Translate

الجمعة، 10 يونيو 2022

رأس عنيد بقلم / حسّان العبدلي - تونس


 رأس عنيد

بقلم / حسّان العبدلي - تونس

- يالك من رأس لعين، اهدأ و إلا حطمت جمجمتك...
مدّ يديه المرتعشتين و أمسك رأسه العنيد ، أراد أن يُذكره ببطولاته و أمجاده، أن يقنعه بضرورة الصبر على الوجع الذي يسببه له كل يوم بغير قصد ، أو ربما بقصد ،لأنه لولا ذاك الوجع لما تعلّق به بشدة و أصرّ أن يكون رأسه أفضل رأس بين كل تلك الرؤوس..
هو يحرص أشدّ الحرص على أن تكون تلك التفاصيل الصغيرة بوجهه شاهدة على قوته و شجاعته و جبروته ربما . لن يستسلم هذا اليوم حتى يُخرج ما بتلك الرأس من أسرار و إن كلّفه ذلك الليل كلّه ، في زواية الغرفة رؤوس كثيرة يألفها لكنه أهملها، فلا جمجمة تلائم ذاك الرأس بين كتفيه، يضرب صدغيه بعنف و يواصل حركته جيئة و ذهابا محاولا إنهاء الأمر و الظفر برأس جديد و بتفاصيل أكثر نقاء ...
تغيرت ملامحه فجأة ، بدت عيناه توحيان بالقوة ، لاحت على وجهه علامات الحكمة ، ظهرت تجاعيد خفيفة على جبينه كرمز للشدة و البأس ...
أخيرا حصل على ذلك الرأس و بكل التفاصيل التي أرادها، مدّ يديه ليتحسسه من جديد ، لم يصدق الأمر بداية ، قفز معلنا انتصاره ،نسي كل ما حوله في غمرة نشوته ، وكزة بمرفقه طالت رأسه فترنّح و سرعان ماهوى و سقط "يوليوس قيصر" ليستقر حذو "كليوباترا" و تلك الرؤوس الأخرى التي أخذت من وقته الكثير و كان أغلبها ضحايا فرحته .

قد تكون صورة ‏‏‏شخص واحد‏، ‏شجرة‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏

سفــر بــلا عــودة ؟ بقلم / كريمة دحماني بنت خالد

 


سفــر بــلا عــودة ؟
بقلم / كريمة دحماني بنت خالد
نرحـل واليد تمسك أنامل الفجر .. ونبتعد الخطوة بعد الخطوة نحو ذاك البعيد .. ثم نلتفت لنرى من يلاحقنا بالـوفاء .. فإذا بالذكريات تصدق بالملاحقة لتمثل البواقي في الإناء .. وتدق ناقوس الحنين لترقرق العين بالبكاء .. والنكران من أهل الوفاء يشوب الصفاء .. ويتضاءل الجسر بين البين وينكمش.. حتى يصبح مارد الجسر هو ذاك القزم المهين .. والخطوةَ تعود للرحم بعد ولادة الفرحة لسـنين .. لتوجد محراب جدب كان في الماضي خصباَ في شط البراءة واليقين .. ثم آثار أقدام الشيطان وقد لامست مواقع الطهارة في إطار الشك والظنون .. وقلب تناصف نصفين نصف يراوده الحنين ونصف يتهرب بالشك والجنون .. وتلك نحـلة ذات شهد تمردت لتشير بشوكة حادة التسنين .. فكان الألم لقلب بعد نعمة الشـهد فيا لها من أنين .. أيها الظالم كم أسقيتني خمر المرارة وأنا ذاك الخـل الأمين .. قاسية تلك القلوب إذا خليت من نعمة الرحمة واللين .. تفرش الكف برحاَ لتقبض قلب المحب قبضاَ مشوباَ باليقين .. ثم تعصر القلب بقسوةَ حتى يقول القلب كفاني عصارة الحزن الدفين .. أطلقوا ساحتي فإني مللت الظلم ومللت الطعنة باليمين .. وخنجر الغدر يطعن الكبد ليجعل الكبد ذاك الغمد الرصين .. وعشمي كان في عـودة الغيث بعـد جدب السنين .. فإذا بطوفان الصد يمنع التلاقي لتكون اللحظات هي الرحيـل .. والمرارة تجتاح صفحة الماضي بدموع الأنين .. والكف أصبح خاوياِ من باقة ورد أسقطتها الخيانة في سلة الطين .. لنرتحل ونحن نحمل الجراح في القلب ثم نحتسب الأجر يوماَ في كفة الموازين .

من مذكرات معلم بالحصة قصة قصيرة بقلم / عاشور زكي وهبة - مصر


 من مذكرات معلم بالحصة

قصة قصيرة
بقلم / عاشور زكي وهبة 
مصر
رن جرس هاتفي المحمول: أستاذ (ع)! إدارة المدرسة الخاصة تبلغك بألا تأتي غدا.. ولو احتجنا لك، سوف نتصل بك!.. وشكرا!
أغلقت الهاتف مدركا فحوى الرسالة: لقد استغنتْ المدرسة عن خدماتي. لكن.. ما السبب؟!
هل لعملي معلّمًا بالحصّة في مدرسة حكومية في الفترة المسائية؟! أم لحاجة المدرسة الخاصة إلى تقليص عدد المعلمين العاملين بها؟!
فهذا ديدن تلك المؤسسات في تلك الأيام التي يداولها الله بين الناس.
أم لتقصيري في العمل؟!
لكن.. يعلمُ الله أنّي أعمل جاهدًا لأوصل لعقول وأفئدة هذه الأنامل الناعمة الصغيرة العلم والقيم التي تنفعهم في دنياهم وأخراهم...
صلّيتُ ركعتَىّ الإستخارة في شأن هذه المدرسة، ثم لاحت لي فكرة: الذهاب مبكرًا إلى المدرسة الخاصة غدًا لعلي أعلمُ السببَ الذي سيبطلُ العجبَ!
جاء الصباح سريعًا، صلّيتُ الصبح، ودّعتُ زوجتي مُقبّلًا ابنَىّ الصغيرين، وخرجت من البيت مناجيًا ربي: يا من أمرك بين الكاف والنون، افتح لي أبواب الرزق في هذا الكون!
في الطريق دارت عجلة فكري مع حركة موتور السيارة الأجرة...
قال لي المدير بخبث: يا بُنَي العمل بالحصّة في المدارس الحكومية زي الجري ورا السراب. ما فيش تعيينات! والحصة بقروش مش مكملة جنيه صحيح! سيبك من الميري وترابه، وخليك معانا!
ربما كان يقصد: تكن معنا!
قالت شابة مكشوفة الوجه والصدر لي بالأمس: أعطوني جدولَ حصصك!
قلتُ في نفسي: أنت خريجةٌ حديثةٌ جدًا!
إذن بما أنهم سيعطونها فصلي، فقد بيّتوا النية على فصلي من العمل. وأكون ضحيةَ الواسطة والمحسوبيّة!
إنني دفعةٌ قديمةٌ جدًا، وعملتُ دراسات عليا في تخصصي، ولي خبرةٌ لا بأس بها في التدريس، ولي قبل هذا وذاك زوجةٌ وابنانِ يحتاجون لكل قرش، وقد تركت عملي الإضافي في مخبز أفرنجيّ لأجل المدرسة الخاصّة.
عمومًا لم أصلْ لسببٍ وجيهٍ يقتضي فصلي. خرجت وعلامات تعجب كبيرة تتراقص في عقلي المكلوم.
اشتريتُ خبزًا بلديًّا، وعدت أدراجي للبيت. حملتُ ابني الرضيع قائلًا خُفيةً: اللهم دبرنا فإنا لا نحسنُ التدبير، والطف بنا فيما جرت به المقادير.
هذه ليست بالفعل نهاية العالم!
سمعت آذان الظهر، صليتُه في المسجد المجاور، ثم حملت دفاتري في هدوءٍ نحو المدرسة الحكومية مع جرس طابور الفترة المسائية.
....................................

