Translate

الثلاثاء، 11 يناير 2022

(جولَةٌ في غُرفةِ المفقودة) خالد الرقب _الأردن

(جولَةٌ في غُرفةِ المفقودة)
بحذرٍ شديد يتوجهُ فريقُ العملِ نحوَ مكانِ تصويرِ المشهَدبالكادِ فُتِحَ الباب، الغُرفةُ ظلامها دامس، يتسلّلُ إليها شُعاعٌ خافتٌ من نّافذةٍ موصَدة على متنِها قطةٌ لم تصحُ منذُ سنوات عجاف و قفصٌ خالٍ من القوتِ و الماء كانَ قبرًا لعصفوريّن بعدَ أنْ كانَ ملاذًا لهُما سابِقًا
تعلو هذهِ النافذة التي توقفت بها الحياة طبقةٌ من الغبارِ الكَثيف و تقعُ إلى الزاوية اليُسرى من السّريرِ الذي ترتَمي عندَ وسادَتهِ المّمزقة بعضٌ من الدّمى، تنظرُ إلى ملامحها المُخاطَة فترى فمَها مُقوّسٌ للأسفل و العيونُ تحدّقُ بشكلٍ يجعلُكَ تشفقُ عليها، وجّهوا الكاميرا إلى وسطِ السرير فوجدوا دُميةً مبتورةُ اليَد ، حدثَت هذهِ الواقعة التي شغلت الوالديْن، عندما كانت تتشاجرُ المُتوفاة مع أختها و أرادت أنْ تنتقمَ منها فقصّت يدَ الدّمية المفضلة لديها بتربصٍ و هربت على أطرافِ أصابعِ قدميها الصغيرتيْن ، شعرُها مسدولٌ على جسدِها المحشوّ بالقُطن ينعى من كانَ يسرّحه، تشعرُ لوهلة أنّ هذهِ القماشة المحشوّة تبكي و تتحسّر و تشتاقْ! و كأنها روحٌ بشرية، و عينيها المثبتينِ بزرينِ ملوّنين يستولي عليهما الكِدّ و الذبول!
إنّ القصة القصيرة التي رواها سكّانُ السرير ذي السلّم المكسور كفيلة بصُنع حفلةَ بكاءٍ لدى الجمهور المُتابع لهذا الفيلم الذي شهدَ إقبالًا على عكس غيرهِ من المشاهِد.
لا علينا فقصصٌ أخرى مبهمةٌ ستوضحها الكاميرا بعدَ لحظةٍ من الآن.
تحرّكَت النّافذة قليلًا و أصدرت صوتًا إثرَ ريحٍ خفيفة داعبَت زجاجهُ المهشّم،كانت هذا الصوت، السيمفونية الحزينة للحلَقة.
توجّهنا إلى المكتب أو بقايا المكتب إن صحّ التعبير، فوجدنا أوراقٌ متناثرةٌ بالأرجاء و كتبٌ مفتوحةٌ على مصرَعِيها و رواياتٌ أوقفَ أحداثها فواصلٌ مُتآكلة.
كوبٌ من الشايٌ صنعَ العنكبوتُ لهُ شبكةً في جوفه و بسكويتٌ مُحلى لم يبقَ منه غيرَ فتات، أقلامٌ انتهى حبرُها و ساعةٌ من الرملِ تسربَ كلّ رملِها إلى القاع، و صورةٌ مكسورةُ الإطار، و كمانٌ مقطّعُ الأوتار و قرصُ الموسيقى الكلاسيكية توقفَ عن العمل، و هاتفٌ مهجور، أزرارهُ بكماء و سمّاعتهُ صمّاء، دفترٌ من الذكرى لم يُفتَحْ مُذ فارقَت مدوّنتهُ الحياة حتى أنّ قِفلهُ موصَد و مِفتاحهُ مخبأٌ في مكانٍ مجهول،علبةُ مناكيرٍ جافّة و مزهريّاتٌ ذاتَ أزهارٍ ذابلة .....
بجانبِ هذا المكتبِ الميّت تقبعُ خزانةٌ آيلةٌ للسقوط فارغةٌ لا تحتوي على شيء غيرَ خربشاتٍ منمّقة بريئة و لوحاتٍ صغيرة و صورٍ معتقة علّقت على أبوابِها - يُقالُ أنّ الأم انتشلت قطعة من ملابسها الصغيرة على عُجالة حتى تحتفظَ بشيءٍ من عطرِ ابنتها-.
أُغلقَت الخزانة بأسًى و إلى جانبها درّاجةٌ غطّاها الغُبار، مستندَةً إلى الحائط بحُزن، هي نفسها الدراجة التي تركبُها الفتاةُ في هذهِ الصورة
- وُجهت الكاميرا إلى الحائط المرقّع ببضعةِ صور عتيقة وقتئذٍ-
لكن الموتَ انتشلَ رفيقةَ الدراجة بلا سابقِ إنذار
السقفُ يا سادَة تخضبهُ الرّطوبة و المكانُ بكلّ تفاصيلِه بائس، تكادُ تشعرُ أنّ هذهِ جِنازة و جميعُ الأشياء بالغُرفةِ أقامت الحداد حتى اللحظة و ربما بل حتمًا للأبد.
و عندما أجروا مقابلة مع والدةِ الطفلة كانت بحالة يُرثى لها فقالت بصوتٍ وُلِدَ من رحمِ الدّموعِ :
- في كلّ ليلة أسمعُ نُواحًا مصدرهُ هذا المكان
فكانَ هذا جوابَ سؤالِ الحلَقة
(هل تحزنُ الأشياء على صاحبها حين يموت؟)
قالَ الحضورُ بصوتٍ موحدٍ ذي نبرةٍ حادّة تعزفُ أشجانًا:
نعم نعم، فكراسيّ السينما لم تعد تريدنا أيضًا
أسدلَ الستار و غادرَ الجميع كلٌ يكفكفُ دموعه.
خالد الرقب _الأردن

 

ق.ق حرمان نزيرة فواز الشوفي/ سورية


 ق.ق

حرمان
في تلك الليلة الغافية على وجع،استيقظ الأب على صراخ مؤلم،
لم يعرف ماذا سيفعل؟!
هوالاب والأم لأسرته وتلك الابنة تتأوه وجعا،اسرع بهاالى المستشفى القريب،تسبق خطواته عجلات السيارة،أنها وحيدته التي تركتها الأقدارله،وأخ صغير،وصل لباب الإسعاف وهويصرخ ساعدوني ، احضروا الطبيب، جاءالطبيب مسرعا،
وعمل الأسعافات الأولية لتلك الفتاة، التي لم تصمت ألما، وطلب الفحوصات والتحاليل، هدأت قليل بعد أخذت المسكن،لتصحى على وجع أكبر جهزوا غرفة العمليات، سنقوم بأزالة ليف من الرحم ،جعلها تنزف،وكانت صدمتها كبيرة،طمأنها الأطباء ربع ساعة وينتهي كل شيء،
دخلت تلك الفتاة والخوف يعتلي وجهها ووالدها،أملا بالخروج بخير،انتظر وانتظر وعقارب الساعة كانها متوقفة،وبعد ساعة ونصف ،تخرج الممرضة لتقل الحمدلله على سلامتها،هنا حمدالاب الله وشكره، لتخرج بعد قليل الفتاة بعدأن بدأت تستيقظ،أتى الطبيب الجراح ليقل الحمدلله لقد عالجنا الوضع قبل إنتشاره،واستأصلنا الرحم،
وهنا صمت الجميع والأوصال ترهلت، إلا صوتها الذي ملىء المشفى، نسيت ألمها ،وجعها،نسيت كل شيء،وأكلها الألم والآه لتضمد جرحها ،النازف كل العمر.
نزيرة فواز الشوفي/سورية

