكفي ذلك لتكون أمّا حنونة مربية وراعية؟ لقد حيرتني معنى هذه الآية " إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ " آية 2 سورة المجادلة ، ماذا أقول ؟ لم أجد التعبير السليم لإيصال فكرتي ليس لصعوبة تفكيري و لا لقلة تعبيري ولا خانتني الكلمات... لكن عجز اللسان عن التعبير من الشيء غير المعقول، عجزتُ أن أطعن في الفطرة، عجزت عن الخروج عن المنطق... هل ضاعت الفطرة مع الإنسانية؟ هل غاب الضمير؟ أم تاهت النفس في الهوى اللئيم ؟
لم أتعلّم من مدرسة التعليم، لكن علمتني مدرسة الحياة، أنّه ليس كل أمّ أنجبت تعتبر أماّ.
فقد نجد صفات الأمّ الحقيقية التي لم تنجب من صلبها، قد نجد صفات الأمّ الحقيقية في الجدة، أو في العمّة أو في الخالة أو في مربيات الأطفال أو...
لكن لم أجدها بذاتي في أمّي التي ولدتني ، ربما تتسألون لماذا أقول هذا، ربما تقول هذا الشخص عاقا لأمّه، ربما، تتهموني بالجنون، أو تتهموني بالتيهان و ربما و ربما ...لكن لما تعرفوا حقيقتي و عمري سوف تصنفوني في الخانة المناسبة لما كتبت، أو ربما سأثير شفقتكم و أجلب مشاعركم النبيلة، أو استضعف عطفكم في لحظة التيه؟ فقد يبكي أحدكم و يتألم و يستغرب في نفس الوقت، أنا متأكد لوكنت أمامكم لأخذتموني بالأحضان، أو لتمنيتم أن أكون ولدكم و لو بالتبني... سوف تتسألون و تتحيرون حتما ماذا أخفي وراء آلامي و أحزاني و آهاتي ؟ ماذا حدث لي؟ من أكون؟ أذلك الطفل الساذج أم ذلك الطفل الذكي ؟ أم ذلك التائه في دجى السديم؟ أم ذلك الغارق في البحر المهيّج تحركه أمواج البحر مدا وجزرا؟ أم ذلك الطير الذي يسبح في الهواء و هو فاقد اتجاهه، يا ترى إلى أين يستقر؟ أيستقر نحو اليمين أم نحو الشمال ؟ .
من يرشدني ؟ من ينقذني ؟ من يخرجني من المتاهة ؟ أليس لكل متاهة بداية ونهاية؟ لكن غابتا عني كلاهما، لأنني فجأة وجدت نفسي في وسطها ؟ لا أعلم كيف وصلت إلى هنا؟ أم وضعوني هناك دون درايتي؟ أم أنني من ضحايا القدر، أم جئت عن سوء اختيار وتقدير؟ أم جئت من حيث لا أعلم؟ أم لنزوة من أحدهم ؟ و يا ليتني ما جئت نهائيا؟
إلى حد الآن الكثير منكم يتساءل مرات عديدة ما سرُّ تدمير نفسيتك لهذا الحد ؟ ؟
سأخبركم الآن من البداية، لكن بعد ما تسمعوا حكايتي وطريقة معيشتي، فأنا ذلك الشخص المتذبذب الحال شارد الفكر أحيانا أجد نفسي أعيش مع أمّي وأحيانا تدفعوني غصبا عني لأعيش مع أبي، إنّ صح التعبير ترمي بي كالكرة وسط الملعب فأجد نفسي في كل مرّة محملا بحوائجي وحقيبة ملابسي ومحفظة مدرستي التي تزن أكثر من وزني مرميا أمام محل أبي لبيع المواد الغذائية، أحيانا أبقى أنتظر بالساعات... متى يأتي أبي؟ أبعد ساعة أو ساعتين؟ أو في نهاية اليوم؟ أو قد لا يأتي في ذلك اليوم نهائيا، أبقى أتخبط في ظل الانتظار غير المعهود، و هل أستطيع أن أعيش معه؟ رغم أنني أدرك جيدا أنه عاجز عن إعالتي، لذا أرغب أن أعيش البعد المحتوم والوحشة لأعيش مع الفطرة و لو أنني أشعر إن مشاعرها ضاعت مع ملهياتها، متى أعود مرّة أخرى؟...
و ما تلبث أن تمرّ بضعة أيام حتى أجد أمّي ( ؟ ) تأخذني من جديد دون سابق انذار مهددة إيّايَّ بأن لا أرجع أبدا للعيش مع أبي (؟) و تتكرر هذه الحادثة مرارا و تكرارا ... ترمى بي ثم تأخذني بنفس السناريو " اذهب عند أبيك لا أريد ان تعيش معي هو من يتحمل مسؤوليتك". ماذا أقول فطبيعتها النرجسية هكذا منذ عرفتها...
و كأن طبيعتها تعود من جديد تهمس في وجدانها متناسية مسؤوليتها اتجاه أبنائها تبحث عن راحتها متناسية فلذة أكبادها منشغلة بحياتها تتنقل من مكان إلى مكان و من ولاية إلى ولاية همّها الوحيد إرضاء نفسها وتلبية رغباتها، أي فطرة هذه؟ أي أم هذه ؟ أي مربية هذه؟ أي مسؤولة هذه ؟ أليس من المفروض من يعبد هوى نفسه و يعبد عمله و يعبد الدرهم والدينار لا يستحق أن يكون أمّا .
أتوجد أمّا تعامل ابنها بهذا السلوكيات؟ أليس لها قلب حنون؟ أم ليس لها عقل راجح؟ أم طغى عليها حبّ الذات وسيطرت الأنا لديها؟ كما يقول المثل أعيش أنا ولتغرقوا في الطوفان... فالقلوب التي تخون مودّتها أحيانا فالموت أرحم لها بلا رجعان...
أعرفتم الآن من أنا ؟
فكيف لا تتدمّر نفسيتي؟ و يتشتت فكري ؟و كيف لا يختل عقلي؟ أو يعقل أتمكن من استيعاب معلوماتي و أتحسن في دراستي ؟
كيف أشعر براحة البال اطمئنان النفس في ظل هذه الحياة المضطربة ؟ أيعقل أمّ حاجات تلعب بعواطف فلدة كبدها من أجل تلبية عواطفها تجاه الجنس الآخر ؟
كيف طوعت لها نفسها أن تدوس شعور الأمومة التي تتمناها كل أنثى؟ كيف لا يؤنبها ضميرها أم دفنته في السديم ؟ أم رمته في بحري لجئ ؟ أم غاصت في ملذات الحياة والترف اللئيم؟ أم ماذا حدث؟ لم أجد جوابا لسؤالي مهما فكرت و خمنت ؟ لكن كما تقول جدتي الطبع يا ولدي يغلب التطبع، فكل إناء بما فيه ينضح ، والخطأ ليس من الآن ولكن الخطأ على من انتسب اسمي له، للأسف لم يستخير ولم يستشير ولم يتعلم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم: " اختاروا أخوال أبنائكم " فكنت الضحية وبقية اخوتي، بعد طلب أمّي الطلاق، أتعلمون من أنا؟ أنا طفل عمري عشر سنوات أعرفتموني الآن من أكون؟ كيف تصنفوني الآن يا ترى؟
العبرة
مستقبل الولد من صُنع أمّه
عقوق الأمّ لابنها من أكبر الظلم في الحياة

مشاركات الأعضاء

لوحات فنية بريشة الفنانة/ إيما تومانيان

 

المشاركات الشائعة