هذا الشقاء بقلم / علي الطالب دولة : تشاد

هذا الشقاء 
بقلم / علي الطالب
دولة : تشاد
ها أنا ذا على عتبة التخرج من الجامعة ، أسير على خطى من سبقوني ، محملاً بأحلام الشباب الوردية ، ناسياً ذكرياتي الأليمة ، جيبُ أبي المثقوب ، وحذائه الجلدي المرقع ، وجلباباه المهترئان ، هناك على أطراف مدينة الترف ( أنجمينا ) حيث قريتي الصغيرة ( بنت الصقر) ، تقع في الربع المنسي تماما من العالم ، كأنه ينكر وجودها ، وبيوتنا المبنية من الطين ، ذات الأسقف الخشبية الصغيرة تشبه أعشاش الطيور .
ننام أنا وأبي في حجرتنا الصامتة ، الثابتة أمام تقلبات فصول السنة وقسوتها ، الشامخة أمام فصل الخريف وأمطاره التى تستمر لأيام حتى نظن بأن الطين قد ذاب، ولكن الطين في قريتي أقوى من الحجارة فهو لا يذوب ، كل شيء متوقف في قريتي ، الشيء الوحيد المتمرد هناك ومستمراً في الزيادة هو المقبرة، تستقبل بصدر رحب أمواتها القادمين من الأرض الجرداء، المنتظرين مواقيت الإياب من المنافي، كان الموت الرحيم منفذاً في قريتي بصمت رهيب.
بعد أن فتكت بأبي الملاريا التى لم تمهله كثيرا ، تركته في عهدت المقبرة وغادرت حاملا معي صرةً فيها ملابس مهترئة ، ومصحف أبي الأصفر الذي يغلب علي فك طلاسمه ، وسكينا، وبعض من الدقيق والزيت وحبات من شجر الهجليج ، وعلى يدي قنينة ماء وأخرى فيها بليلة، وشيٌ ثقيلٌ بداخلي يوشك على الإنفجار ، أهدأُه بتميت أمي رحمها الله( سبحانك ، سبحانك ).
وهكذا أنا أيضا تمردت، وتركت قريتنا بحثا عن حياة أفضل، على مسيرة يومين في البرية وصلت العاصمة ( أنجمينا )، حيث النعيم المفرط حد التخمة ، والفقر المقدح حد الحجيم ، الصروح الشاهقة الممردة، والجحور الزنكية الموحشة ، هذه أنجمينا أول ليلة لي فيها قضيتها في السجن ، وجدتني دورية الشرطة نائما على رصيف الطريق، قال لي رجل عجوز في ليلتي تلك :
أنجمينا لا تقبل الضعفاء، عليك أن تكدح في طلب العلم، وشمر عن ساعديك فالأرزاق لا تأتي للنيام بل تحتاج لأسباب .
دلني على مكان أواني مدة تلك السنين ، حفظت القرآن وتحصلت على الشهادة الثانوية، وقُبلتُ في كلية الطب ، كان علي أن أبحث عن دخلٍ ماديٍ أكثر حتى أستطيع توفير حاجاتي في الجامعة ، لطالما كنت معتاداً منذ طفولتي على الأعمال الشاقة ، وهذا ما ساعدني كثيرا في تأقلمي مع جميع الأعمال في أنجمينا، عملت حمالاً، وعامل نظافة ، وحارس عمارة ، وبناء ، ثبتُ أخيرا اعمل في مجال الخياطة اليدوية وبوجود عملي الإضافي سائق سيارة أجرة استطعت أن أكمل دراستي ، وفتح متجر( شذى للعطور ) ، في سنتي الأخيرة تحسنت ظروفي المادية كثيراً وبدأت الشروع في بناء بيتي الخاص .
وذات يوم بينما كنت أنهي تدريبي الأخير في إحدى المستشفيات نقلت إلينا سيارة الإسعاف حالة ملاريا طارئة، أجرينا تدخلا علاجيا سريعا وبعد مرور ما يقارب الساعة زال عنه الخطر وفتح عينيه ، كان علي أسجل الحالة في المحضر ، ويلزمني بعض المعلومات عنه ، مرحبا أخي زال الخطر ، أنت في المستشفى الآن وجدوك فاقداً الوعي وتم إحضارك إلى هنا كيف تشعر الآن؟ :
أشعر بتحسن .
هل لي أن أعرف إسمك؟ :
سعيد جابر السالمي.
بدت لي هذه اللكنة مألوفة جدا فقد لامست شي في نفسي ، من أي حارة انت ؟
أنا قادم من قرية ( بنت الصقر ) عندما وصلت كنت متعباً جداً وحين فتحت عيني وجدت نفسي هنا .
بنت الصقر ، تلك القرية التي كلما أذكرها أشعر بغصة في حلقي ويضيق صدري ، لا أفهم شعوري نحوها حنين أم كره .
أخذت سعيد معي إلى البيت ، وسهرنا معا ليلة بطولها تعارفنا وتحدثنا عن القرية تارة ويسألني تارة أخرى عن أنجمينا ، أمنتُ له عملا ، و قمت بتسجيله في إحدى مراكز تحفيظ القرآن الكريم .
بعد شهور نلت شهادتي الجامعية وقررت زيارة تلك القرية استشرت سعيد فأبدى موافقته ليرافقني ، أخذنا بعض المستلزمات والأدوية الضرورية لأهل القرية ، وعند وصولنا دلف سعيد إلى كوخ جده وبقيت وحدي أتفقد أحوال القرية ، فجأة توقفت قدماي عن السير إنها حجرتنا القديمة ، إمتلأت عيناي ونزلت العبرات تسيل من لحيتي كل شيء كما كان قبل عشرون عاما، ظلت هذه الحجرة صابرةً تأمل رجوع من هجروها ونكثوا العهد .
جاشت ذكرياتي ، وفتحت أشجاني ، هنا كانت أمي تعد لنا الفطور ، وهنا تضفر السعف ، وعلى ذلك الحجر كانت تطحن القلة، وهنا كان أبي يقرأ في مصحفه الأصفر، وعلى ذلك الغصن كان يعلق جلبابه، و هنا .. كُفنَّ أبي ، من الجيد أني تركت هذا المكان قبل عشرون عام وإلا هلكت ، أو ربيت أولادي على عيشٍ ذليل، انطبق فيَّ قول الشاعر محمود شريف :
هي الأوطان موحشة لهذا .. تراهم يأنسون إلى الرحيل
لعنة هذه القرية ستختفي، سأبذل ما أستطيعه حتى أحسن من حياة هذه القرية ، سأرجع الآن إلى أنجمينا ولكني سأعود، سأعمل على فتح مستشفى هنا ، سأضع حدا لشراهت المقبرة، سأجعل من هذه الحجرة نُزلا للسلام ، سأطهر هذا المكان من الملاريا، سأملأه بالحياة .
تمت