ق.ق العودة الحزينة بقلم :مسعودة مصباح

 




ق.ق العودة الحزينة
بقلم :مسعودة مصباح
دقَ جرس الباب، ذهبت مهرولة كأنها كانت تنتظر أحدهم، اهلا وسهلا، مرحبا ،تقول والدتها : من القادم ياسمسن؟ إنه خالي يا أمي، كان شيئ وقع أرضا، الصوت جاء من المطبخ ،ترحب ياسمين بحالها و تدعوه أن يتفضل بالدخول إلى قاعة الجلوس، تذهب الى المطبخ مسرعة ،امي لقد جاء خالي تنظر هنا و هناك تجد كمية كبيرة من الحليب مرمية على الأرض، ما هذا يا أم و تلتفت ياسمين تجد والدتها غارقة في البكاء، استغربت !ثم قالت :ما بك يا امي هل أنت فرحة او غاضبة لأن خالي جاء لزيارتنا بعد مدة طويلة من الغربة و الغياب ،؟ تنظر إليها والدتها ثم ترد عليها : نعم يا حبيبتي لذلك أنا أبكي لم أتمالك نفسي من شدة الفرح ،فاجهشتُ بالبكاء .
تمسح الدموع من عينيها و ترتب هندامِها و تذهب مسرعة لكي ترحب بأخيها قبل ذلك طلبت من ابنتها ان تحظر القهوة و الحلوة و تحضرها إلى قاعة الجلوس،
تنظر في وجه اخيها و هو يبتسم لها و يحدق بوجهها، لم تتغيري يا اختي كما تركتكِ مازلت تشعين جمالا يا اختي الحبيبة و انت يا اخي كبرت و أصبحت رجلا ههلاً لما كل هذا الإعتراب و هذا البعد ؟ ألم تشتاق إلى اهلك و اختك الوحيدة؟ ألم تحن إلى وطنك ؟ يطئطئ رأسه كأنه يفكر او اخذه التيه ،ثم يقول: لقد تغربت غصبا عني و تعبت و اخذت مني الغربة نا اخذت ؟! شبابي و أحلامي و حتى المرأة التي احببت و تزوجت بها و أصبح لي طفل منها ...تقوم الأخت من مكانها يشدها الفرح، هل تزوجت؟ و هل أنجبت طفلا ؟يا سعادتي
الحمد لله، ثم تستطردُ في كلامها، ماذا قلت ؟ اخذت الغربة منك زوجتك هل ماتت؟
ينزل من عينه الدمع ثم يقول : نعم لقد تزوجت قبل عامين و كان عندي طفل اسمه " يحى" لكن القدر اخذه مني و امه معا! بسبب حادث مرور .
لا حول ولا قوة الا بالله تقول الأخت في حسرة، قدر الله ما شاء فعل " يعوضك الله في القريب ان شاء الله .جاءت ياسمين بصينية القهوة و الحزن بادي على وجهها لقد سمعت ما دار من حوار بين والدتها و خالها.
لقد كبرت ياسمين، يقول لها خالها ، تبتسم في خجل و تردُ عليه نعم يا خالي هذا العام اجتاز شهادة البكالوريا ان شاء الله،
نعم يا اخي السنين تمرٌ بسرعة و الحمد لله عل عودتك ،ان شاء الله سيعوضك الله خيرا، يتناول الجميع القهوة و الحلوة و السرور يملأ محياهم رغم الخير الحزين.

أم مرسي يكتبها : محمد فيض خالد




 أم مرسي

يكتبها : محمد فيض خالد
في تبجّحٍ أُنثوي مُستَفِزّ،تقَشعرّ مِنهُ جُلود الذين يخشون العيّبَ ، تَفجّ" أم مرسي" حشود الرِّجال المُتَراصّة فوقَ الدِّكك ، تباغِت أسماعهم بصوتٍ يُجلّجل، تُلوِّحُ بخرقةٍ اصطبغت بوهجِ الدّم القاني، تُبعثِّر النَّظرات باشّة ،تقولُ بعَفويةِ الخَبير:" وشوبش يا حبايب "، تستثير حُمرَة القماشة الجَمع الذي أصابته رِعدة الخَجل ، اجبرت البخيل و المُعثِر فيهم ؛ لأن يبقرَ جيبه ، يَنتَزِع القرشَ من أذنيهِ في ارتياعٍ تنفطِر لهولهِ القلوب ، لمقدمها تَضطربُ مفاصل النّساء ، تمرّر والدة العروس يدها فوقَ رأسها ، وكأنّ الشّيطان يلقي في أذنيها ، عاقدة اللِّسان مبهورة الأنفاس إلى أن يحلَّ المساء ، تُبرِز " أم مرسي" مَحرَمتها ، لحظتئذٍ تَستردّ الوجوه الشّاحِبة ابتسامة تُخالِط نَضارتها ، صَغيرا تَسللُت لغُرفةٍ امتلأت بالإناثِ تقَدّمَ فتى أخضر العود على جَبينهِ نفحات النُّور، تتأرجح كسَفينةٍ في بحيرةٍ تهوي بها الرِّيحُ، اطلقت عروسه لرؤياه صَرخةً ملتاعة ، جاهدت لتفكّ قيودها بعد إذّ نَشبت بها أيدي النّسوة في ضَجعةِ الذّبيحة ، جَالَ صاحبنا ببَصرهِ مَفزوعا ، وجَبينه ينضَحُ بحَباتِ عَرقٍ كما البلور ، يتلاحق صوت لُهاثهِ وقد غامت الدُّنيا أمامه ، يُطَالِع فريسته التي غشيتها سكينةَ المُستَسلِّم، اطلقت " أم مرسي " شخرةً مخيفة ، برّقت في اهتياجٍ ؛ فبدت كوحشٍ مفترس ، فكّت حصار يدها من حَولِ خصرها ، عَاجَلتهُ بلطمةٍ خَلخَلت أسنانه ،صاحت مُوبِّخة:" خشّ عليها يا مره يا خِرع" ، رويدًا سرى تيار الآمال المُنعِش في أوصالهِ ، ليندَفِعَ كمَا الثّور ، مُتحرّرا من خَجلهِ، امسَكَ بالخرقةِ البيضاء مُنتزِعا من فتاتهِ أعزّ ما تملك أنثى ، امتلأ الفَضاء بالزغاريِد وأهازيج الشّرف ، مشى العَريسُ مُستَطِيلا، يُخرِجُ للدُّنيا لسَانهُ بعد إذّ حَاوَلت إِذلالهُ ، تمسك بالمحرمةِ يتناثر دمها الحَار ، لتبدأ بذوي العروس الذين شُدّت شواربهم في شموخٍ ، بعدما جاهدوا تحَتَ غاشيةِ الأماني ، تقول بنات القرية عنها في امتعاضٍ :" هذه المرأة قاسية ، لا تُميّز بينَ اللّحمِ والحَجرِ ، لا تعرف إلّا الدّم"، تسبقها سمعة مشرطها الذي لا يُخطئ هدفه ، فمشاعر القلق التي تسبق حضورها الدّامي ، عالقة في أذهانِ البنات ،وهي تتحسّس بينَ الأفخاذِ، من خَالطَ هذا الغول عن قربٍ يَشفع له، تقول عن نفسها وهي تمَسح يدها في طَرفِ جِلبابها ، يَتموّج دُخان سيجارتها على وجهٍ نحتَ الزّمانُ مسالكه :" وهو فيه حد فينا بيختار قدره ، جينا كدا وهنطلع كدا"، انقطعت فترة عن المجئ ، هبطت القرية " غزلان" الدّاية ، أتى بها " جلال " الخفير نكايةً فيها ، حَمَلَ " فوزي" بائع الفخار ذَاتَ صَباحٍ نبأ الوفاة ، مرّ كحدثٍ تافه :" لقد وجدوا أم مرسي مذبوحة في بيتها ، قتلها عاطلٌ وسَرَقَ مالها "، لم تتوقف الحَياةُ لمصرعها ، لكنّ زفارة الدّم المسفوح خبت هنيهة من قريتنا ، ريثما يُؤذن لها .
***^^^^
محمد فيض خالد
مصر / المنيا