 

اليومُ الذي أدركتْ فيه رويدا أنها جميلة قصة قصيرة بقلم أحمد محمدنور الخرطوم - السودان


 اليومُ الذي أدركتْ فيه رويدا أنها جميلة

قصة قصيرة بقلم أحمد محمد نور
المكان: إحدى ضواحي العاصمة المُثلثة الخرطوم.
الزمان: الأول من ديسمبر عام تسعة وتسعين وتسعمائة وألف ميلادياً.
تبدأ الحكاية كما أذْكُر عند طفلة بدينة مُتجهمة الوجه داكنة البشرة وفي الرابعة من عمرها تقريباً، عيناها صغيرتان فوقهما حواجب غليظة ملتصقة ببعضها البعض ولها جبهة بارزة وشعر خشن مجعد، بالإضافة إلي أنف أفطس وفم عريض يضمُ أسنان صغيرة متفرقة، ألتفنْ حولها زمرة من الفتياتِ الأكبرِ سناً علي شكل دائرة وأصبحنْ يتقافزنْ ويرددنْ "أوو لا أوو لا رويدا الغولة" وهنْ يضحكنْ عليها ويخرجنْ ألسنتهنْ، كانتْ رويدا في منتصفهنْ قابعة علي الأرض مطأطأة الرأس وهي تتخذُ وضيعة القرفصاء أحستْ أنْ رياح باردة تضربُ فؤادها الصغير وتجعلها ترتعشُ مع كل كلمة قبيحة وصفة ذميمة توصف بها (شينة، قبيحة، سمينة، زرقا، غولة، ما زي البنات، سماحة الأسم ويا حسرة علي الجسم)، بدأ بعضُ الخلائقِ المتحذلقين يحاسبونُ طفلة علي شكلها الذي لم تختاره وليس لها ذنبُ فيه حتى أصبحتْ هيأة رويدا مصدر خجل لأمها وأبيها وأخوتها وأخواتها وخالاتها وعماتها وجميع أقربائها فقرروا حبس المسخ الذي يؤرق حياتهم الطبيعية ويحول بينهم وبين الدخول في أفواه الناس، أحضروا لها ألعاباً وملابس وكل ما تحتاج إليه في سنوات العزلة التي ستعيشها منذُ اللحظة و سترتاح عائلتها أخيراً من وصمة العار التي تُطاردهم وفقاً لهذا.
مضتْ سنتان ووصلتْ رويدا إلي السادسة سن أرتياد المدرسة ولكنها ما زالتْ عالقة في الروضة وما زالتْ لا تتكلم بوضوح، تخرجُ الحروف منها متحشرجة بصوتِ أجشِ وغير مفهوم، لم تُجدي محاولاتُ والداها لجعلها تتحدثُ جيداً فأخذاها إلي الطبيب الذي قال أن لسانها سليم ولا تعاني من أي خطب في حبالها الصوتية ونصحهم أنْ يضعوها في وسط صاخب ملئ بالأطفال ذوي الألسنْ الطلقة ولكن رويدا كانتْ لا تحبُ مجالسة أحد وتقضي كل وقتها في غرفتها تلعبُ مع نفسها كما أعتادتْ، الأمر العجيبُ أنها تكتبُ جيداً ولكن لا تستطيعُ النطقَ كباقي الأطفال وبهذا تم إضافة سبب جديد للإمتعاض والخجل من هذه " الولادة الندامة" مع أسطوانة مجانية تحتوي علي كلمتيّ"بكماء ومتوحدة" 
عندما سئمتْ مديرة الروضة وأنقطع رجاءها قامتْ بتخريجِ رويدا لتغسلْ أثم تحملها لهكذا طفلة مدة ثلاثة سنواتْ في روضتها التي تتباهي بأنها خرجتْ أميز الطلاب ولأنْ مع كل نجاح فشل رضختْ لفكرة أنها بشر محدود القدرة ولا تستطيعُ إنقاذ الجميع، دخلتْ رويدا إلي المدرسة والحال في حاله تجلسُ في مؤخرة الفصل تتكئ علي الدرج الخشبي بوهن تتأملُ أشكال زميلاتها وحتى زملائها ثم تعضُ علي يدها لكيّ لا تصرخ فصوتها سيفزعُ المدرسة بأكملها وقد يعتقدون أنها ملبوسة وما شابه، لم يكنْ لها صديقة ولم تكترثْ فحتى إن أمتلكتْ واحدة فهي علي ثقة تامة بأنها ستتركها وتذهب بعد أنْ يضغط عليها الجميع ويسخرون منها لأنها تصادقُ فتاة مثلها، عام خلف عام وأستطاعتْ رويدا الكلام ولكن نبرة صوتها ثقيلة لم تكنْ رقيقة وأنثوية كما أرادتْ، شعرتْ رويدا لأول مرة بما يُسمي "السعادة" لقد أعتادتْ علي عدم وجود شئ جميل فيها سوى أسمها الذي أصبح مقدمة كل جملة تريدُ قولها (رويدا أكلتْ، رويدا ما دايرة، رويدا عايزة قلم جديد، رويدا رويدا رويدا) قُدرتها علي التكلم كان منعطفاً حماسياً في حياتها فهي الأن أصبحتْ تستطيعُ التعبير عن ما يدور بداخلها بإسهاب وأريحية تامة، دخلتْ رويدا فترة المراهقة تغير صوتها كثيراً طالتْ قامتها بصورة ملاحظة تبدلتْ أسنانها الصغيرة بأخرى كبيرة ومزدوجة تضخم أنفها وأصبح لونها فاتحاً قليلاً بدرجتين عن السابقْ ولكنها صارتْ تهتمُ بشكلها كثيراً وتحاول تحسينه مع بقائها حادة المزاج وعدوانية ولاذعة اللسان، ذاتْ مرة وضعتْ من مساحيق تجميل والدتها خلسة لتنصدمْ الأخيرة بوجه كالعفريت يطلُ من الحمام عندما أرادتْ الدخول إليه، شعرتْ رويدا بالإحراج من نفسها عندما صرختْ والدتها الفزعة ملئ فمها واضعة يدها علي قلبها الذي كاد يتوقفْ من بشاعة ما رأتْ، أقفلتْ رويدا علي نفسها في غرفتها ثلاثة ساعات بعد أن عاقبتها أمها وضربتها حتى غفتْ والدموعُ في عينيها، في صباح اليوم التالي ذهبتْ رويدا إلي الصيدلية وسألتْ الصيدلاني بكل جدية (كيف أبقى سمحة؟) لم يستطع الأخير إخفاء دهشته من هذا السؤال العجيب ولكنه بعد ذلك أبتسم بخبث ووضع سبابته علي خده وأدعى أنه يفكر لها في حل ثم أبتسم وأخرج شريطاً أحمر من الحبوب وضعه في عبوة دواء أخر فارغ ودسه في يدها ثم غمزُ لها وقال بثقة:
_ الحبوب دي حتخليك ملكة جمال السودان بلا منازع.
_ بالجد يا دوك؟ قول والله الحبوب دي بتبقيني سمحة!.
_ لو ما مصدقة أمشي جربيها بنفسك وكان ما نفعت معاك رجعيها لي أتفقنا؟.
هزتْ رويدا رأسها بحبور ثم هرولتْ خارج الصيدلية ووصلتْ إلي غرفتها وهي لا تكاد تصدق أنها وجدتْ ما تبحثُ عنه طوال حياتها وأين؟ في صيدلية الحي وبكم؟ مجاناً، أخرجتْ شريط الدواء الأحمر ذو الحبوب الصغيرة ثم وضعتْ في يدها ثلاثاً منها وبعد تردد أبتلعتهم وشربتْ فوقهم الماء وسرعان ما أحستْ بصداع قوي ينخرُ رأسها ثم تبعها دوار وغثيان، جفلتْ من مكانها عندما بدأتْ تأتي علي مسامعها أصواتْ غريبة أكتشفتْ بعدها أن مصدرها هو رأسها نفسه قليلاً حتى ظهرتْ أمامها مشاهد وخيالات عجيبة، أحستْ أنها خفيفة الوزن وبدأتْ تتقافزُ وتضحك وتهمهمُ بكلمات غير مفهومة حتى توقفتْ فجأة وهي مشدوهة من المنظر الذي رأته أمامها، لقد كانتْ تنعكسُ صورة لفتاة جميلة جداً في المرآة أدركتْ رويدا أنها هي نفسها تلك الفتاة، شهقتْ بدهشة وهي تتأمل توافقَ حركاتها مع حركاتِ ذلك الوجه بديع الجمال، أغمضتْ عينيها بإمتنان وهمستْ الحمدلله لقدْ صدقْ كلامُ الطبيب.

نهاية حلم ... بقلم / خربشة مسعود غنّام - الجزائر


 نهاية حلم ...

بقلم / خربشة مسعود غنّام - الجزائر

أوصدت باب غرفتك ، ألقيت بجسدكـ المنهكـ العليل ، أطرقت لحظات مازالت كلماته ترنّ في أذنكـ :
- سئمت رؤيتكـ جالسا دون فائدة ! .
فجأة انتصبت واقفا ، رميت آخر سيجارة كنت تمتصّها ، أخذت تجمع ملابسكـ وأثاث غرفتكـ ، رتّبتها داخل حقيبتك السّوداء سواد هذه اللّيلة الشّتوية الباردة ، وقفت تتأمل ، تتذكّر باقي الأشياء ، اقتربت من الخزانة ألقيت نظرة عمّا بداخلها ، لاشيء ، أوراق بيضاء وأخرى لبقايا أشعاركـ وقصصكـ الملعونة ، أثارت سخطكـ ، بعثرتها ، ندمت على وقتكـ الضائع في كتابتها ، رحت تحدّث نفسكـ :
- لوكنت أدري أن تصبح حالتي هكذا لما ترددت ولما تأزمت حالتي ولما كتبت ولما احترقت ! .
أفرغت كلّ ما بداخلكـ ، أحسست بالعطش ، بالاختناق ، اندفعت نحو النّافذة ، فتحتها ، لسعتكـ برودة الهواء ، أنعشتكـ بعض الشّيء ، ضغطت على زر المذياع ، استقبلتكـ كلماته : هي الدّنيا ياولدي ! ،
شعرت بالانقباض ، انكمشت كقطّ أعزل ، سادك الدّفء ، توسدت حقيبتكـ ، تذكرت شريط ماضيكـ ، حياتكـ البائسة ، وحدتكـ القاتلة وكلام أمّك :
- اذهب – ياولدي ، اذهب . أريد أن أراكـ شمعة تضيء جنبات القرية المظلمة .
توقّفت الذّاكرة لحظة لتسجّل انطباعك الأوّل :
- سأكون – يا أمّي – سأكون .
انفجرت ضاحكا ، ها ، ها ، ها .
اردفت قائلا : لو تعلمين ياأمّي ؟ .
سمعت طرقا على الباب ، امتدّت يدكـ إلى مقبض الباب ، بادرك :
- أمازلت لم تجد مخرجا لمحنتك ، لعملك هذا ؟! .
اتّسعت دائرة أحزانك كالبحار ، قضيت شطر اللّيل كالمتهوّر ، الأفكار تلهب جبهتكـ ، أشياء تغزو عالمكـ دون سابق إنذار ، تغيّر أسلوب حياتكـ ، داهمكـ الخوف والقلق من المستقبل المجهول ، ومن تلكـ الآدمية المنزلقة إلى عالمكـ ، تفاقمت معاناتكـ يوما بعد يوم ، تحوّلت حياتكـ لغزا غامضا ، لقد أضحيت مدمنا ضائعا . بقيت كالمناضل بلا عنوان ، تهزّكـ عواصف الأيّام ، تعبث بكـ الوعود الكاذبة ، تسلب حرّيتكـ ، تطيل انتظاركـ ، اليوم ، غدا ، الشهر القادم ، العام المقبل ، حدث ماحدث ، تغيّر كلّ شيء ، أنت لاتعرف ، ضقت ذرعا ، سحبت أوراقكـ مزّقتها ، حملتها الرّياح هباء منثورا ، علّقت :
- إلى الجحيم . مع خيوط الفجرالأولى حملت حقيبتكـ وتوجهت إلى المطار لتكمل حلم أمّكـ ولكن خلف البحر الأزرق ! .