قصة مكانه ليس هنا عبد الرزاق مربح /الجزائر


  قصة 

مكانه ليس هنا 

في المستشفى كانت ترقد أم أنيس، أنيس لا يعلم بالأمر، فهو في بلاد الغربة، ركض طويلا وراء إحدى الشقراوات حتى ظفر بها ونال إقامة دائمة هناك،،

لطالما كان يقول لأمه بأن مكانه ليس هنا، فهنا لا يعرفون قيمته، أما هناك فيعرفون قيمته الحقيقية ويقدرون عقله الذي لا ينضب بالأفكار.
سمع أنيس نداء الهاتف، علم بأن أحدهم يطلبه على عجل في المستشفى، الأمر طارئ حتما، يترك كل شيء ويلبي النداء من فوره.
يقود سيارته وهو يحدث نفسه، يناجي الرب، يا رب أنقذها، يا رب كن في عونها حتى تقوم بالسلامة والعافية، يا رب لا تحرمني منها، يا رب إن أخذتها مني فمن لي غيرها في هذه الحياة، يا رب ضحت بكل شيء من أجلي فاحفظها
لي، أحبها،أحبها...يبكي مثل طفل صغير، يشهق بقوة وتسيل دموعه حتى تبلل مقود السيارة،،
وصل أخيرا إلى المستشفى، قلبه يخفق بشدة، أين هي؟ أين هي؟...وجدها أخيرا، تبسم قلبه وانشرح صدره عندما علم أنها بخير، ناتالي..عزيزتي هل أنت بخير؟ إفرحي معي أصبح لدينا بيبي، هل تعلمين ماذا يعني بيبي؟!
في مكان آخر وفي الضفة الأخرى من العالم، لا تزال أم أنيس ترقد وحيدة في المستشفى، بلا أنيس يودعها في رحلتها إلى السماء، يقال بأنها قد زارت المستشفى مرتين فقط في حياتها، مرة عندما أنجبت أنيس، ومرة أخرى عندما زفت إلى السماء بلباسها الأبيض، كان لباسا ناصع البياض.. عبد الرزاق مربح /الجزائر

سائق القطار قصة قصيرة 4\1\2022 كتبها: عبده داود سورية

 




سائق القطار
قصة قصيرة 4\1\2022
تعودت الزوجة أن تقل زوجها سائق القطار إلى محطة القطارات كل صباح، وتذهب إلى عملها، وتعود في المساء، إلى المحطة تنتظر عودة زوجها، حتى تقله إلى المنزل...
القطار يصل دائما على الوقت تماماً.
يأخذ الزوج حماما ساخنا، ثم يجلس هو وزوجته إلى طاولة العشاء...
حياتهما مستقرة، يعيشان بحب وسلام، متفانيان في اسعاد أحدهما الآخر...
هذان الحبيبان متزوجان منذ خمس سنوات...في عيد زواجهما الأخير، رتبت الزوجة طاولة الطعام، زينتها بالشموع، ووزعت الورد في المنزل، وادارت ألحانا موسيقية رومانسية، أضافت على البيت زهوا وسحرا وجمالا...
قدم الزوج لزوجته هدية بمناسبة عيد زواجهما، إسواره من ذهب...فرحت الزوجة كثيرا بالهدية وتشكرت زوجها على لطفه وحسن اختياره...
وقالت: وأنا أحضرت لك هدية، لاحظت عندما كنا في السوق، إنك حدقت طويلاً إلى سترة معلقة، وعرفت إنك احببتها وقررت أن أهديك إياها...
قال الزوج: صحيح، هي رائعة، لكنها غالية الثمن جدا...
قالت الزوجة: فليكن، ولمن نوفر المال يا حبيبي؟
قل لمن؟
وتساقطت دموعها وأجهشت بالبكاء...
الزوج يعرف سبب بكاء زوجته المتكرر، هي تتمنى أن يمنحهما الله ولدا يسعد حياتهما...لكن الطبيب قطع عليهما هذا الرجاء، وقال للأسف زوجك عقيم لا ينجب.
بكت الزوجة بكاء مرا، ولم تفلح كلمات الحب في التخفيف من ألمها...
أخيرا قال الزوج: أرجوك أن تسامحيني، سأطلب منك أمرا يبدو مستحيلاً، لكن أرجوك اقبليه:
أنت تعرفين كم أحبك، أنت حياتي كلها، لكن من الأفضل لكلانا أن ننفصل عن بعضنا البعض ونحن حبيبين، ونبقى صديقين أخين، ربما تتزوجين برجل آخر، يستطيع منحك ذرية تسعدك... رجل يحقق لك، الذي لا أستطيع أنا أن أمنحك إياه...
قالت الزوجة: لماذا تريد أن تحطمني أكثر مما أنا محطمة...أنت حبيبي، وأنت روحي، وأنت حياتي... أنا من دونك أموت موتا حقيقيا...
قال الزوج، إذن لا بد من طريقة ما، مثلاً نتبنى طفلا، طفل انابيب، أو زرع، أو أي طريقة تختارين...
قالت الزوجة ولا بأي طريقة بالدنيا، الله لو أراد أن يهبنا ذرية لوهبنا، لكن مشيئته ألا يعطينا. وعلينا الاذعان لإرادته، وقبول أحكامه...
بعد أيام، جاءت الزوجة كالعادة إلى محطة القطار تنتظر زوجها كي تقله للمنزل...
تأخر القطار كثيراً، وهو عادة لا يتأخر ابدا، خافت الزوجة واخذت تصلي أن يصل القطار بأمان...
أخيرا، وصل القطار. لكن الزوج لم يصل، واخذت الزوجة تتساءل أين زوجي؟...
جاء معاون زوجها في قيادة القطار، وقال هذه الرسالة كتبها زوجك لك، ثم قفز من القطار، وقال سلامي إلى حبيبتي...
أنا أوقفت القطار، نزلت، ونزل عدد من الركاب نبحث عن زوجك لكننا فشلنا، وكان لا بد لنا من متابعة الرحلة، لأن قطارا آخر كان قادما خلفنا، يستخدم ذات الخط...
قالت الرسالة: قررت أن أنهي حياتي، وأنهي عذابك معي، أتمنى لك زوجاً آخر يستطيع أن يمنحك ما عجزت أنا أن أمنحك إياه...
انهارت الزوجة وسقطت مغمى عليها، وعندما استفاقت، وجدت نفسها بمكان غريب عرفت إنها في مستشفى...
ذهبت الزوجة إلى قسم الشرطة وطلبت منهم إيجاد زوجها حيا أو ميتا...
عجزت الشرطة عن إيجاد الزوج، وفقدت كلاب الشرطة أثر الرجل عند شاطئ النهر القريب من الخط الحديدي، فساد الاعتقاد بأن الرجل مات غرقا كونه مصابا نتيجة القفز من القطار...
اسدلت الزوجة ستائر بيتها، وستائر قلبها، ولم تعد الشمس تدخل دارها، فأظلمت حياتها...ولبست ثوب الحزن الدائم...
استمرت الزوجة في الوظيفة، واستمرت بالذهاب إلى محطة القطارات كل مساء، تبكي هناك وتنتظر عودة زوجها الغائب، عساه يعود يوما وهو يقود القطار...
بعد زمن، زميلات المرأة الحزينة في العمل اصروا أن يأخذوها معهم في رحلة إلى الجبل، حتى يخففوا من أحزان زميلتهم...
بالفعل، جمال الثلج الذي يغطي الجبال، و يزين شجر السرو لوحات من الجمال رسمها الخالق...
بعض زملاء الرحلة، كانوا يتمتعون بالتزحلق من قمة الجبل إلى الوادي...يصعدون بالتلفريك إلى القمة، ويتزحلقون مستخدمين زحافات وعصي خاصة بالتزحلق من قمة الجبل إلى أسفل الوادي...
صعدت الزوجة مع زميلاتها بالتلفريك، كانت تبتسم لكنها حزينة مجروحة الفؤاد، لأن زوجها ليس معها، هي لم تغادر بيتها يوماً بعد غياب زوجها...
في مقهى الجبل حدثت المفاجأة التي هزت المكان، زوجها المفقود، سائق القطار، هو النادل يخدم الزبائن في المقهى...
أصيبت الزوجة بصدمة وسقطت ارضا، حملها زوجها إلى غرفته، وأخذ يرش عليها الماء حتى استفاقت، وعندما استعادت وعيها بالكامل، صفعت زوجها صفعة ردد جبل الثلج صداها... ثم أغرقته بالقبل...وكانت تتلمس وجهه بيديها غير مصدقة، واصابتها ضحكات مجنونة ودموع،
عاد الحبيبان للمنزل مقتنعين بمشيئة الله، وعادت الشمس تشرق من جديد...
كتبها: عبده داود
سورية

امتداد بقلم : محمد البوركي - المغرب



 امتداد

ألم به الداء الخبيث ، أقعده الفراش ، يئس الأطباء من شفائه ، ها هو ينتظر حلول الأجل بين الفينة و الأخرى . زوجته ترابط بجواره ، تواسيه و تضمد روحه المكلومة ، لا تطيق فراقه و لو للحظة . في تلك الليلة الممطرة استبد به الألم ، بات يتلوى و يئن ، و ما لبث أن راح في غيبوبة عميقة .
كانت تتأمل وجهه الضامر الشاحب ، عيناه غائرتان منطفئتان ، جبهته ناتئة ، لقد شاخ دفعة واحدة قبل الأوان . تدفقت الدموع غزيرة من مقلتيها لم تقو على كبحها ، سرحت بذهنها بعيدا تقلب شريط ذكرياتهما :
أعوام الكد و المثابرة بكلية العلوم تكللت باحتفالهما بالتخرج ، هاهما يصطفان إلى جانب زملائهما فوق المنصة يشع وجهاهما بوميض آلات التصوير و الكاميرات ، ينتشيان بلذة النجاح و دفء مشاعر الأهل و الأحباب . لم تتوقف الفرحة هنا ، بل تضاعفت عند تعيينهما معا في مؤسسة تعليمية واحدة . عزمهما على لم الشمل ، أجواء العرس البهيجة : عالم وردي مخملي، ها هي ذي ترفل في فستان الزفاف الأبيض الناصع ، يعلو هامتها تاج مرصع بالجواهر الكريمة ، تختال ضاحكة فوق "العمارية"، والنسوة يرددن:
" الصلاة والسلام على رسول الله، لاجاه إلا جاه سيدي محمد ،الله مع الجاه العالي ". الزغاريد تطرز بهجة العرس، وشذا العطور فواح .
ثم فجأة حدث ما لم يكن بالحسبان إذ انقلبت حياتهما رأسا على عقب إثر النبإ المشؤوم : استشراء سرطان القولون الذي لم يكشف عنه إلا بعد فوات الأوان ، حصص العلاج الإشعاعي و الكيماوي المرهقة ، ليالي السهاد الطويلة...
قاومت بشراسة الإحباط المتربص بها ، لم تترك له فرصة افتراسها .
كانت حاملا في شهرها الأخير، داهمها المخاض ، تجمدت في مكانها ، نادت أمها ، ساعدتها على التمدد ، غطتها بملاءة خفيفة ، توجعت بحرقة ، ما هي إلا ثوان معدودة حتى سمع بكاء المولود ، كان ذكرا .
في تلك الأثناء استعاد الأب وعيه ، مال برأسه ناحية ابنه ، نظر إليه مليا ، ابتسامة ساحرة ارتسمت على محياه النحيل ، و نظر إلى زوجته نظرة دافئة حانية ، تحسست يديه الباردتين ، شعرت بخوف رهيب ، افترت شفتاها عن ابتسامة شاحبة ، ثم فجأة أرسل شهقة حارة ، و فاضت روحه الطاهرة .
صرخت صرخة مكتومة ، و امتقع لون وجهها ، حافظت على رباطة جأشها دونما جزع و لا فزع . و ضعت رضيعها جانبا و انحنت على الجثمان و طبعت قبلة طويلة على جبينه . نهضت بصعوبة بالغة ، لا وقت للنواح ، شمرت عن ساعديها و باشرت بنفسها مراسيم الجنازة . بقلم : محمد البوركي - المغرب .

زمهرير عباس المفرجي

 زمهرير

احساسي بالبرد هذا اليوم عالي جداً، أكثر من الأسبوع الفائت، لذا قررت أن أصبح معارضاً لهذا النظام القطبي المقيت الذي بدأ يجثم على صدري الدليع رصعته، وأوشم صبغته الحمراء على أنفي
وأنا أستغيث في القصاص البيت، معانياً منه تصطك أكتافي برعشة الخوف من بطش ثلوجه القمعية وأساليبه الأنجمادية ، طالبت دعائم الأمم الشمسية ،
بجولة تفقدية في مكابح الفجر وعلى مضارب الليل لكي ينصتوا جيداً على طقطقة عظامي أمام رفاة الحطب ويميزوا بينهما .

عباس المفرجي.

السبت، 8 يناير 2022

"إفاقة" .......... علي يحيي _مصر





 "إفاقة"

أفاق من سباته العميق لم يكن ليري أحدا ولم يجد له ظلا ولم يقتفي أثر طيرٍ او خطو حيوان، داعبته أحلام الثراء ولم في الفقر يمكث طيلة عمره وكيف السبيل إلي سبل الحياة المنعمة ..وإذا به يري طائرا قد قض حبال أفكاره وأخذ ينشد حزنا ولكن هذا الآدمي ضرب عنه صفحا حتي أعمل ذلك الطير الحزن في قلبه حتي لانت قناة الآدمي له وأسترعي أذنيه له حتي سمعه يدفن رأسه في أرضه باكيا ينظر لأعلي شاكيا وهكذا دواليك..ثم طار وهكذا عودٌ علي بدءًِ...تدبر الآدمي فعلة الطير ثم أراح جسده....
وتذكر وطنه فتحلز قلبه حزنا وكيف انه أسيرا رازحا تحت نير الاستعمار ..وانه اصبح لقمة سائغة لمحتل قديم ، فأنفض عنه غبار الأحلام المتسكعة وزيف المستقبل الوردي وأستيقظ علي حاضره الكبدي.. تذكر أجداده ومسري النبي فتقطعت نياط قلبه فأخذ يقلب كفيه فلم يجد ما يخبو بهم خزيه الا خطين علي كل كفً تقابلا ان هنا رب له من الاسماء ماتدعوه بها فشمر عن ساعديه ليبدأ الجهاد ؛ ألا وهو جهاد النفس.
✒علي يحيي _مصر

طفولة مبتورة!......................صابر المعارج




 طفولة مبتورة!