لخيبة بقلم / سماح لغريب ...الجزائر


 لخيبة ...

امتطى الضياء الأرض كلها، وبدأ النور يتسرب من قفل باب غرفته ، سرعان مااستيقظ مفزوعا ...لملم جسده المتثاقل، وارتدى ملامحه العميقة، ومسح لون الغيوم الباردة على وجهه، ثم سكب أحلامه خارج الغرفة و أغلق باب غرفته التي سيلاحقها صمتها السرمدي ، خرج يبحث عن المستقبل الأزرق ...
جلس في المقعد الأمامي للحافلة نظر إلى عيون الجميع يتمتم ""عذرا إذا ظهرت بعض الجراح على سطوري عذرا دمعتان لا تكفيان لأن أكون إنسانا منذ عصور"" أغمس عينيه في النافذة وبدأ ينشد أخبار الحبيبة مجروحا... مرت السنوات على النافذة والدقائق لا زالت ساكنة في أعماق الحنين ،أقام طقوس العتاب مسرعا ونزل كسيف هوى من غمده ...أكمل طريقه تزاحمه صروح التلاشي ...
وصل إلى الضفة الغربية... فجأة ضمته ابتسامة في لحظة !يا لها من لحظة منافقة في وجه الحياة!! تبدلت ملامحه بأعجوبة كأنه القدر صافحه ودعاه لجنة الخلد مد شعاع الشمس له يده مد يديه، فقد وجد من يصاحبه سيركب اليم إلى جنة الخلد... رقصت أوردته وداعبته كلمات حالمة، فقد حدثوه عن بعض المحطات واللحظات أغرقوه في بحر الورد والعطور سيجد المستقبل الازرق الذي يبحث عنه والفردوس المرتقب... ودع أمواجا عارمة من البشر في المدينه، ودع الأرض وجزمته المعفرة بتراب البلد.
ركب البحر متحمسا للوصول ...أمضى يوما كاملا يتناول فيها المسافات، ويطويها بكلتا يديه
وصل المركب فم اليم لفظه البحر إلى اليابسة ، وراحت أنامله تغازل الرمل، فقد تلعثم لسانه عن الشكر وانطفأت الجذوة المشتعلة، لقد نجا من سبائخ القحط ...شعر بوهن فأسند رأسه لصخرة كبيرة يلتقط أنفاسه من نوافذ هذا العالم الجديد، ولبس المعطوف والمعطوف عليه ثم عرج إلى المدينة... ذاب في زحمة العائدين والذاهبين دنا ببلادة من فتاة يستفسر عن المكان
فأخبرته : أنت لست في سان ليو أنت في تلم سان....
بقلم / سماح لغريب ...الجزائر
قد يكون فن ‏تحتوي على النص '‏‎Sarah Wall‎‏'‏

الخميس، 9 يونيو 2022

أرواح وأشباح بقلم : إبراهيم محمد قويدر مصر - البحيرة


أرواح وأشباح 
بقلمي: إبراهيم محمد قويدر
مصر - البحيرة
************************
في الفراش وحدي أتقلب ذات اليمين وذات الشمال أغطي وجهي بالبطانية أرهف السمع عبر الجدران أحدهما يطل على
الشارع وآخر يلاصق الجار والباب ناحية الصالة بها راديو دائما على إذاعة القرآن الكريم فجأة انقطع الإرسال وأظلمت
الغرفة وسمعت قط وقطة يتعاركان ويصدران أصواتا مزعجة
سمعته يقول لها : لن تفلتي من يدي سأقتلك سأجعلك تندمين
أنك أتيت إلى الحياة .
أنا تخالفين رأيي كل ما أقوله لابد أن يسمع بالحرف الواحد
سمعت صرخة طويلة أعقبها صمت رهيب وبكاء ..
جلس إلى جوارها ماكان يجب أن يحدث هذا مني الآن ماذا
أفعل ؟!
شاهدت مجموعة من القطط السوداء يجرونها علي الأرض
ولم يعد هناك أثر للدماء على الأرض مسحوا كل ما كان بألسنتهم كأنهم يتلذذون به .
وبسرعة البرق غادروا المكان وبعد دقائق مرت دورية شرطة
وتوقف أحدهم في المكان كأنه اشتم رائحة جريمة مكتملة
الأركان .
أصخت السمع اختلط الحابل بالنابل أصوات مختلفة تأتي من
كل الأنحاء عواء ذئب ونباح كلاب ونهيق حمار جارنا الفلاح
وسمعت صوت الخفير وهو يطلق عيارا من بندقيته ويقول بأعلى صوته : امسك حرامي .
وها هو أحدهم يمسك بزوجته يناغشها وهي تقول له : أنت
بتتعارك بالراحة إبلع ريقك وخد نفسك الدنيا مش لهوجة
بالهداوة يا سلامونتي .
فجأة انطلق صوت الدش وهي تغني مع صوت الماء : يا اللي
ع الترعة حود ع المالح وسطي يوجعني من إيه ؟!
من قرص إمبارح ..... !
فجأة انطلق صوت زار بالقرب من المكان خارج من دوار العمدة وتصاعد صوت الطبل والرقص تشبه الطقوس التي
يقوم بها سكان الغابات في أدغال أفريقيا.
مجموعة من الكلاب تجري وتنبح وفي وسطهم كلبة سوداء
تقودهم صوب المقابر هناك صمت مطبق لا أحد يتكلم الكل
يبحث عن مصيره هناك من فرشوا له الحرير وهناك من فرشوا له الشوك .
تحركت من فوق السرير أتحسس الطريق إلى الحمام وجدته
يتحرك معي وينظر إلي وعيناه تلمعان وتبرقان سارعت الخطى وجدته يسبقني أردت أن أكلمه قلت لنفسي : ماذا أقول له ؟! : تشجعت وقلت له : أنت رايح فين ؟!
لم يجب وسبقني ودخل الحمام قلت اقرأ : قل أعوذ برب الناس ... ولمحت شعاعا قادما من شباك الحمام تتبعت الشعاع ومددت يدي لأمسك به ولكني لم أجده بحثت عنه
ولكن فص ملح وذاب .
وفجأة برقت السماء وأمطرت مطرا شديدا .
وسمعت المؤذن يقول : الصلاة خير من النوم .
عاد الهدوء إلى نفسي وشعرت بالاطمئنان.