هوت كفه الغليظة على وجهي الصغير، تطاير من عيني شرر! كتمت نشيج صراخي مرعوبا فإن نبست ببنت شفة لتوالت صفعاته كالمطر.
......
سابقتْ الريحَ خطاي! قاصدا اياه، لا احد سواه ابي.
لايمكنني الجزم فيما اذا كنت اروم ادخال السرور على قلبه، لاسيما وقد انهكه المرض وخارت قواه.
ام كنت ابغي التشفي وايقاد جذوة تأنيب ضميره؛ جراء ماارتكبه في حقي من جور؟!
فلقد بتر طفولتي ووسمها حرمانا وشقاءً!
في ذلك اليوم الفارق في حياتي، قبض على معصمي النحيل بقسوة، سحبني بفضاضة قطع بي مسافات طويلات موحشات! قضى نصفهن متمتما بشائم مبهمات تراءى لي ان جزءا لايستهان به منهن في قدح امي، واجزاء اخريات في لعن القدر! ساقني عنوة حيث عمله الشاق في قرية نائية...
! صحت
:-أبي..أبي نجحت، هذه وثيقة تخرجي!
كان ممددا على ظهره، وجهه بلون التراب مشوب، ساقاه ضامرتان تبدوان كلوحين تحت ثيابه.
أومأ لي بعينين غائرتين ان
:-اقترب
استجمع كل ميراث قوته الغاربة، عانى كثيرا وهو يرفع كفه الذاوية، ليلامس جبيني...
انثال من كفه شلال حنان، غمر روحي دفأ وسلاما، وعلى شفتيه المتيبستين ظل ابتسامة خافتة، واستسلم لنوم ابدي..
صابر المعارج

تجارة رخيصة .......... حسن الموسوي/ العراق

 

تجارة رخيصة
...................
تصفحت في وجوه الحاضرين و كأنها تستجدي العطف ، لعنت حظها العاثر الذي جعل منها مرافقة لفنانة مسرحية كبيرة ، احتواها الحسد
لم لاتاخذ فرصتها كي تكون فنانة مشهورة ؟ خصوصا وانها تمتلك كل مقومات النجاح حسب رأيها ،
اخرجت مرآتها من حقيبتها واخذت تتطلع في وجهها .
- أنا اجمل من تلك الفنانة المغرورة قالت في سرها كذلك انا أصغر منها بكثير
خلف كواليس المسرح ، بدأت تبحث عن مخرج المسرحية ، وما أن لمحته من بعيد حتى هرولت باتجاهه كي تكون امامه ، فتحت الزر العلوي لقميصها
وبحركة مقصودة اصطدمت به كي تثير اهتمامه
تناثرت الاوراق من يديها
انحنى ارضا كي يساعدها في جمع الاوراق
نظر اليها مليا ، سحره جمالها ، لم يستطع ان يمنع نفسه من النظر الى صدرها المكتنز
ابتسم وسألها
- من أنت
وماذا تفعلين هنا ، أنت تمتلكين كل مقومات النجاح ، بأمكاني ان اجعل منك فنانة مشهورة
لم تستطع أن تخفي فرحتها وهي تستمع لمديح المخرج و ثناءه .
امسك بيدها محاولا ان يساعدها على النهوض ، لم تعترض على ذلك
- أنا من المعجبات بأعمالك المسرحية ، قالت ذلك وهي تنظر إليه
مساءا" كانت في شقة المخرج الذي لم يكن يصدق كيف تطورت الامور بهذه السرعة ، بعد ان شاركته اطراف السرير اسند اليها دورا" في المسرحية الجديدة ، ودعته بعد أن سلمها دورها مكتوبا بخط اليد
صباح اليوم التالي كانت على خشبة المسرح كي تتمرن على دورها كذلك لأظهار التحدي للفنانة التي تعمل معها ، لم تجر الامور كما ارادت فلقد بدت مضطربة و خائفة
نظرت إلى صديقتها الفنانة بارتباك وكأنها تطلب المساعدة
ابتسمت الفنانة وقالت
كان عليك أن تتطهري من ادرانك قبل ان تصعدي الى المسرح ، فدور الناسكة يتطلب امرأة تمتلك العفة والطهارة وتركتها ومضت
حسن الموسوي/ العراق

لعبة الأصول صلاح نبيل مصر


 لعبة الأصول

الأحداث تدور في رأسي مع بزوغ كل فجر، أطل علينا لآخر مرة ببطنه البارز ووجهه المفلطح مهددًا، إنه معلم اللغة العربية، ممشوق القامة بلسانه الفصيح ولكناته العجيبة، كان رافضاً لقب الأستاذ، معتزًا بمناداته بالشيخ، زعم أن الجميع لا يفقهون شيئًا سواه، ورث علوم اللغة من أوراق أثرية نادرة بمكتبة جده، لقد احتل الفرنسيون في حملتهم ديار أجداده وسلبوها بعض أصولها كأنهم موصين بها، حاول معنا جاهدًا إتقان اللغة؛ إلا أنه خاب ظنه فينا، لسنا من الهواة شيخنا ولكنا باعة متجولون للعلوم والمعارف، ما أن ننجح إلا وننس اليوم ما حفظناه أمس، أعاد على مسامعنا لفظ هوية، قومية ولفظ الأصول عدة مرات، لم نبال بالأمر حتى أذكى طالب في دفعتنا والذي وصل الوزارة لاحقاً لم يكترث، ضارباً يده بالجدار، لقد انتهت رسالتي، إذن فضعتم والزوال قريب.
وقع على الأرض ملتصقاً بها، باكياً، صاح بصوت جهوري، لن تعودوا وكررها مرارًا، لم نسمع عنه بعدها، لم نعد نهتم لأمره، ولا ندر هل انشقت الأرض وابتلعته؟، ذاع صيته مؤخرًا فجأة، لم ندر أحي أم ميت، ولكن هذا اسمه يملأ الفضائيات وشبكات الإنترنت، وسط مناداة المجمعات اللغوية العربية استرداد مخطوطاته الأثرية التي بيعت في مزاد إلكتروني لمستشرفين إنجليز باحثين عن العربية وعلومها.
صلاح نبيل
مصر

مخاض...... نجوي حسيب مصر

 مخاض......

داهمتها آلام المخاض، تحسست بطنها المتحجرة، وامسكت المنديل تجفف العرق المتصبب على جبينها .
أمسكت هاتفها بصعوبة ترن لا مٌجيب للمرة العاشرة.
سال مائها على الأرض،ترتعش قدماها ،تصرخ صرخة مدوية عالية،
اندفع جنينها خارجًا إلى الحياة مخضبًا بالدماء، سقط على الأرض لم يحرك ساكنًا،
تبعته عيناها المجهدتان، اندفعت دموعها على خديها الشاحبين، جثت على ركبتيها تلتقط الوليد،
احتضنته ودلكت صدره وظهره برفق، مازال الحبل السري مربوط بينهما،
سمعت صوت انفاسه وبكاء ضعيف،
نظرت حولها انتزعت مفرش على مائدة قريبة لفته بها، تنتظر أن يرتفع صوته معلنًا الحياة، سمعت مفتاح الباب يعلن وصول زوجها، صرخت
تناديه، اندفع نحوها.
أصابه الذهول من مشهد الدماء واحتضانها لوليدها.
في اليوم التالي كانت تجلس في سريرها تحتضن طفلها وتلتهم الطعام الذي يقدمه لها وهو يداعبها بطلتي......
نجوي حسيب
مصر

ضباب الزهرة الصالح/المغرب

 

ضباب
أمطرت بعد اشتياق!..أحب رائحة التراب المبلل والمشي تحت المطر، جبت كل الطرقات المجاورة، الجو يغريني كي أبتعد، لاحت أمامي مجموعة من الناس مكومة في دائرة أمام مركز الشرطة..وأنا أقترب، بدأت أسمع لحنا جميلا:
_ هذا اللحن سمعته من قبل، ولكن أين؟ ومتى؟!..
كانت تجلس على الطوار، سيدة تناهز الستين سنة..ملابسها الملتصقة بجسدها وشعرها الذي تكاد تعد خصلاته، توحي بأنها مكثت تحت المطر طويلا..لقد كانت تغني!.لا! بل تعدد:
_"يا ربي سبدي آش عملت أنا ووليدي!.. ربيتو بيدي وداتو بنت الرومية، ولدي أنا..."
أحفظ هذه الكلمات عن ظهر قلب..كانت نساء البادية في المواسم والأعياد يجتمعن في منزل إحداهن، فيساعدنها في التنظيف وصنع الحلوى في جو من المرح والفرح، يحكين عن أنفسهن، أزواجهن، وأبنائهن في الغربة، وفجأة تستسلم إحداهن للبكاء وكأنها تثير الأخريات فيبدأن في ترديد هذه الكلمات ويصاحبنها بالدموع...
وضعت يدي على كتفها:
_ سيدتي، احتمي من المطر، سوف تمرضين!
لم تجب ولم تحرك ساكنا.. الناس من حولها كل يتمتم بما يصوره له فكره؛ فيظهر ضابط الشرطة ويناديها..تمسك بيدي وتنظر إلي باستعطاف كي أرافقها للداخل..يسألني الشرطي من أكون، فتجيب هي:
_ قرببتي.
_ اجلسا هنا!.. ويشير إلى كرسيين خشبيين في الباحة العريضة التي تتوسط المكاتب.
أجلس بجانبها مستغربة، كيف يسمح لي بمرافقتها إلى الداخل!..أنظر إليها فأحس أنها بدأت تستجمع قواها.. تطلب مني ألا أرحل حتى ينتهي استجوابها؛ فأومئ لها بالموافقة!.
وكأنها تقرأ مايجول بخاطري، تسترسل:
- يطاردني هؤلاء الأوغاد منذ أسبوع، يتبعون خطاي أينما ذهبت، يأتون إلى بيتي دون سابق إنذار، فيبدأ العميد في الشتم والسب، بينما يقلب الضباط البيت أسفله على أعلاه وأنا أنظر خائفة مرعوبة من دون حراك..عندما لا يجدون مايبحثون عنه، يأتون بي إلى المركز، وهنا توضع نفس الأسئلة وأجيب أنا بنفس الأجوبة.
_ وماذا يريدون بالتحديد؟
_ يطرحون أسئلتهم المعتادة "من أين لك هذا؟" ويبحثون عن دليل يوصلهم إلى ابني القاطن بالخارج والمتزوج من امرأة (رومية ) أوروبية، ( تبتسم ابتسامة ساخرة) والذي لا أعرف عنه شيئا منذ أربع سنوات! حين ينتهى الاستجواب، أجر رجلي في تعب ووهن.. في الخارج أسمع همهمات العسس: "إنه إرهابي! لا بل تاجر مخدرات! أظن أن له يد في مقتل فلان..." وهكذا أعيش في كابوس لا أدري متى سينتهي؟ ولا كيف؟!
أربت على يدها، فتتنهد تنهيدة عميقة.
يسود الصمت، إلا من حركة الموظفين المتنقلين من مكتب إلى آخر.
الدقائق تمر ببطء، والجو رغم برودته يزيد اختناقا..يتضامن الخوف والبرد ليصيبا جسدها برعشة قوية..
أخيرا يظهر الضابط:
_ يمكنك الرحيل، ولا أريد أن أراك هنا ثانية (يقولها بنبرة حادة وكأنها متهمة)
تقبض على ذراعي بيدها المرتعشة وتحاول النهوض لكنها لا تستطيع..تنظر إليه بعينيها المرعوبتين، وبصوت مبحوح خافت:
_ و والاستجواب!.. وابني!.. وجدتم...؟
_ كان مجرد تشابه أسماء!
الزهرة الصالح/المغرب

الجَلَّادُ والرَّضِيعُ محمد جعيجع من الجزائر

 