الربيع يرحل مبكرا بقلم / رعد الإمارة - العراق / بغداد


 الربيع يرحل مبكرا
بقلم / رعد الإمارة  - العراق / بغداد

حين كنتُ صبياً أخطو صوب المراهقة ، كان يلذُّ لي َتسلّق أسوار حديقة الجيران ذات النهايات المسنّنة، أختار أوقات الظهيرة لأفعل ذلك ، كان أنفي المستقيم بنهايته الحلوة الُمدبّبة هو من يقودني لأكتشاف أفضل الأزهار وأشدّها رونقاً وعطراً، فجأة وأنا أقوم بذلك، شعرتُ كما لو أن الشمسَ قد أشرقتْ في وجهي، كانتْ هناك تراقبني! لم تكن زهرة، بل فتاة بشعرٍ ذهبي مُنسدل على كتفيها النحيلتين، أوقفتني بأشارة من أصبعها السبّابة، كدتُ أبلّل نفسي حينها، تسمرّتُ في مكاني وأوشكتْ قدميَّ أن تنغرسا في الأرض المعشوشبة،قالت :
-أنا أعرفك، أنت ابن الجيران المشاكس، جئتَ تسرق أزهار البابا كالعادة، لقد كنت أراقبك منذ البداية!. قلت لها وأنا أحاول أن أبدو غير مكترثاً البتة :
-هل ستصرخين الآن؟ أعني أنك لم تفعلي. أبتسمتْ بسخرية وقالت بطريقة استعراضية :
-وما الفائدة، ستهرب في كل الأحوال، ستفعل ذلك مثل جرذ. قالت ذلك ثم أخفت فمها بأصابعها وراحت تضحك بعذوبة،قلت لها :
-هل أنتِ جديدة هنا؟ لم أرك مسبقاً. تَقدّمتْ نحوي، لكنها تركتْ مسافة لابأس بها بيننا، تَنهدتْ ثم قالتْ وهي تَهزُ كتفيها :
-هذا لأني كنت مسافرة، لقد رأيتُ أزهاراً أفضل من هذه التي تود سرقتها. قالت هذا ثم استدارتْ منصرفة، كدتُ أصيح بها، لكنها التفَتتْ قبل أن تدخل ،قالت وهي تحدّقْ بشرودْ :
-ربما نصبح أصدقاء، من يعلم. في اليوم التالي والذي تلاه لم أذهب صوب الحديقة، شعرتُ بأن الوضع قد أصبح محرجاً، بوجود مثل هذه البنت ذات الشعر الذهبي، لكن بعد أيامٍ تلتْ ذلك، َمرّتْ وكأنها دهر، قادني الفضول للمرور بجانب الحديقة ذات الأزهار الفواحة ، سمعتُ ضحكة قصيرة تلاها صوت خافت :
-أنت ياشبيه الجرذ! تعال هاك نصيبك. شعرتُ بالغضب،وَددتُ لو أني دَسستُ أصبعي في أنفها، وجدتها تمسكُ بقضبان السياج الحديدي وهي تحاول إخراج رأسها عبثاً، أضحكني منظرها، نسيتُ غضبي ورحتُ أشمُ شذاها وشذا الورد!. هذه المرة احتفظتُ بالأزهار، كانت المرّة الوحيدة التي فعلتُ فيها ذلك!. في اليوم التالي ،َطلبتُ من أمي أن تجلبَ لي بعضاً من حبات الفراولة الطازجة، لم تسألني مالمناسبة؟ فقد تَبخرتُ من أمامها وأنا اقبض بشدة على باقة الأزهار شبه الذابلة،عادتْ أمي وهي مُقطبة الجبين، َرمتْ لي بعلبة الفراولة ثم أخرجتْ كيساً صغيراً، قالت أنه حرملْ! قبل الغروب بقليل أخذت أمي تَدور في أرجاء البيت وهي تحمل بيدها مبخرة، كانت تتمتم مع نفسها بكلمات، ثم ترفع يدها للسماء تبتهلُ وتتضرعْ، في النهاية دمعت عيناها وهي تفعل ذلك، قالت لأبي الذي كان يسعل بصورة متقطعة :
-مسكينة بنت الجيران، وجدوها ميتة في فراشها هذا الصباح، آه، الربيع يرحل بسرعة. التفتُ صوب أمي، بل وقفتُ في طريقها،كانتْ شفاهي ترتعدْ، سمعتُ أبي يقول لها وهو يطلبُ منها إبعاد المبخرة اللعينة، قال :
-كانت مريضة بالقلب،مسكين والدها، لم يترك طبيباً إلا وذهب بها إليه،لكن بلا فائدة! عاد بها من الهند أخيراً. َهرعتُ إلى غرفتي،كانت باقة الأزهار ترقد بسكينة على طرف السرير حيث تركتها، وضعت علبة الفراولة بجانبها، ثم رحنا ننشج نحن الثلاثة !. 
 تمت