الجَلَّادُ والرَّضِيعُ 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذَاتَ رَبِيعٍ دَفَعَتْ بِيَّ الأَقْدَارُ إِلَى دَارٍ مُغْمَضَ العَيْنَيْنِ بِصَرْخَةٍ مَنَحَتْ لِيَّ الحَيَاةَ بَعْدَ أَنِ اقْتَرَفْتُ أَوَّلَ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا أُحَاسَبُ عَنْهَا مُسَبِّبًا آلَامًا كَبِيرَةً لِمَنْ حَمَلَتْنِي كُرْهًا وَوَضَعَتْنِي كُرْهًا؛ وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّهُ مَخَاضٌ عَسِيرٌ لَكِنَّهَا مَشِيئَةُ مَنْ يَقُلْ لِلشَّيْءِ: "كُنْ فَيَكُونُ" بِإِذْنِهِ...
جَارَتُنَا رَزَقَهَا اللهُ بِتَوْأَمٍ ذَكَرٍ وَلَيْسَتْ لَهَا الْقُدْرَةُ عَلَى إِرْضَاعِهِمَا مَعًا، فَكَانَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُشَارِكُنِي أَحَدُهُمَا طَعَامِي. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَيَّامَهَا حَلِيبٌ مُعَلَّبٌ بَلْ مَصْدَرٌ طَبِيعِيٌّ فَحَسْبُ؛ وَقِيلَ لِي بِأَنَّهُ أَرْضَعَتْنِي أَرْبَعُ نِسْوَةٍ مِنْ بَيْنِهِنَّ أُخْتِي رُفْقَةَ مَوْلُودِهَا بِالإِضَافَةِ إِلَى وَالِدَتِي...
وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيَّ يَوْمٌ أُسَدِّدُ فِيهِ حُقُوقَ الرَّضَعَاتِ بِجَلَدَاتٍ يَكُونُ فِيهَا الجَلَّادُ صِهْرِي وَالمِجْلَادُ أَخِي الَّذِي كَانَ عِنْدَ عَودَتِهِ مِنْ سَفَرٍ مُتَعَلِقٍ بِالدِّرَاسَةِ يَبْدَأُ بِزِيَارَةِ أُخْتِهِ وَزَوْجِهَا قَبْلَ رُؤْيَةِ وَالِدَتِهِ. الصِّهْرُ الّذِي يَشْحَذُهُ ضِدِّي فَيُسْرِعُ إِلَيَّ بِالشَّتْمِ وَالتَّقْبِيحِ وَالضَّرْبِ دُونَ سَبَبٍ يَذْكُرُهُ؛ يَأْتِي كَثَوْرٍ هَائِجٍ حَمَلْتَ فِي وَجْهِهِ خِرْقَةَ قُمَاشٍ حَمْرَاءُ تُثِيرُ بِلَوْنِهَا غَضَبَ الثِّيرَانِ...
أَرْضَعْتِنِي لَيْتَنِي مَا كُنْتُ أَرْضَاهَا ... تُرْضِعْ وَقَدْ حَيَّرَ الشَّيْطَانَ مَسْعَاهَا
تُرْضِعُنِي وَابْنَهَا وَالبَعْلُ قَدْ حَازَ لِي .... حِقْدًا دَفِينًا قَدْ صَاحَبَ ثَـدْيَاهَا
رَضَــعْتُهَا مُـكْرَهًا وَالأَمْـرُ مَا كَانَ لِي ... أَرْعَى وَقَدْ سَـمَّـمَ الإِحْـقَادُ مَرْعَاهَا
تَـنْظُرْ وَقَـدْ أَحْـضَرَ الجَـلَّادُ مِــجْلَادَ ظُلْـ ... مٍ وَاحِدًا مِــنْ إِخْـوَتِي فَأَرْضَاهَا
يَجْلِدُنِي عَنْ مَاضٍ لَمْ يَكُنْ رَغْبَةً ... مِنِّي وَلَا رَحْمَةً لِي مِنْهُ أَلْقَاهَا
يَمْــضِي إِلَى بَيْــتِهَا مِنْ سَــفَرٍ مُسْرِعًا ... بِالشَّوْقِ بِالطَّاعَةِ العَمْيَاءِ يَلْقَاهَا
يَأْتِـــــي إِلَـيْــــهَا قَـــبْلَ أُمِّـــهِ.. السَّــــبْـقُ لِلْـ ... صِّهْــرِ وَأُخْتٍ قَـدْ أَبْــلَى بِبَلْوَاهَا
يَأْوِي إِلَــيْــهَا وَزَوْجَــهَا الَّذِي قَدْ أَعَدْ ... دَ فِتْـنَةً حَــاكَ مُــجْــرَاهَا وَمُــرْسَاهَا
يَــهْــرَعْ إِلَيْ هَائِــجًا كَالـثَّــوْرِ مِنْ فَاتِنٍ ... بِالضَّــرْبِ شُــلَّتْ يُــمْـنَاهُ وَيُـــمْنَاهَا
يَـضْـرِبُـــنِي عَنْ حَلِــيبٍ جُـــرْعَةً جُـــــرْعَةً ... لَا طَـــيَّبَ اللهُ مَــثْــوَاهُ وَمَــثْــوَاهَا
اِسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِلَى أَنِ اشْتَدَّ عُودِي وَتَشَجَّعْتُ عَلَى وَضْعِ حَدٍّ لِلْمُمَارَسَاتِ العُدْوَانِيَةِ التِي طَالَتْ كَرَامَتِي؛ وَمَا زَالَ الأَثَرُ بَاقِيًا فِي نَفْسِيَتِي إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا حَتَّى وَأَنَا فِي سِنِّ الْخَمْسِينَ. لَا لِذَنْبٍ سِوَى بِضْعِ رَضَعَاتٍ قُدِّمَتْ لِي وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ عُقُوبَتَهَا لَمَا أَخَذْتُ مِنْهَا وَ لَوِ النَذْرَ الْيَسِيرَ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد جعيجع من الجزائر

الغذ المجهول. بقلم : ذة. لطيفة ناجي المملكة المغربية.




 

الغذ المجهول.
" توقف القطار في محطة كئيبة تبدو عليها علامات الإهمال والقدم. صوت مبحوح تردد على المسامع ، من مكبر صوت :"محطة النعيمة! ". لم يكن على الرصيف القفر سوى عامل عجوز يكنس الأرض من الأتربة والأوراق الميتة التي تراكمت على جنبات السكة الحديدية والموظف المكلف بمراقبة تحركات الآلة الحديدية الضخمة . فُتحت باب المقطورة ، فظهرت امرأة تصفحت بعينيها الرصيف كأنما تبحث عن وجه مألوف، ثم نزلت الدرج الحديدي بتؤدة بالغة. ساعدها شاب على إنزال حقيبة كبيرة وبعض الأغراض الأخرى ثم عاد لتوه إلى القطار . كانت المرأة تحمل، بين ذراعيها، طفلا ملفوفا في غطاء أبيض... شرعت تجر حقيبتها الثقيلة بيدها اليسرى وتبحث عن كرسي قريب، على الرصيف . كانت سيدة في عقدها الثالث ترتدي ثوب الحداد . ففي بلدتها، تلبس الأرملة ملابس بيضاء طيلة أشهر العدة. فلباسها يميزها عن باقي النساء ويحميها من تسلط الرجال وطول لسان النساء. فالمجتمع لا يرحم ولا يقدر الظروف.
إسمها زهراء، شابة في عقدها الثالث، تبدو عليها ملامح الحزن والتعب بسبب السفر المضني :عشر ساعات من السفر والجو الخريفي ثقيل يصعب تحمله في قطار يشكو القدم وكثرة المسافرين: جو خانق، روائح الأكل والسجائر تزكم الأنفاس، وضجيج الشباب وبكاء الأطفال وصراخ الأمهات... سيمفونية الجحيم تسرق النوم من المآقي وتخلق الضجر والكآبة في القلوب.
مسحت دمعة حارقة فرت من مقلتها وهي تتأمل في طفلها الصغير، فرحة عمرها، غنيمة زواج سعيد انتهى بطريقة مريعة. قبل شهرين، توفي زوجها سليم على إثر إصابته بصدمة قلبية وهو يزاول مهامه كمهندس في إحدى الشركات الكبيرة بمدينة البيضاء. حين تلقت الزوجة الشابة الخبر، سقطت مغشيا عليها من أثر الفاجعة. لم يكن لديها عائلة في تلك المدينة المترامية الأطراف. تكبدت المصيبة لوحدها فقام صاحب الشركة بتكاليف المأثم والدفن. كانت جنازة مهيبة . وكتعويض للأرملة وطفلها الرضيع، صرف مدير الشركة لزهراء مبلغا ماليا لمساندتها في تلك الظروف المؤلمة. لكن أخبروها بأنهم مضطرون لاستعادة سيارة الشغل ومنحوها مهلة شهرين لإفراغ البيت الذي لم يعد من حقها بعد وفاة زوجها الذي لم يتمم المدة المتفق عليها في عقد الشغل، لذلك لن تحصل ارملة الفقيد على أي تعويض.
هكذا أصبحت زهراء أرملة بدون منزل. أحيانا ينهال القدر على الإنسان فيأخذ منه كل أسباب سعادته وفرحه. غادرت المدينة الكبيرة وعادت إلى بيت أهلها تجر حقيبتها التي صاحبتها في رحلتها وهي تزف إلى عريسها المهندس سعيد، قبل سنوات، بفستان عرسها الأبيض المزين بالوردي، عاشت معه في هناء وكانت ثمرة ذلك الزواج، سعد، ابنها البالغ من العمر ستة شهور. هاهي اليوم تعود بلباس أبيض، ثوب الحداد وفي قلبها وعينيها سواد يحجب عنها ما تخبئه لها الأقدار والمستقبل.
وهي تنتظر من سيأتي لاستقبالها في المحطة ، بدأت تستعرض شريط حياتها الوردي والذي انتهى بتلك الصدمة التي شرخت سعادتها ويتمت طفلها. هاهي الآن بين يدي المجهول لا تدري ما ستفعله حتى تضمن عيشا هنيا يخول لها إسعاد ابنها وإخراجها من محنتها..."

بقلم : ذة. لطيفة ناجي
المملكة المغربية.



( نهايةٌ متوقّعة ) اياد خضير / العراق

 


( نهايةٌ متوقّعة )

منذُ فترة طويلة ،َ يُغلقُ باب غرفته ونوافذها ويتوغّل في صمت ، تاركاً حباله تلتفُّ حول جسده في عمق ظلام يجعله أسيراً للخوف والرعب ، تظلُّ أنفاسه الساخنة تلامس سطوح الصمت الباردة ، الصمت المنكسرُ في آنية الخوف ،ويحاول الحصول على إغفاءة فوق طاولته العتيقة لكنّه لا يستطيع ، فيحتضنَ لهاث صدره ليسافرَ داخل ليل طويل معتم ، داخل ممرّات تبدأ في نقطة يجهلها في صدره ، يقفُ يصرخ يحسّ بأنَّ صوته يضرب سقف الغرفة يتكسّر في إذنيه كأنّه قرع طبول ، يعاود البكاء ليخففَ من ثقل المعاناة راح بكاؤه يجلجل بشهقات أنثى .
منذ أيّام وهو يشعرُ بشيء كبير ينهارُ في داخلة أكبر من الأسى أو الحاجة إلى البكاء يحطّم صدره ، شبحُ الموت الذي يتجسّد في ذهنه إثر كلّ تفكير يعيده إلى علاقاته السابقة بما حوله ، تحت سماء مثقلة بغيوم الكآبة التي كانت تغفو في داخله ، إنّه إنسان منعزل يجلس داخل غرفته يتناول أحد الكتب المركونة في الزاوية ، كتبٌ تعلوها طبقة من غبار الأيّام ، لم يكن في غرفته سوى هذه الكتب السوداوية لسارتر ، قرأ الجدار فأصبحَ حاجزاً بينه وبين الآخرين حياته كلّها عبث وعزلة أراد أن ينزعَ الجدار من داخله أخذ الجدارُ يرتفع ويرتفع فيمتلئَ رأسه بكلّ أسماء الضجيج ، أصبح أسير رغباته إذ رغب الركض حافياَ أمام أنظار الناس ، أن يكون تحت المطر بكامل ملابسه ، يجول بنظره لكلّ الاتجاهات فيختار مكاناً متوارياً عن الأنظار .
يظلّ يخاطبُ نفسه من أين جاءتْ هذه الرغبات وهذا الانصياع للرغبات ؟ ! لا يدري
هناك شيء يحسُّ به لكنّه لم يستطع التوصّل إليه بعد ، فلا يسعه إلّا أن يأخذ مكانه في غرفته حيث يعود إلى نفسه، تحتويه العزلة التي تنفجرُ في داخله ، لديه أصدقاء كثيرون رحلوا كلّ ما يربطه بما حوله هو شبح يطارده أثناء حركته في الخارج .
أمّا عدم النوم هذه المشكلة الرئيسة التي كانت تشغل ذهنه ، فقد وجد لها حلّاً ، فكان يقضي الليل متجوّلاً كالكلب الضال يعبُّ الخمر ويمضغ اليأسَ والهزيمة يجوب المدينة طولاً وعرضاً حتّى الفجر وعندما يسيطر عليه النعاس يلجأ إلى مسطبة خشبية أو دكّةٍ أسمنتية يستلقي عليها للحصول على غفوة صغيرة ، أصبحتْ الكلابُ السائبة تعرفه ، أحدهم يتأمّله دائماً يجلس قبالته يتلصص بعينيه وهو ينظر إليه طويلاً يشاهد لعابه ينقط على وجه الأرض، يهزُّ ذيله كأنّه يريد التحدّثَ معه فيذهب لسانه الطويل يتأرجح أمامه عندما يشعر بأنّ لهاث الكلب أصبح بطيئاً وإنّ حنكه يفترش الأرض .
يبدأ بمخاطبته أتريدُ أن تأخذَ لحمة طريّة من رجلي أو بطني ؟! اِفعل !
أوهام كانت تختلط في رأسه مع ظلام الليل ، المقيت، الثقيل ،الذي ينقلب ألماً ، فيقف ، ينتفض للتخلّص من المشاعر التي في داخله ، بسماع أغنية للسيدة أم كلثوم ، ممراتٌ أطفأتْ مصابيحها الأيّامُ السود التي لم تشرق فيها شمسٌ منذ زمن بعيد ، لكنّه لايقدر، لم يعد يرغب في التفكير بما حوله أو مجابهة الأشياء إلّا في تلك الدقائق القليلة التي يكون فيها منعزلاً، متوارياً تماماً عن الأنظار..
قــال مرّة لأحد أصدقائه قبل أن يفقده : إلى متى أطارد نفسي ؟!
متى يدقُ الموتُ بابي وأستريح ؟ !
فقط أريدُ أن أعرف لماذا أنا هكذا ؟
لابدّ أن أعرف من أيّة نقطة في داخلي ينبع الظلام ؟
آه .. أيّتها الحياة امنحيني بعض الفرح لأرمّم دواخلي المهشّمة !
ابتسم صديقه قليلاً إنّه يعرف أنّ في داخله خيوط ضياء كثيرة ولكنه فقد دربه إليها ، بسبب تلك الحرّية الإنسانية الوجودية التي تحمِلُ في طياتها بعض أنواع الجنون الذي يؤدي إلى القتل .. إلى الموت هذا الزائر الذي يسمّونه ومضة الانتهاء ، كـان يغضب ، الغضب يقطع خيوط اللهاث في داخله لا يدري كيف تمضي البقية الباقية من عمره ، وضع نفسه في مطبٍّ لا يستطيع الخلاص منه .
يخاطب نفسه ماذا يراد من مقولة ( أنا أفكّر إذن أنا موجود )
إن تفكيري قد توقّف لابدّ أن أنهيَ حياتي ؟!
هذه الحياة البائسة، الراكدة ، المملة ، لابدّ أن أجدَ لها حلّاً.
شاهد جداراً ممتدّاً على شاطئ النهر ، تسلّقه واستقرّ عليه كان جسده ينضحُ ظلاماً يصبّ في نهر الخوف ، هبتْ رياحٌ ساخنة لفحتْ وجهه تطايرَ معها تراب خفيف مع بقايا قشّ يابس .
نظر أسفل الجدار شاهد الجدار يرتفعُ ويرتفع، اِرتبك ،فَقَدَ توازنَهُ راح هاوياً إلى أسفل طالتْ المسافة بين الجدار وهبوطه المستمر، صرخ غير أن أحداً لم يسمع صراخه ، سقط في النهر لوّح بيده لكنّه اختفى ثمّ ظهرَ ثانية ، هرولَ رجالٌ كانوا بمحاذاة الشاطئ وهم يصرخون ويلوّحون بأذرعهم بيأس ، لم يكن باستطاعتهم عمل شيء ينقذه ، فَقدْ اِختفى في النهر الجارف إذ حملته الأمواجُ بعيداً .
اياد خضير / العراق

مشاركات الأعضاء

تغريدة من قصيدة : سُخام على جبين العروبة ؟ للشاعر : متولي بصل

    أتحترقُ الجزائرُ يا رفاقي ولا تشكو القلوبُ من احتراقِ ؟! ولا تُبدي العروبةُ أيَّ حُزنٍ كأنها محض وهمٍ و اختلاقِ ! يموت الناسُ بالعشراتِ ...

المشاركات الشائعة