بين العهدين بقلم / شمم الجبوري - العراق


 بين العهدين

بقلم / شمم الجبوري - العراق

غادرتني ببرود، من دون كلمة وداعا إختفت فجأة ولم تبقى سوى صورتها أحتفظ بها في أستوديو الصور.
يوم يومان، شهر إثنان. سنة كاملة لم تظهر أبداً
أغلقت كل صفحات التواصل وأرقام تلفوناتها واختفت!
كيف أعيدها؟ وأين أجدها؟
لم ألتقِ بها في الواقع. كل معرفتي بها ألكترونية.
لم يخطر ببالي يوماً أن القدر سيعوضني بنسخة عنها.
بأصابعي المرتجفة ونبضي المتسارع أخذت صورتها ووضعتها في محرك البحث، لا أعرف كم مضى من الوقت لكنني شعرت أن الأرض توقفت عن الدوران.
كم كان الأمر مضحكا! بالفعل مضحك. ها هي أمامي صفحتها في الفيس بوك( عهد عابد)
تغير شكلها قليلا، ولكنها لم تزل تعشق الرسم
لوحاتها تؤطر صفحة الفيس وصورها الشخصية تملأ الفضاء! كيف غاب عني كتابة اسمها بالانجليزي؟
لقد وجدتها بعد غياب عام بأكمله. ومن دون تفكير راسلتها!
يجب أن اطمئن عليها اولا، ثم أعاتبها على هذا الهجران.
صدمتُ حين إختصرت في ردها الذي يخلو من أية لهفة.
يا إلهي! أنكرت معرفتها بي!
بل أقسمت انها لم تسمع بإسمي من قبل.
كيف يحدث هذا؟ قلت :
_ ألست ( عهد ) التي أعرفها؟
الرسامة، خريجة كلية الفنون الجميلة!
أجابت بصراحة ومن دون مواربة:
_ إسمي عهد عابد فعلا، ورسامة أيضاً. لكني لم أدرس بكلية الفنون، ولا أعرفك أبداً. يبدو أنك اخطأت العنوان!
بدأ الكلام بيننا ينساب كنهر جارِ
يوم بعد آخر تسللت الى قلبي عهد..كلما طرق إلى مسامعي صوت رسائلها أسأل نفسي، ترى هل جذبتني بالفعل؟ أم أنني أبحث عن الماضي معها؟
لا أعلم كيف تطورت علاقتي بها! كيف أصبحنا اصدقاء؟ بل اكثر من ذلك. هل كانت الصدفة؟
أم الاصرار الذي جاء بها مرة أخرى؟
جاء بها بحلة جديدة أجمل من سابقتها!
كان للصباح معها شعور آخر، أما المساء فحكاياته محت (عهد )الأولى تماماً من خاطري!
في كل مرة أحلق مع حديثها بجناحين من ورد..
معها أنسى أنني أعيش على الأرض وفي هذا الكون..
كانت تلك الليلة لا تشبه أي ليلة في عمري حين غفوت على حروفها، لأصحو على صراخ وشاشة الهاتف أمام عيني لا اكاد أميز الحروف لكنني لمحت صورة (عهد )الأولى!
دعكت عيني لأركز جيداً، كنت مذهول من المفاجأة
ولا زلت أسير نوم لم أكتفي منه. شعور الذي خاض غمار حرب وفجأة لم يجد آثارها. بين حلم وحقيقة. بين واعٍ ونعسان .
صعقت! إنها هي، صورتها!
وتلك حروفها المعتادة !
كتبت ( أشتقت لك فجلبني الحنين ) ..
تلاشيت بين العهدين وصراخ زوجتي الذي يملأ أرجاء الغرفة.

قصة قصيرةــــــــــــــــــــــــــــــ طلقــــــــــــــني ــــــــــــــــــــــــ بقلم / فاطمة مندي

 


قصة قصيرةــــــــــــــــــــــــــــــ طلقــــــــــــــني ــــــــــــــــــــــــ

بقلم / فاطمة مندي

وقفت تتلقى التهاني من المدعوين، باسمة الثغر ، تعلوها فرحة عارمة، لزواج آخر أبنائها، فلقد سبقه فى الزواج أخته الوحيدة وشقيقان، وأحست اليوم أنها قد أكملت رسالتها التى انتظرتها طويلا،ً بقبص من صبر وكثيرِ من ضغوط مارستها بتعنت على شعورها كأنثى، الآ ن فقط أتمت ما أملت فيه، الأن فقط، تستطيع كل شيء أرادته، استقبلت المدعوين بدموع فرحة، وأسارير منفرجة، وقفت بجانب العريس طوال الوقت، حدثها زوجها معنفاً : ماذا بك؟ ماذا أصابك ؟ لماذا تقفين طوال الوقت بجانب العريس ؟ أهذه أول فرحة لك؟ ماذا بك؟!
انتظرت إلى أن أنهى حواره ثم علقت ضاحكة بصوت مسموع : الأن قد أكملت رسالتي، إن فرحتي اليوم لا تعادلها فرحة، اليوم سعادتي قد اكتملت لسببين أولهما ؛ هو إتمام زواج أخر أبنائي، ثم ابتسمت وأشاحت بوجهها بعيداً ناحية المدعوين.
سألها عاقباً حاجبيه: وثانياً ؟
نظرت إليه باسمة هادئة ولم تجيب على سؤاله، وتركته منصرفة لاستقبال أحد أقاربها .
انتهت حفلة الزفاف وبعد مراسم التهنئة بالزواج و مرور شهرٍ على الزواج، دلف الزوج وارفاً إلى منزله، فلم يجد زوجتة، بحث عنها عند أبنائه الأربعة فلم يعثر عليها، بحث عنها عند أخوتها الذكور والإناث، وجدها عند أحدهم ، هاتفها ونهرها بشدة وطلب منها سرعة العودة للمنزل؟
قالت له فى حدة : لن تطأ قدمي منزلك مرة أخرى .
قال لها في صرامة: افعلي ما تشائين.
مرت الأيام والشهور واحتار الزوج في أمر زوجته، محدثاً نفسه: ماذا أصابها ؟ ولِمَ كل هذا العِنادُ؟! رفضها العودة ؟ لمْ أتعود منها سوىَ الطاعة العمياء طوال ثلاثون عام ماذا ألم بها ؟! لقد عرج جميع من أرسلتهم إليها بدونها !
-هاتفها سألها : هل جننت ؟ لماذا ترفضين العودة ؟! أما أرسلت لك كي تعودي إلى منزلك ؟ لماذا ترفضين ؟ لقد تخطيتى سن الدلال ؟ أما تعلمين كم عمرك الآن ؟! سوف أتي اليكم ، وسوف تأتين معي.
ذهب إليها ، سألها : أريد تفسيراً لبقائك هنا ؟
نظرتْ إليه معاتبة :
أما علمت إلى الآن لماذا تركتُ لك كلَّ شيء؟! لقد كسرت قلبي، غمرتك بحناني، فبدلته بقسوتك، تعلم كما يعلم الجميع، أننى لا دخل لي، ولا مأوى عندي، ومع هذا تركت لك كل شيء؛ هرباً من سطوتك، وسلاطة الفاظك. قاطعها : الآن تتذكرين سطوتي بعد مرور ثلاثين عاماً على زواجنا ؟!
أردفت: هل تعلم أن بتر القلب هو بتر الوجع، وأن كبرياء المفارقة كعصا سليمان، مهما صمد فالليل آكله، وما كان لفوارغ الصمت أن تحيك لقلبي سوى المزيد من الفجائع، وكثير من الوجع، نعم بعد كل هذا الوقت أفارقك، ذبحتني بسيف لسانك الحاد أمام جميع زوارنا، وكرامتي التى تفننت فى بعثرتها أمام ذويك، مما جعلهم يذبحون كرامتى فى كل وقت نجتمعع فيه، وعندما استنكرُ أفعالهم يتعللون بأنها مجرد مُذحة.
أردف الزوج : لقد جننتى !
قالت : لقد صبرت طويلأ وتجرعت كؤس المرارة من أفعالك التى تعبت من إيجاد مبرر لها.
قال فى حدة: ما هى؟
أردفت : لقد كان سيف لسانك الحاد يمزق كبريائي فى كل وقت، كل وقت تنعتني، تصادر رأيِّ ، تتعمد اهانتي، لا تعبأ بالمكان ولا بالموجودين ، كنت دائما تسفهنى، تنهرني لأتفه الأسباب، كل يوم كنت تصتأصل جزءاً من قلبي، إلى أن صرتُ بلا
قلب، كثيرا كنت تترك لى بضعة جنيهات، وانا اعلم أنك ترتاد أفخم المطاعم لِمَاذا؟
ولمْ اشكِ أو أبالي أو أعترض؛ فقط من أجل أبنائي.
أردف : والحب؟ والعشرة؟
قالت: ذلك الذي قديماً ألفتُ الاعتكاف بذكراه كل مساء، ليعتصر الشوق صبراً،
أمّلِاً أن يدفع عن قلبي برّد فتورك، بقبس من الماضي،
قد أبت عليها انوثتي أن تخذلني فيه، وتمنعني في جناته زهداً،
فما كان لعقلي الكبير الصغير، إلاَّ ان يرضي بقبح مثيلته العاطفية قدراً له،
وفقر الشعور لديك لشوقي الكفيف ؛ خليلا.
قال الزوج فى حدة وصرامة: والحل ؟
أردفت : أما وقد ملئت جعبتي بفيض من قسوة، إهانة، سخرية أمام جميع اقراننا، وختمت هذا بإ هانتك لى أمام زوجة ابنك ولطمت وجهي حتى سال الدم من فمي ، الأن فقط أنطقها بملء فمي وأنا لا دخل لى ، ولا مأوى عندي وفي هذه السن الحرجة سأترك لك كل شئ وأنا الفائزة طلقنى.

غربة بقلم / صلاح نبيل. مصر.


بقلم / صلاح نبيل. مصر..

بكى الهاتف من ألمها، اهتز من أنينها، فصوتها يأتِ إلى أذني في هذه اللحظة مختلطًا بآلام مزلزلة للرحم وزفرات عنيفة قاستها أثناء ولادتي، عَبرات قاستها عند إصابتي بالحمى وهي ساهرة بجواري في الوقت الذي كان أبي يغط في نوم ثقيل عائدًا من عمله منهكًا خائر القوى طالبًا للراحة حتى يواصل عمله في اليوم التالي، سمع الهاتف دعاءها فكاد يسبح، التقطت سماعته شدة لوعتها فكاد يقبلها شوقًا، كأنه أصبح من عائلتنا وتعاطف معنا، كأن الروح دبت في أوصاله فهو يشاركنا مشاعرنا ودموعنا، وهكذا دمعت عيني واغرورقت دموعًا من محادثتها فبللت الهاتف ولمعته بحنيني إلى أمي، وكأنني أقسمت ألا أدع أحدًا إلا أن يشاركني حنيني إليها، حتى موظف الإتصالات لمعت عيناه عند خروجي من كابينة الهاتف وربت على كتفي أثناء دفع المبلغ المستحق ودعا لي بالصبر.
كانت هذه كواليس المشهد الأقسى لليوم الأول من الغربة فقد فارقتها للتو مودعًا، وكانت آخر كلمانها:
-أطع والدك؛ يضمن لك ربك الجنة.
لم ترض لي بالغربة، إلا أن طموحي كان أقوى مني، فارقت جنتها الموعودة ودعاءها الغير مردود، أوصتني بنفسي خيرًا، أوصتني بديني وبصلاتي، منذ جئت للحياة وأنا ملاصق لها، مشاركًا لها الأفراح والآلام، متقاسمًا معها للحظات قاسية من الوجع والعافية، وكأن المشرق قد زاد ابتعادًا عن المغرب ببعدي عنها، أوجاع تنهش قلبي، كل شيء أصبح غريبًا مريبًا، كل الوجوه قاسية، كل العيون غريبة؛ تحولت لإنسان آخر يموت قلبه ويسيطر عليه عقله، الحسابات تملؤه أكثر من العاطفه، الشك عنده طغا على اليقين، بت أعد أصابعي بعد فراقي للغرباء، بت أؤمن مغلاق مسكني بعدما كدت أبات وباب شقتنا مفتوحًا بحضرة أمي، الآن لا أمان بعد أمانها، لا صدق بعد حسن حديثها، أي دموع الآن للفراق كاذبة إلا دموع فراقها، أي عاطفة الآن فالأشواق ناقصة بعد حنيني في حضرة روحها.
-قطرات خفيفة من الماء على عيني كأنها تمطر، استبشرت خيرًا، ريح معبقة ببقايا المسك تغمر أنفي، نسيم الأمان يغلف روحي، همهمات تصل أذني تدعوني للصبر، تبث في روعي أن غربتك أمست غربتين، إتصال مفاجيء من زوجتي تطالبني بالصبر، رحلت أمي.

مشاركات الأعضاء

تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر

  تغريدة من قصيدة ( القرود في الطريق ) للشاعر متولي بصل مصر أهذي كلابٌ أمْ جرادٌ منتشرْ أمْ عسكر متنكِّرون من التترْ ؟ لا تع...

المشاركات الشائعة